مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

السبت، 24 يناير 2009

خطية آدم


" بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم وبالخطية الموت
وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأ الجميع "

(رو12:5)

لقد خلق الله أبوينا الأولين مزينين بالبر والقداسة وكل ما هو طاهر وجليل.. لأنَّه علي صورته ومثاله خلقهما " لِنَصْنَعِ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا " (تك26:1).

ولكن سرعان ما سقط آدم عندما أكل من الشجرة، التي نهاه الله أن يأكل منها (تك2: 16،17)، فسقطت البشرية كلها في الخطية بسقطته " فَكَمَا أَنَّهُ بِعِصْيَانِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خَاطِئِينَ، فَكَذلِكَ أَيْضاً بِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً " (رو19:5)، ولهذا دُعيت خطية أبينا آدم بالخطية الجدية أو الخطية الأصلية، لأنَّها أصل كل الخطايا التي يرتكبها البشر.

وعلي الرغم من أنَّ آدم هو الذي قد أخطأ، إلاَّ أنَّ خطيته لم تبقَ عالقة به وحده، بل انتقلت منه إلي أبنائه ميراثاً مشئوماً، فأصبح السقوط لا سقوط إنسان، بل سقوط البشرية بأكملها في الخطية التي كان الموت ثمرة من ثمارها.


وقد مات آدم بالفعل تِبعاً لحكم الله " بِعَرَقِ جَبِينِكَ تَكْسَبُ عَيْشَكَ حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ فَمِنْ تُرَابٍ أُخِذْتَ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ " (تك19:3)، كذلك وبالتبعية ماتت في آدم ومعه كل ذريته، وطُردت معه من فردوس النعيم (رو14:5) (1كو 22:15).

يقول القديس مقاريوس

" إن العالم الذي تراه حولك ابتداء من الملك حتى الشحاذ، جميعهم في حيرة واضطراب وفتنة، وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشر الذي دخل داخل الإنسان، عن طريق معصية آدم ".

الفرق بيننا وبين آدم من حيث الخطية الأصلية

علي أن خطية آدم تختلف عن خطية ذريته، إذ أنَّ خطيته فعلاً قد ارتكبه عندما أكل من الشجرة، أمَّا خطية أبنائه فهي حالة قد وجدوا فيها.


ويمكن تشبيه ذلك بسيد أعطى بيتاً لرجل بشرط أن يُحافظ عليه ويُحسن خدمته، لكن حدث أنَّ الرجل أساء استخدام البيت فاسترده السيد، بحكم الشرط الذي اشترطه عليه، فصار أبناء هذا الرجل لا يملكون البيت.

فالفرق بين الاثنين هنا:


إنَّ الرجل فقد البيت لذنب ارتكبه بالفعل، أمَّا الأبناء فحُرموا منه لا لذنب ارتكبوه. إنَّما لذنب ارتكبه أبوهم، لكنَّهم وجدوا في وضع كان والدهم لا يملك فيه البيت.


كما أنَّ خطية آدم كانت خطية فعلية إذ خالف وصية الله، فالخطية خرجت عن ذات آدم، أمَّا فينا نحن فليست هي إلاَّ عدوى من شر خطيته، ومخالفة متعدية منه لنا لأنَّه خلفها لنا.

حقيقة وجود الخطية الأصلية

لا شك أنَّ وجود الخطية الأصلية وانتقالها من آدم إلي ذريته، حقيقة من حقائق الإيمان التي تسلمتها الكنيسة من الكتاب المقدس ومن التقليد.


ففي العهد القديم


يقول معلمنا داود: " هَا إِنِّي بِالإِثْمِ قَدْ وُلِدْتُ وَفِي الْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي " (مز5:51)، " زَاغَ الأَشْرَارُ وَهُمْ مَا بَرِحُوا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَضَلُّوا نَاطِقِينَ بِالْكَذِبِ مُنْذُ أَنْ وُلِدُو " (مز 3:58).


