مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الأحد، 26 أكتوبر، 2014

جذور وأسباب الشعور بالوحدة



الطفولة
قد ثبت أنَّ نسبة الأطفال الَّذين يُعانون من الشعور بالوحدة تتراوح ما بين (10%- 16%)، وترجع جذور الشعور بالوحدة النفسيَّة لدى الأطفال إلى مرحلة الرضاعة، حيث أنَّ علاقة الأُم غير الحميمة، يكون لها تأثير سلبيّ على شخصيّة الطفل وسلوكيَّاته وتصرُّفاته. كما أنَّ هناك ارتباطاً قويَّاً بين شعور الأُمَّهات بالوحدة النفسيَّة ومعاناة أبنائهن من نفس الشعور، هنا يظهر دور العامل الوراثيّ ففي عام (1985م) قام " لوبديلLobdel بعمل دراسة عن الشعور بالوحدة النفسيَّة، على عينة قوامها (130) فرداً من طلبة قسم عِلم النفس بالجامعة الكنديّة (مانيتوباManitoba ) وقد أسفرت النتائح عن أنَّ الطلَّاب الَّذين كانوا يشعرون بمزيد من الوحدة النفسيَّة كانت أُمَّهاتهم يشعرن مثلهم بمزيد من الوحدة النفسيَّة.. أمَّا مستوى تعليم الوالدين، وشكل وطبيعة العلاقات السائدة بين الطفل وأُسرته كالرفض والحرمان والقسوة.. عوامل لها أثر على شعوره بالوحدة النفسيَّة، وقد ثبت أنَّ عدم تلبيَّة إحتياجات الطفل يقوده إلى الحزن فيشعر بالوحدة وعدم الرضا. وفي داخل المحيط الأُسريّ، يتسبّب انفصال الوالدين أو بُعدهم، وافتقار الطفل لوجود أصدقاء.. في الشعور بالوحدة النفسيَّة.
المراهقة
أثبتت عدَّة دراسات أنَّ نسبة المعاناة فى هذه المرحلة قد تصل إلى (30%)، وذلك بسبب خجل المراهق الشديد خاصة من الجنس الآخر، والعصبيّة الزائدة، ونقص المهارات الإجتماعيّة، وعدم وضوح الرؤية المستقبليّة.. ويرى البعض أنَّ أهم أسباب معاناة المراهقين من حِدَّة الشعور بالوحدة النفسيَّة، تعرُّضهم في طفولتهم المبكرة إلى الصراعات والإحباطات النفسيَّة والخلل في التفاعل الأسريّ والانفصال عن الأُم. ويقرر علماء كثيرون أنَّ مراهقين كثيرين، يعانون من الشعور بالوحدة النفسيَّة بسبب البيئة المدرسيّة والأُسريّة، ومشكلات التعامل مع الأصحاب والجيران خاصة في الأماكن الشعبيّة، والحالة الصحيَّة والضغوط الاقتصاديَّة الواقعة على الأُسرة.. كما أنَّ هناك ارتباطاً بين الخجل والشعور بالوحدة النفسيَّة. وأخيراً نؤكِّد أنَّ للعوامل الثقافيّة والحضاريّة تأثيراً على مستوى الشعور بالوحدة النفسيَّة، وفي مصر تلعب التقاليد الاجتماعيّة، دوراً كبيراً في معاناة المرأة من الوحدة النفسيَّة، فهى مقيَّدة في زواجها ولبسها وكلامها...
الشيخوخة
ليست الشيخوخة مرحلة منفصلة عن الطفولة والمراهقة، فما عاناه الإنسان في طفولته ومراهقته يظهر عليه بوضوح في شيخوخته كما أنَّ التغيُّرات الجسديّة والأمراض وضعف الذاكرة وبعُد الناس وموت الأصدقاء لها دور كبير. والحق إنَّ معاناة الشيوخ من الشعور بالوحدة النفسيَّة، تُمثِّل أزمة نفسيّة تهز كيانهم، وتهدد سلامهم واستقرارهم الداخليّ.. فيختل توازنهم النفسيّ نتيجة لانهيار توافقهم الاجتماعيّ بسبب السن، وبُعد الناس عنهم، وضغط الفكر عليهم، ويترتّب على ذلك أضرار كثيرة تظهر في صورة اضطرابات انفعاليّة ومشكلات سلوكيّة..

السبت، 12 أكتوبر، 2013

العاطفة




ما رأيكم في التربية العاطفية؟ هل تمارسوها مع إخوتكم أو أولادكم؟ كيف نبدأ ؟ وما هى الأساليب التى تؤدى إلى الاستقرار العاطفي؟

إنَّ كل نظرة تتجاهل دور العاطفة في حياتنا، هى في الحقيقة نظرة ضيقة وسطحية، فالعاطفة هى التي تجمع البشر في وحدة منسجمة، ولولاها لتحوَّلوا إلى صخور بشرية لا قلب لها.

وتؤثّر العاطفة في مواقف كثيرة أكثر مما يؤثر العقل، والدليل على ذلك: إنَّ كثيرين في لحظات انفعالية قتلوا أولادهم بل قتلوا أنفسهم، فأين كان عقلهم؟! كان خاضعاً لسلطان العاطفة!!

وبسبب الحُب يهرب كثيرون وكثيرات معاً، ويرتبطون بزيجات فاشلة، ولو أنَّهم حكَّموا عقولهم، ما كانوا قد وصلوا إلى هذه المذلة!!

لكن دراسة العاطفة ليس بالأمر السهل، لأنَّ وسائل التربية الكلاسيكية، جعلتنا نتعامل مع العاطفة لا بالحوار أو البحث.. بل بالهروب!

فقد علَّمونا أن نتحاشى كل التعبيرات العاطفية السامية، لكي لا يُساء فهمنا! وهكذا دفعونا إلى الشعور بأننا مذنبون إذا عبّرنا عن عواطفنا! وقد كان الأفضل أن يُعلّمونا كيف نفهم عواطفنا؟ وكيف نوجهها؟ فهذا يجعلنا أُمناء وحريصين في علاقتنا مع الآخرين، بدل من أن نحيا في وساوس لا حصر لها!

لو أنَّ الله يُريد أن تكون علاقتنا به وأحاديثنا معه بلا مشاعر، لَمَا قال: " هَئَنَذَا أَتَمَلَّقُهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَأُلاَطِفُهَا.. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ الرَّبُّ أَنَّكِ تَدْعِينَنِي رَجُلِي وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ بَعْلِي وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ، وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِم، ِأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ " (هو14:2ـ22).

فالله هنا يتحدّث عن المحبة، والاستغواء، والزواج، والرأفة.. وهذه كلُّها تعبيرات عاطفية، ولكن هذا لا يعني أنَّ صلاتنا ستكون سهلة على الدوام، ولهذا استخدم الله كلمة " البرية " مكان المحنة والتجرّد والعزلة..

الجمعة، 11 أكتوبر، 2013

معنى التردد



عندما نتحدَّث عن التردد، فنحن في الحقيقة نتحدَّث عن شيء كامن فى أعماق طبيعتنا البشريّة الساقطة، التي تحمل الثنائيّة في أعماقها: الخير والشر، القوّة والضعف، الإقدام والتردد، الفرح والحزن.. وهى كثيراً ما تخشى التغيير رغم أنَّها تريده وتسعى إليه بمداومة، لأنَّ الجديد كثيراً ما يربكها!

حقاً إنَّها مأساة أن يحيا الإنسان متردداً، ويجد صعوبة بالغة في اتِّخاذ قراراً في حياته، أو يلجأ لغيره ليتَّخذ له قراره، ولكن سواء أردنا أو لم نرد يجب علينا أن نحيا تلك التجربة المريرة، وأعتقد أننا كثيراً ما نتردد مترنِّحين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار! مختبرين ألم التردد الذي يشعرنا بضعفنا ويؤكِّد قدرتنا المحدوة.

معنى التردد

أن تكون متردداً يعني أنَّك غير قادر على إتِّخاذ قرار إيجابيّ في حياتك، سواء فى مشكلة أو موقف ما.. وتأتي كلمة تردد " hesitation  أو reluctance  " بمعنى: عدم الرغبة، فالإنسان الذي يُعاني من التردد، لا تكون لديه رغبة كاملة في إتِّخاذ قرار هام في حياته.