وأيوب الصديق يقول: " مَنْ يَسْتَوْلِدُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ ! " (أي4:14).


وإشعياء النبيّ يقول: " مِنَ الْبَطْنِ سُمِّيتَ عَاصِياً " (إش 8:48).


وفي العهد الجديد


نجد تعاليم السيد المسيح واضحة بشأن العماد، كشرط أساسي لتجديدنا ودخولنا ملكوت الله.. فيقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ " (يو5:3)، فإن كان المولود بالجسد لا يرث الخطية الجدية فما الداعي إذن للعماد؟!


أمَّا معلمنا القديس بولس الرسول فقد زاد الأمر وضوحاً بقوله: " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ " (1كو 22:15)، " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً نِعْمَةُ اللهِ وَ الْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ " (رو15:5)، " لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.. " (رو5: 17-19).


أمَّا التقليد


فيُعلمنا أنَّ الكنيسة في مجمع أفسس الأول (431م)، حاربت بدعة بيلاجيوس الذي نادي بأنَّ خطية آدم قاصرة عليه وحده، وأنَّ كل إنسان يولد يكون مثل آدم قبل السقوط.. وهو يهذا قد هرطق.. لماذا؟


لأنهَّ إن كان كل إنسان يولد بلا خطية فكيف نفسر قول معلمنا داوود النبيّ: " هَا إِنِّي بِالإِثْمِ قَدْ وُلِدْتُ وَفِي الْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي " (مز5:51)، وقول معلمنا بولس الرسول: " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ " (1كو 22:15).


هذا بالإضافة إلي أنَّ الكنيسة منذ القديم.. تسلَّمت تعميد الأطفال لغفران الخطايا، مع أنَّهم لم يرتكبوا خطية بعد.. فهي إذن تعمّدهم لغفران الخطية الأصلية التي قد توارثوها عن جدّهم الأول آدم.


يقول القديس ديديموس الضرير


" إنَّ خطية الأبوين الأولين هي الخطية القديمة التي طهّرنا منها يسوع المسيح في معموديته.. إنَّ جميع أولاد آدم قد ورثوها وانتقلت إليهم بالخلفة عن طريق المعاشرة الجنسية من الوالدين، وهذا هو السبب في أنَّ المسيح ولد من عذراء لم تتلوّث أو تتلطّخ بها.. وبالمعمودية يتطهّر الإنسان من الخطية الأصلية وكل نتائجها ".


فمبدأ انتشار أو سريان الخطية الأصلية في جميع بني آدم، عقيدة من عقائد ديانتنا المسيحية الأساسية، وعلي أساسها يقوم عمل الفداء والخلاص بموت المسيح بدلاً من آدم وبنيه.

طبيعة الخطية الأصلية

يري البعض أنَّها (الكبرياء)، فأبوينا لم يعصيا لمجرد تحصيل لذة محسوسة، لأنَّهما كانا مُبرَّأين من الشهوة والدليل: إنهما " َكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ " (تك25:2)، لكنهما أرادا قبل كل شيء أن يصيرا " كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ " (تك5:3).


وهذه الكبرياء قادتهما إلي العصيان، وهنا فقط جاءت الشراهة إذ " َرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ، فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ (تك6:3)، فلعبت الشهوة دورها والسبب في ذلك: إنَّ الخطية كانت قد دخلت قلب حواء بسقوطها في الكبرياء.


نتائج الخطية الأصلية


فقدان الصورة الإلهية

بالخطية فقد آدم والبشرية معه حالة النعمة والبر التي خلق عليها، لأنَّه كما يقول معلمنا بولس الرسول: " أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ " (2كو14:6).


قبل السقوط كان آدم صورة الله ومثاله، لكنه مجرد أن سقط قال له الرب: " بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ " (تك19:3).


كما أنزلته الخطية إلي مستوي الحيوان ولهزا عندما اشتهى أن يأكل أعطاه الله أن يأكل العشب " وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ " (تك18:3)، الذي كان قبلاً طعام الحيوان (تك30:1).