والتردد له علاقة وثيقة بذهن الإنسان عندما يرفض أيّ فكر جديد، خوفاً من أن يطرأ على حياته تغييرات لم يألفها! أو يجد نفسه مضطراً أن يتَّخذ قرارات لا يُدرك عواقبها.. وهذا يبدو واضحاً في الشخصيَّات التقليديّة التى تتمسّك بالحرف والشكل.. أمَّا الروح أو الجوهر فبعيدة كل البعد عنه! وبهده الطريقة فإنَّ ترددنا فى فعل شيء ما أو التفاعل معه أو احتوائه.. يجعلنا فى حالة ركود ويؤدِّي بنا إلى التقهقر، وأعتقد أننا رأينا التردد عندما ظهر الكمبيوتر والمحمول والدش.. والآن أصبحت هذه الوسائل من مستلزمات الحياة التي لا غنى عنها، بل صارت في متناول أيدي الأطفال!

نعترف بأنَّ التردد آفة نفسيّة وفكريّة.. ما أشر ضررها، إذ تجعل الإنسان يحيا في وساوس لا حصر لها، خوفاً من أن يتَّخذ قراراً خاطئاً يؤثِّر علي حياته ويقضي على مستقبله، وهو بذلك يجعل الإنسان أشبه بقطعة خفيفة من الفلِّين على سطح الماء، تكون قريبة من الشاطيء وفي لحظة تقذفها الأمواج بعيداً! ولهذا لا يمكن للشخص المتردد أن يستقر ويصل إلى هدفه ما لم يتحرر أولاً من تردده.




أسباب التردد



يولد الإنسان صفحة بيضاء في كتاب الحياة، وفي أعماقه قلب يشعر بالحُب ويرتاح للجمال وينفر من القُبح، يُسعده النور ويُخيفه الظلام.. وبمرور الوقت يبدأ يتأثّر بما يتلقَّاه من أساليب التربية، وأفكار ومفاهيم من الأقارب والأصحاب.. التي قد تقوده إلى الإستقرار النفسيّ، أو تُصيبه بأمراض نفسيّة قد يصعُب علاجها..

الخوف

ويُعد الخوف من أهم أسباب التردد، ولهذا لا يمكن للإنسان الخائف أن ينمو في حياته الروحيّة أو العمليّة.. فالخوف سم قاتل للحياة والتقدم، والإنسان الخائف لا يمكن أن يُبدع، أو يُطلق ما فى وجدانه من أحاسيس، والعقل المتردد حتماً سيُصيبه الشلل، وينطفئ فيه نور الحكمة والمعرفة..

والحق إنَّ للخوف تاريخاً، فقبل السقوط كان آدم وحواء يعيشان مع الله في فرح وسلام، ولكن ما أن سقطا فسرعان ما تحول السلام إلي خوف واضطراب ولهذا عندما " سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ "  (تك8:3)، وعندما نادي الرب آدم متسائلاً: " أيْنَ أَنْتَ؟ " قال آدم: " سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ " (تك10:3).

وقد زاد كهنة الأُمم من خوف الإنسان، عندما صوّروا الله جبَّاراً قاسياً ومنتقماً، إذ كانت فكرتهم عن الله أنه أعظم مخيف، والإنسان ما هو إلا عبد ذليل، مخلوق ضعيف، ولهذا سـجن الكهنة القدماء الإنسان فى دائرة محرمات، وأرعبوه بفكرة جهنم والنار الآكلة، فتحول الله فى نظر الأقدمين إلى أُسطورة، كما لو كانت خياليّة ولكنَّها تبث الرعب فى النفوس.

المشاكل النفسية

لقد أصبح من ثوابت علم النفس أنَّ مرحلة الطفولة هى الأهم في حياتنا، لأنَّ فيها يتشكّل الجهاز النفسيّ وينمو الفكر نتيجة الخبرات والمعرفة التي يكتسبها.. ولكن نظراً لجهل الوالدين بوسائل التربية يتسببون في أضرار بالغة قد تصل بالأبناء إلى العقد النفسيّة، عندما يُعاملون أولادهم بقسوة زائدة، تدفعهم إلى الخوف من اتَّخاذ أيّ قرار في حياتهم، خوفاً من العقاب الذي ينتظرهم إذا أخطأوا!