لقد فقد الصورة الإلهية وبالتالي فقد كرامته واحترامه...

فقدان البساطة والنقاوة

كان آدم وحواء قبل السقوط عريانين ومع ذلك لم يخجلا من بعضهما البعض (تك25:2)، لأنَّهما كانا كطفلين وشحتهما السماء بملابس الطهارة.


وكانا يعيشان في نقاوة وبساطة قلب، إذ لم يكن للدنس مكاناً بينهما، لكنهما بالخطية فقدا بساطتهما، حتى إنَّ آدم حاول أن يُبرر خطيته بأن يُلقى بالمسئولية على حواء، التي ألقت مسئوليتها هى الأُخرى على الحيّة (تك12:3، 13).

ولأنَّهما فقدا حياة النقاوة والبساطة اضطرا أن يصنعا لأنفسهما مآزر لكي يسترا عورتهما، يقول الكتاب المقدس: " فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ " (تك7:3).


الخوف


قبل السقوط كان آدم وحواء يحيان مع الله في فرح وسلام، ولكن ما أن سقطا فسرعان ما تحول السلام إلي خوف واضطراب، ولهذا عندما " َسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ " (تك8:3).


وعندما نادي الرب الإله آدم وسأله: " أيْنَ أَنْتَ؟ " قال آدم: " سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ " (تك10:3).

وإلى الآن لازلنا نشعر جميعاً بخوف مريع عندما نسقط، ولهذا نهرب كثيراً من أنفسنا خوفاً من صوت ضمائرنا!

آلام الحياة

كان من نتائج خطية آدم أن الله حكم عليه بأن يأكل خبزه بعرق جبينه " مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ " (تك3: 17-19).

أما حواء فقال لها: " تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً، وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ " (تك16:3).

الموت

خلق الرب الإله آدم " وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا "، ثم أوصاه قائلاً: " مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ " ( تك2 :15-17).

لكنَّ آدم لم يحفظ الوصية فأكل من الشجرة التي نهاه الله عن أن يأكل منها، فكان لابد أن يموت لأنَّه خالف قول الرب، فالله الرحوم هو نفسه الله العادل، وقد استطاع الله بحكمته أن يجعل الرحمة والعدل يلتقيا في شخص المسيح، فيموت البار لتحيا البشرية المائتة بموته!

كيف تنتقل الخطية الأصلية من آدم إلي ذريته؟

عن طريق الولادة التي من خلالها يرث البشر طبيعة المولودين منه، وطبيعة آدم بعد الخطية قد تلوثت، وأصبحت تحمل الثنائية: الخير والشر، وصار محكوم عليه بالموت، فالإنسان بحسب حكم الوراثة يرث من أبويه المنظر والشكل الخارجي، كما يرث الاستعداد للصفات النفسية والأخلاقية والميول العقلية والذهنية، ويرث صفات أخري جسمية ونفسية.. تنحدر إليه من جميع الآباء السابقين علي أبويه القريبين، أيّ من جميع أصول الشجرة البشرية وأفرعتها موصولة بالأب الأول للجنس البشري آدم الذي منه تفرّع الناس، ومنه ولدوا وتوالدوا، فانتشر فيهم جميعاً دمه وبالتالي صفاته وميوله.

ولذلك صارت لجميع الناس صفات وخصائص مشتركة يشترك فيها جميعهم، وبحسب قانون الوراثة، الذي هو قانون طبيعيَّ مثل جميع القوانين الطبيعية، في ثباتها وحتميتها وعدم تخلّفها، لا يخلق الإنسان خلقاً مباشراً منفصلاً عن أبويه، كما خلق الأب الأول آدم.


وإنَّما يخلق كل بشر نتيجة للتزاوج بين الرجل والمرأة، ويولد منهما معاً، فيكتسب طبيعتهما ويتّصف بصفاتهما، وفي هذا يقول الكتاب: " وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ وَلَداً عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا اسْمَهُ شِيثاً " (تك3:5).