وهناك آباء يجعلون أنفسهم محور كل شيء في حياة أولادهم، فيأمروهم ألاَّ يعملوا شيئاً دون استشارتهم، وهم بذلك يسلبون إرادتهم، ويُقيّدون فكرهم، ويقتلون إبداعم! وعندما يتزوَّجون يعيشون في عجز وسلبيّة ولا يقوون على اتِّخاذ قراراً هاماً بشأنهم وشأن أولادهم!

وفي بعض الحالات- وإن كانت قليلة- يتردد الإنسان في اتِّخاذ قرار، دون أن يعرف سبب التردد! لأنَّ التردد قد ينتج عن صراع يتطور فى اللا وعي أو ما يُعرف بالعقل الباطن أو اللا شعور، إذ ينتج عن تطور هدفين متناقضين داخل الإنسان، أحدهما معروف والآخر غير واضح وهو الذي يسيطر على سلوك الإنسان!

وربَّما يكون هذا المفهوم هو التفسير الذي يحل رموز كثيرة تواجهنا ولا نجد لها تفسيرات مشبعة أو مقنعة، فقد ينام إنسان وقد قرر شيئاً ما في حياته واتَّخذ قراراً مصيريَّاً يؤثِّر على مستقبله، وفجأة ما أن يستيقظ حتَّى يجد نفسه متردداً في ما اتَّخده من قرارات! لماذا؟ قد لا نجد تفسيرات ملموسة، ونادراً إن تحدّث العلماء في مثل هذه الحالات الغامضة، ولكن كما يقول عالم النفس الشهير " فرويد " عندما ينام الإنسان يحدُث صراع بين الغرائر والأفكار.. فيستيقظ الإنسان على فكر جديد ربَّما لم يكن يتوقعه!

وأعتقد أنَّ هذا التفسير يساعدنا في إيجاد معنى لحالتنا المزاجيّة أو الروحيّة، فقد اختبرنا جميعا لحظات ملؤها الفرح والعزاء وكانت هى الأروع فى حياتنا وذلك قبل أن نخلد إلى النوم، ولكن ما أن استيقظنا وبدون أيّ سبب وجدنا أنفسنا مضطربين وخائفين.. أو فاترين وغير قادرين على الصلاة باكراً، مع أننا صلَّينا ونمنا على صوت الترانيم الملائكيّة..!!

الشعور بالنقص

سواء بسبب الفقر والحرمان الذي يجعل الإنسان يشعر بالمذلّة، أو العاهات الجسديّة التي تقف حجر عثرة في علاقات المُصاب بها وتجعله متردداً فى قراراته خاصة الزواج، يكفي شعوره بأنَّه لا يتساوى مع الآخرين في هذا العضو أو ذاك.. وهل نُنكر ما يُعانيه ذوو العاهات من سخريّة أثناء الطفولة تؤثر على قراراتهم في الكبر، فقد يهزأ الأطفال بطفل لبشرته السمراء أو لسانه الثقيل أو شعره الأجعد.. فينشأ عن ذلك شعوراً بالنقص، يجعل الإنسان متردداً.

يُحكى عن طفل مات والداه، فأخذه عمَّه وربَّاه إلى أن تخرّج من الجامعة، وبعد أن وجد له وظيفة طلب منه أن يتزوّج ابنته! في البداية تردد الشاب ولكن تحت الإلحاح خضع وتزوج ابنة عمّه، الذي إعتقد أنَّه بهذا أكمل رسالته نحوه ابن أخيه، ولكن حدث يوم الزفاف أن وجد الشاب نفسه غير قادر على الاقتراب من زوجته، وبعد عِدَّة جلسات نفسيّة، اكتشف الطبيب أنَّه يعاني من شعور بالنقص تِجاه زوجته،  وأنَّ خجول ويُعاني من التردد في قراراته.. والغريب أنَّه ارتبط بعلاقة آثمة مع الخادمة التي كانت أقل جمالاً من زوجته!!

فقدان الثقة بالنفس

إن أداة النفي " لا " من أشهر الأدوات التي نستخدمها في علاقتنا! وعندما نضيفها إلى كلمة قد تُعطينا قوّة وتغيّر حياتنا ألا وهى: " أستطيع "، تُصبح من أشهر الكلمات السلبية الهدَّامة! والتي تُعبِّر بوضوح عن عدم الثقة بالنفس، وتقود الإنسان إلى التردد والفشل في الحياة.

والحق إنَّ عدم الثقة بالنفس له جذور منذ الصِغر، عندما كان الأهل يعنِّفون الطفل لأتفه الأسباب ويُحاسبونه على أقل الأخطاء، كما أنَّهم بلا وعي يقذفونه بأشر الألفاظ، وهم لا يدرون أنَّ وصف الطفل بالغباء يجعله يكبر ولديه شعور أنَّه غبيّ، وهذا الشعور قد يتسبب في فشله، فمن المعروف أن الإنسان يكوّن نظرته لذاته من خلال آراء الآخرين فيه.

 كان جوستين طفلاً ذكيّاً ولكن لم يحالفه الحظ أثناء تغليمه، لعدم وجود مدرِّسين أكفَّاء يفهمون سيكولوجيّة الطفل ووسائل التربية الحديثة، فكانوا ينعتونه بأنَّه غبيّ ومتخلّف حتى صدقهم، وترسّب بداخله في اللاوعى أنَّه غبيّ! وعندما كبُر جوستين كان الخوف يلازمه وأصبح إنساناً متردداً وقاده التردد إلى الفشل، وكان يشعر بأنَّه تائه وليس لديه فكره عمَّا يجب أن يعمله، وكان التردد يمنعه من الاستمرار بأيِّ عمل يلتحق به خوفاً من أن يكتشف الناس أنَّه غبيّ ومتخلِّف!!

عدم وضوح الرؤيا

ليس أصعب على الإنسان من أن ينظر ولا يتبين ماذا ينظر!! وتبدو هذه الحالة أكثر إنتشاراً بين كثيرين ممن يرغبون الرهبنة، لقد تحمَّسوا لحياة تمنّوها وأخذوا يتحدَّثون عن آمالهم وفجأة سمعنا خبر زواجهم! لماذا؟ لأنَّ الرؤية كانت غير واضحة، وهم يتذبذبون بين البتولية والزواج، فما أن تحرَّكت عواطفهم حتَّى تزوَّجوا، وربَّما كانوا يبحثون عن حياة مثالية تمنَّوها، ولكنَّهم لا يملكون مقوماتها، الطفل يتمنَّى أن يصير طبيباً أو ضابطاً.. وربَّما بسبب قدراته الذهنية المحدودة لا يُكمل تعليمه.

ولهذا لا أنسى مطلقاً ما قاله لي أحد شيوخ ديرنا العامر: لا تجري وراء الفكرة بل دع الفكرة هى التي تجري وراءك! إنَّها حكمة أب يتكلّم عن خبرة، ولو أضفنا إليها تحديد الهدف في أيِّ حياة تبحث عنه، أو أيّ عمل نُقدم عليه، نكون قد وضعنا الأساس الذي يمكن لأيّ إنسان أن يتَّخذه منهجاً قبل الإقدام على أيِّ عمل.

الخوف من شبح الماضي

حقاً إنَّ الماضي قد مضى ولكنَّه لا يموت، وليس الحاضر سوى حصيلة الماضي ومن هذا الحاضر  يتشكّل فكرنا عن المستقبل، فآثار الماضي تظل ترافقنا في الحاضر، وقد تتسبب في فقدان الثقة بالنفس والتردد، خوفاً من النتائج التي قد تفضح جرائم ارتكبها الشخص، أو أنَّ ما حدث فى الماضى قد يتكرر فى المستقبل .

كان " ديفيد " طفلاً عندما كان يلهو مع أسرته على شاطيء البحر، وفجأة صرخ ديفيد عندما نظر والده يبتعد عنهم، إنَّه يسبح هكذا قالت الأُم، ولكن ديفيد لم يشعر بارتياح خاصة عندما رأى ورأسه تختفي تحت الماء، وقد كان! ومات والده غرقاً! ومنذ تلك اللحظة ولم بذهب ديفيد إلى البحر أو يركب السفينة، لأنَّ البحر كان يتردد فمرّة يسمح لأولاده بالذهاب إلى البحر ومرّة يرفض.