ولمَّا تم التوالد في الجنس البشري بعد أن سقط الأبوان الأولان في الخطية (تك1:4)، فكان ولابد لأولاد آدم أن يرثوا حالته الساقطة، لأنَّهم ولدوا منه بعد سقوطه، ولو كانوا ولدوا منه قبل السقوط لكانوا قد ورثوا حالته السامية التي كان عليها قبل السقوط، فلا عجب أن يرث الابن أو الابنة.. حالة المرض أو الضعف أو الاستعداد لمرض انحدر إليه من أحد جدوده لأبيه أو لأمه، فمثل هذا ما يعرف بالأمراض الوراثية، كالسكر أو عمي الألوان...

ولهذا يقول داوود النبيّ: " هَا إِنِّي بِالإِثْمِ قَدْ وُلِدْتُ وَفِي الْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي " (مز5:51)، " زَاغَ الأَشْرَارُ وَهُمْ مَا بَرِحُوا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَضَلُّوا نَاطِقِينَ بِالْكَذِبِ مُنْذُ أَنْ وُلِدُو " (مز 3:58)، وإشعياء النبيّ يقول: " مِنَ الْبَطْنِ سُمِّيتَ عَاصِياً " (إش 8:48)، أمَّا أيوب الصديق فيقول: " مَنْ يَسْتَوْلِدُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ ! " (أي4:14).

تلك النصوص وغيرها تشهد بأنَّ جرثومة الخطية تغلغلت في كيان الجنس البشري، وكل إنسان يولد عليه أن يحملها! ومثل الإنسان في ذلك، النبات والشجر، فكل نبات وشجر يُثمر ثمراً كصنفه: " وَقَالَ اللهُ: لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْباً وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْراً وَشَجَراً ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَراً كَجِنْسِهِ بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ وَكَانَ كَذَلِكَ " (تك1 :12،11)، ولهذا يقول رب المجد يسوع: " مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِيناً؟ " (مت16:7) (لو6: 44،43) (يع12:3).

من هنا نفهم السبب الذي من أجله ولد المسيح من عذراء بغير زواج.. عذراء لم يعرفها رجل معرفة الأزواج.. لأنَّ هذا هو الطريق الأوحد الذي يضمن عدم سريان الخطية الجدية إلي المسيح يسوع، الذي حملت به العذراء وولدته مثلنا تماماً في كل شيء إلاَّ في خلوة من لوثة الخطية الأصلية، فجميع الأولاد يولدون ملوثين بالخطية الأصلية، إلاَّ يسوع المسيح وحده (مت 18:1) ، ولهذا قال مرّة لليهود: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ " (يو46:8) فهو الوحيد الذي " الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ " (ابط22:2).

وكون المسيح لم يرث الخطية الجدية، أهّله ليكون دون غيره من بين من أخذوا طبيعة الإنسان أن يقوم بعملية الفداء ويتمم لنا الخلاص، كما قال معلمنا بطرس الرسول: " وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ " (أع12:4)، " لأَنَّهُ يُوجَدُ إلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ " (1تي5:2).

المعمودية: طريق الخلاص من الخطية الأصلية

أخطأ آدم بأكله من الشجرة المنهي عنها، فصدر عليه الحكم بالموت عقاباً له، لكن آدم لم يمت وحده، وإنّما ماتت معه كل ذريته لأنَّها كانت في صلبه عندما أخطأ، فلا مفر من الموت إذن، لكن المسيح مات بدلاً من المحكوم عليهم بالموت وعوضاً عنهم، ففداهم بموته وصار هو الفاديّ والمخلص... ثم بعد قيامته رسم لنا طريق المعمودية، لتكون الطريق البديل الذي به يتم الحكم علينا بالموت.. فالموت يتم فعلاً في المعمودية بطريقة سرية روحانية غير منظورة، بفعل الروح القدس الذي ينحدر علي مياه المعمودية.