المثالية المطلقة

إنِّي إنسان في داخلي يتعانق الخير والشر، النور والظلمة، هذه عبارة كثيراً ما أُرددها وهى في الحقيقة تُعبّر عن طبيعتي البشرية، وكما قال القدِّيس يوحنَّا الحبيب " إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا " (1يو8:1).

حقاً إنَّ السيِّد المسيح قال: " كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ " (مت8:5)، ولكنَّه لم يطلب منَّا كمالاً مطلقاً، كما أنَّ الكمال لا يعني العصمة، ولهذا يجب أن تحيا الواقع ونتحدد أهدافاً تتناسب مع إمكاناتك وقدراتك! لأنَّ الواقعية تتطلب ألاَّ يجلس الفرد في أبراج عالية من الوهم أو الخيال!

كان توم طفلاً وحيداً وقد كبر وترعرع على أن يكون محط اهتمام الجميع، وطالما نجح توم فى فعل ذلك كان يشعر بالارتياح، ولكن في يومٍ ما تعرّض لأزمة ماليّة كبيرة، فاختفى عن الأنظار وعاش فى عزلة تامة عن الناس، وأصبح يعانى من إكتئاب حاد! لقد عاش في مثالية خيالية فما أن نزل إلى واقع الحياة، حتّى شعر بخيبة أمل، فسقط من برجه الوهميّ ولم يعد إليه مرَّة ثانية!

هذا هو الشخص الواقعيّ: إنسان يريد ما يستطيع ويستطيع ما يريد، وهو بذلك يشعر بلذة النجاح وفرح تحقيق الذات، فالواقعية هنا تعنى: عدم المبالغة في تقدير الذات! ولهذا يجب على كل إنسان أن: " لا يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَاراً مِنَ الإِيمَانِ " (رو3:12).

كما أنَّ الإنسان الواقعيّ يعرض مشاكله دون مبالغة أو تهويل، حتى لا يكون كالطفل يُبالغ في كل شيء، محاولاً بذلك استعطاف الآخرين وجذب انتباههم، وإقناع ذاته بما هو عليه.


التردد بين الإيجابية والسلبية

التردد بين الإيجابية والسلبية
إنَّ التردد كثيراً ما يكون نوع من أنواع الأسلحة الذاتيّة الآمنه، لمواجهة شيء ما نحن غير متأكِّدين من نتائجه، ولهذا نُخطيء كثيراً عندما ننظر إلى التردد على أنَّه حالة من التفكير السلبيّ، قد تضر بالإنسان لكننا نؤكِّد أنَّ التردد ليس عائقاً في كل الأحوال، بل إنَّه كثيراً ما يكون مفيداً عندما يكون وسيلة لتفكير أعمق وأدق خاصة في القرارات المصيريّة كالزواج أو الرهبنة.. لأنَّ الحياة أثبتت أنَّ كل الذين تسرَّعوا وتزوَّجوا بدون صلاة ودراسة فشلوا في حياتهم الزوجيّة، وعاشوا يئنون من كثرة المشاكل وعدم الانسجام، وهكذا من دخلوا الأديرة في حالة نشوة روحيّة، عانوا ولم يحتملوا تجارب الرهبنة.
نؤكِّد أنَّ الإنسان يسير في الحياة إمَّا بقلبه أو عقله، والحكيم هو من يجعل عقله سياجاً لقلبه، والعقل كثيراً ما يوافق على شيء ثمَّ يرفضه بعدما يكتشف ما هو أفضل، والتردد في مثل هذه الحالات هو سمة طبيعيّة للعقل الذي يبحث بمداومة عن الأفضل، فيتعرّف على البدائل المتوقِّعة والمتاحة، ويدرس الموضوع بعمق من عدَّة جوانب، وربما يتبع ذلك استشارة ذوي الرأي وأصحاب الخبرة في الموضوع الذي يشغلنا، وهذا لا يُقلل من شأن الإنسان بل يُزيده رفعة، ولا ننسى أنَّ: الذين بلا مرشد كأوراق الشجر يسقطون.
ولكن فرق شاسع بين إنسان يُفكِّر بعمق، فيدرس ويستشير ليتَّخذ قراراً في حياته، وبين إنسان متردد يُغير قراراته ولا يستقر على حال. وهو لا يقتنع بأفكاره ولا يعمل بآراء الآخرين!
 والحق إنَّ الإنسان يريد أن يُغيّر بيئته، ويُشكّل العالم من حوله، فهو يريد أن يعلو على عالم الواقع، ويتحرر من قيوده عن طريق الاختراعات ففي وسع كلٍ منَّا أن يُعدّل من تراثه البشريّ، لأننا نملك قدرات هائلة تجعلنا نتخطى وضعنا باستمرار، وهذا يتطلب منَّا قرارات حاسمة قد تدفعنا إلى الأمام أو تجذبنا إلى الخلف، ولهذا يجب أن يتأنَّى الإنسان في اتِّخاذ هذه القرارات ويُفكر ويستشير، والتردد في مثل هذه الحالات غير ضار بالإنسان بل التسرّع هو الذي يمكن أن يضرّه ويقوده إلى الانهيار.
وكلَّما ازداد ذكاء الإنسان كان أكثر حرصاً في اتِّخاذ قراراته، وعمقاً في التفكير والتأمُّل في العواقب والنتائج المتوقّعة، وعلى العكس من ذلك كلَّما انخفضت درجة الذكاء كان الشخص مندفعاً بل متهوِّراً في قراراته، يفعل الأشياء دون تفكير، فالشخص الغبيّ لا يعرف أن يُفكّر بطريقة إيجابيّة تقوده إلى حياة أفضل، وبالتالي يفعل ما يطرأ عليه من أفكار، وهو بذلك لا يعرف التردد ولا يفهم أضراره.
 كان هذا هو الوجه الإيجابي في التردد، الذي يقود الإنسان إلى أفضل القرارات التي تقوده إلى حياة أكثر سعادة، أمَّا الوجه السلبي فيظهر بوضوح في الشخصيات الضعيفة والخجولة والتي تعاني من الوسواس القهريّ، وهو مرض نفسيّ يدفع بالإنسان إلى التردد في كل صغيرة وكبيرة، بل قد يصل المريض إلى درجة أنَّه يغسل يده عدَّة مرات بعدما يصافح غيره لأفكار يتوهمها وهى لا تمت للواقع بشيء!
وهكذا يصبح التردد مصدراُ للألم، وقيداً للنمو والتقدم، ومعوِّقاً فى العلاقات الإنسانيّة، فالناس تحتاج شخصيَّات متزنة تتعامل معها، ويجعل التردد الإنسان عاجزاً أن يتِّخذ قرارات مهمة في توقيتها المناسب، فعنصر الزمن هام في الحياة التي تسير بقوة، وبالتالي هناك أشياء تحتاج للحسم في توقيتات مناسبة، فإذا تركنا أنفسنا للتردد بلا ضابط، فإننا نضيع على أنفسنا فرصاً كثيرة قد تغيّر مستقبلنا، وأعتقد أن كثيرين أضاعوا عليهم فرص عمل ناجحة وزيجة أفضل بسبب ترددهم.
ويمكن لنا توضيح الفرق بين التردد الإيجابيّ والسلبيّ، في هذا الجدول على النحو التالي:

المصطلح
التردد (رغبه كاملة)
التردد (عدم الرغبة)
التعريف
التردد بين اختياران هامان أرغب كلاهما معاً لأنَّهما نافعان لي.
التردد فى اختيار هام نافع لي.. ولكني في نفس الوقت لا أرغبه.
المثال
شخص قد أوشك أن يحقق أُمنيته في الحياة ويحصل على الدكتوراة وفجأة أتته فرصه قد تمناها وهى العمل فى الخارج بمرتب كبير.
إمرأه لوط البار تريد أن تستقر فى سدوم وعموره، رغم ما فيها من فساد سيؤدي إلى هلاكها، ورغم أنَّ الله يريدها أن تخرج!
تفسير  المثال
1 – الحصول على الدكتوراة فى مصر.
2 – وفى نفس الوقت  السفر والعمل بالخارج
" هنا نشـــأ تردد "
1 – ارادة الله فى أن تخرج المرأة.
2 – عدم رغــبة إمراة لوط فى الخــروج
" هنا نشـــأ تردد "
وصف التردد
تردد أيجابيّ
تردد سلبيّ