يقول معلمنا بولس الرسول: " مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أيْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَإِذْ كُنْتُمْ أمْوَاتاً فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا (كو2: 13،12)، (رو6 : 3-8)، فالمعمودية إذن موت مع المسيح ودفن معه في الماء بدلاً من القبر، هي موت لطبيعتنا الأولي، أو إنساننا العتيق، وقيامة حقيقية بطبيعة جديدة، وكل من الموت والقيامة، يتم بطريقة روحانية خفية غير خاضعة لحواسنا البشرية.

سـؤال

والآن نتساءل: ألم يكن في وسع الله أن يمنع سقوط الإنسان؟!

الجـواب

كان يمكن لله أن يوقف هذه المهزلة بطريقة أو بأُُخرى، لكنَّ الله " محبة " وقد خلق الإنسان لكي يحيا في دائرة المحبة، والمحبة والحرية لا ينفصلان فحيثما توجد محبة توجد أيضاً حرية، أمَّا الإكراه فهـو يلغي المحبة! والسيد لا يعرف حُب عبده وإخلاصه له، إلاَّ إذا أعطاه حريته!


كما أنَّ الإنسان بدون الحرية لا يكون إنساناً، كائن عاقل بدون حرية لم يوجد بعد، ونحن نعرف أنَّ الحيوانات ليس لها مصير سوى الرعي والذبح والموت، أمَّا الإنسان فهو صاحب مصير، بل ينسج مصيره بنفسه، وهذا لا يتم إلاَّ في وجود الحرية.

بدون حرية لا توجد خطية، نعم، ولكن بدون الحرية لا يصير الإنسان على صورة الله ومثاله، وبدون الحرية لا يقدر أن يدخل في شركة حُبّه! ولهذا لم يتدخّل الله لكي يمنع الإنسان من السقوط رغم عِلمه السابق بسقوطه! فالله كان يعلم بسقوط الإنسان، وكان أيضاً يعرف وسيلة خلاصه! وقد ارتضى الله أن يتجسد ابنه الحبيب ويموت ليُخلّص الإنسان بموته! ولكنَّه رفض أن يمنع الإنسان من السقوط! لأنَّ المنع هنا مناقض لمفهوم الحرية، وطعن في احترام الله للإنسان! ولهذا عندما عصت الملائكة تركها أيضاً تسقط، وحتى الآن رغم أنَّ الله يُعلن عن حقيقة وجوده بوسائل عديدة، ورغم أنَّه يُريدني أن أختـاره إلهاً وأحيا معه.. إلاَّ أنَّه سمح لي بأن: لا أرفضه بل وأُنكر وجوده أيضاً!

نستطيع أن نقول:

إنَّ معرفة الله بخطية آدم وخطايانا، لا تلعب دوراً في الحد من حرية الإنسان، إن سمح بالتجربة فيجعل معها المخرج (1كو10: 13) ويترك الأمر في النهاية لحرية الإنسان!

أخيراً وختاماُ لهزا البحث المتواضع نقول:

إنَّ بعض الناس ينظرون إلي عقيدة الخطية الجدية نظرة قاتمة، إذ يقولون: إنَّ وراثة الخطية الأولي ونتائجها فكرة قاسية تجعل الإنسان يؤخذ بذنب لم يقترفه بالفعل، لكن إن كنّا قد ورثنا حالة آدم الساقطة فحُسبنا فيه أمواتاً لأنَّه أبونا، فلا نحتج ولا نتذمر، لأننا قد نلنا أيضاً بر المسيح الذي بالإيمان، ونعمة التعميد " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ " (1كو22:15) وقد أخذنا في المسيح يسوع بركات عظيمة لا يُعبّر عنها، وقد طعّمنا ونحن أغصان في زيتونة برية، طعمنا في جسد المسيح، فصار لنا خلاصاً وقوتاً وثباتاً..

ليست هناك تعليقات: