الجمعة، 11 أكتوبر 2013

أسباب التردد



يولد الإنسان صفحة بيضاء في كتاب الحياة، وفي أعماقه قلب يشعر بالحُب ويرتاح للجمال وينفر من القُبح، يُسعده النور ويُخيفه الظلام.. وبمرور الوقت يبدأ يتأثّر بما يتلقَّاه من أساليب التربية، وأفكار ومفاهيم من الأقارب والأصحاب.. التي قد تقوده إلى الإستقرار النفسيّ، أو تُصيبه بأمراض نفسيّة قد يصعُب علاجها..

الخوف

ويُعد الخوف من أهم أسباب التردد، ولهذا لا يمكن للإنسان الخائف أن ينمو في حياته الروحيّة أو العمليّة.. فالخوف سم قاتل للحياة والتقدم، والإنسان الخائف لا يمكن أن يُبدع، أو يُطلق ما فى وجدانه من أحاسيس، والعقل المتردد حتماً سيُصيبه الشلل، وينطفئ فيه نور الحكمة والمعرفة..

والحق إنَّ للخوف تاريخاً، فقبل السقوط كان آدم وحواء يعيشان مع الله في فرح وسلام، ولكن ما أن سقطا فسرعان ما تحول السلام إلي خوف واضطراب ولهذا عندما " سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ "  (تك8:3)، وعندما نادي الرب آدم متسائلاً: " أيْنَ أَنْتَ؟ " قال آدم: " سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ " (تك10:3).

وقد زاد كهنة الأُمم من خوف الإنسان، عندما صوّروا الله جبَّاراً قاسياً ومنتقماً، إذ كانت فكرتهم عن الله أنه أعظم مخيف، والإنسان ما هو إلا عبد ذليل، مخلوق ضعيف، ولهذا سـجن الكهنة القدماء الإنسان فى دائرة محرمات، وأرعبوه بفكرة جهنم والنار الآكلة، فتحول الله فى نظر الأقدمين إلى أُسطورة، كما لو كانت خياليّة ولكنَّها تبث الرعب فى النفوس.

المشاكل النفسية

لقد أصبح من ثوابت علم النفس أنَّ مرحلة الطفولة هى الأهم في حياتنا، لأنَّ فيها يتشكّل الجهاز النفسيّ وينمو الفكر نتيجة الخبرات والمعرفة التي يكتسبها.. ولكن نظراً لجهل الوالدين بوسائل التربية يتسببون في أضرار بالغة قد تصل بالأبناء إلى العقد النفسيّة، عندما يُعاملون أولادهم بقسوة زائدة، تدفعهم إلى الخوف من اتَّخاذ أيّ قرار في حياتهم، خوفاً من العقاب الذي ينتظرهم إذا أخطأوا!

وهناك آباء يجعلون أنفسهم محور كل شيء في حياة أولادهم، فيأمروهم ألاَّ يعملوا شيئاً دون استشارتهم، وهم بذلك يسلبون إرادتهم، ويُقيّدون فكرهم، ويقتلون إبداعم! وعندما يتزوَّجون يعيشون في عجز وسلبيّة ولا يقوون على اتِّخاذ قراراً هاماً بشأنهم وشأن أولادهم!

وفي بعض الحالات- وإن كانت قليلة- يتردد الإنسان في اتِّخاذ قرار، دون أن يعرف سبب التردد! لأنَّ التردد قد ينتج عن صراع يتطور فى اللا وعي أو ما يُعرف بالعقل الباطن أو اللا شعور، إذ ينتج عن تطور هدفين متناقضين داخل الإنسان، أحدهما معروف والآخر غير واضح وهو الذي يسيطر على سلوك الإنسان!

وربَّما يكون هذا المفهوم هو التفسير الذي يحل رموز كثيرة تواجهنا ولا نجد لها تفسيرات مشبعة أو مقنعة، فقد ينام إنسان وقد قرر شيئاً ما في حياته واتَّخذ قراراً مصيريَّاً يؤثِّر على مستقبله، وفجأة ما أن يستيقظ حتَّى يجد نفسه متردداً في ما اتَّخده من قرارات! لماذا؟ قد لا نجد تفسيرات ملموسة، ونادراً إن تحدّث العلماء في مثل هذه الحالات الغامضة، ولكن كما يقول عالم النفس الشهير " فرويد " عندما ينام الإنسان يحدُث صراع بين الغرائر والأفكار.. فيستيقظ الإنسان على فكر جديد ربَّما لم يكن يتوقعه!

وأعتقد أنَّ هذا التفسير يساعدنا في إيجاد معنى لحالتنا المزاجيّة أو الروحيّة، فقد اختبرنا جميعا لحظات ملؤها الفرح والعزاء وكانت هى الأروع فى حياتنا وذلك قبل أن نخلد إلى النوم، ولكن ما أن استيقظنا وبدون أيّ سبب وجدنا أنفسنا مضطربين وخائفين.. أو فاترين وغير قادرين على الصلاة باكراً، مع أننا صلَّينا ونمنا على صوت الترانيم الملائكيّة..!!

الشعور بالنقص

سواء بسبب الفقر والحرمان الذي يجعل الإنسان يشعر بالمذلّة، أو العاهات الجسديّة التي تقف حجر عثرة في علاقات المُصاب بها وتجعله متردداً فى قراراته خاصة الزواج، يكفي شعوره بأنَّه لا يتساوى مع الآخرين في هذا العضو أو ذاك.. وهل نُنكر ما يُعانيه ذوو العاهات من سخريّة أثناء الطفولة تؤثر على قراراتهم في الكبر، فقد يهزأ الأطفال بطفل لبشرته السمراء أو لسانه الثقيل أو شعره الأجعد.. فينشأ عن ذلك شعوراً بالنقص، يجعل الإنسان متردداً.

يُحكى عن طفل مات والداه، فأخذه عمَّه وربَّاه إلى أن تخرّج من الجامعة، وبعد أن وجد له وظيفة طلب منه أن يتزوّج ابنته! في البداية تردد الشاب ولكن تحت الإلحاح خضع وتزوج ابنة عمّه، الذي إعتقد أنَّه بهذا أكمل رسالته نحوه ابن أخيه، ولكن حدث يوم الزفاف أن وجد الشاب نفسه غير قادر على الاقتراب من زوجته، وبعد عِدَّة جلسات نفسيّة، اكتشف الطبيب أنَّه يعاني من شعور بالنقص تِجاه زوجته،  وأنَّ خجول ويُعاني من التردد في قراراته.. والغريب أنَّه ارتبط بعلاقة آثمة مع الخادمة التي كانت أقل جمالاً من زوجته!!

فقدان الثقة بالنفس

إن أداة النفي " لا " من أشهر الأدوات التي نستخدمها في علاقتنا! وعندما نضيفها إلى كلمة قد تُعطينا قوّة وتغيّر حياتنا ألا وهى: " أستطيع "، تُصبح من أشهر الكلمات السلبية الهدَّامة! والتي تُعبِّر بوضوح عن عدم الثقة بالنفس، وتقود الإنسان إلى التردد والفشل في الحياة.

والحق إنَّ عدم الثقة بالنفس له جذور منذ الصِغر، عندما كان الأهل يعنِّفون الطفل لأتفه الأسباب ويُحاسبونه على أقل الأخطاء، كما أنَّهم بلا وعي يقذفونه بأشر الألفاظ، وهم لا يدرون أنَّ وصف الطفل بالغباء يجعله يكبر ولديه شعور أنَّه غبيّ، وهذا الشعور قد يتسبب في فشله، فمن المعروف أن الإنسان يكوّن نظرته لذاته من خلال آراء الآخرين فيه.

 كان جوستين طفلاً ذكيّاً ولكن لم يحالفه الحظ أثناء تغليمه، لعدم وجود مدرِّسين أكفَّاء يفهمون سيكولوجيّة الطفل ووسائل التربية الحديثة، فكانوا ينعتونه بأنَّه غبيّ ومتخلّف حتى صدقهم، وترسّب بداخله في اللاوعى أنَّه غبيّ! وعندما كبُر جوستين كان الخوف يلازمه وأصبح إنساناً متردداً وقاده التردد إلى الفشل، وكان يشعر بأنَّه تائه وليس لديه فكره عمَّا يجب أن يعمله، وكان التردد يمنعه من الاستمرار بأيِّ عمل يلتحق به خوفاً من أن يكتشف الناس أنَّه غبيّ ومتخلِّف!!

عدم وضوح الرؤيا

ليس أصعب على الإنسان من أن ينظر ولا يتبين ماذا ينظر!! وتبدو هذه الحالة أكثر إنتشاراً بين كثيرين ممن يرغبون الرهبنة، لقد تحمَّسوا لحياة تمنّوها وأخذوا يتحدَّثون عن آمالهم وفجأة سمعنا خبر زواجهم! لماذا؟ لأنَّ الرؤية كانت غير واضحة، وهم يتذبذبون بين البتولية والزواج، فما أن تحرَّكت عواطفهم حتَّى تزوَّجوا، وربَّما كانوا يبحثون عن حياة مثالية تمنَّوها، ولكنَّهم لا يملكون مقوماتها، الطفل يتمنَّى أن يصير طبيباً أو ضابطاً.. وربَّما بسبب قدراته الذهنية المحدودة لا يُكمل تعليمه.

ولهذا لا أنسى مطلقاً ما قاله لي أحد شيوخ ديرنا العامر: لا تجري وراء الفكرة بل دع الفكرة هى التي تجري وراءك! إنَّها حكمة أب يتكلّم عن خبرة، ولو أضفنا إليها تحديد الهدف في أيِّ حياة تبحث عنه، أو أيّ عمل نُقدم عليه، نكون قد وضعنا الأساس الذي يمكن لأيّ إنسان أن يتَّخذه منهجاً قبل الإقدام على أيِّ عمل.

الخوف من شبح الماضي

حقاً إنَّ الماضي قد مضى ولكنَّه لا يموت، وليس الحاضر سوى حصيلة الماضي ومن هذا الحاضر  يتشكّل فكرنا عن المستقبل، فآثار الماضي تظل ترافقنا في الحاضر، وقد تتسبب في فقدان الثقة بالنفس والتردد، خوفاً من النتائج التي قد تفضح جرائم ارتكبها الشخص، أو أنَّ ما حدث فى الماضى قد يتكرر فى المستقبل .

كان " ديفيد " طفلاً عندما كان يلهو مع أسرته على شاطيء البحر، وفجأة صرخ ديفيد عندما نظر والده يبتعد عنهم، إنَّه يسبح هكذا قالت الأُم، ولكن ديفيد لم يشعر بارتياح خاصة عندما رأى ورأسه تختفي تحت الماء، وقد كان! ومات والده غرقاً! ومنذ تلك اللحظة ولم بذهب ديفيد إلى البحر أو يركب السفينة، لأنَّ البحر كان يتردد فمرّة يسمح لأولاده بالذهاب إلى البحر ومرّة يرفض.

المثالية المطلقة

إنِّي إنسان في داخلي يتعانق الخير والشر، النور والظلمة، هذه عبارة كثيراً ما أُرددها وهى في الحقيقة تُعبّر عن طبيعتي البشرية، وكما قال القدِّيس يوحنَّا الحبيب " إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا " (1يو8:1).

حقاً إنَّ السيِّد المسيح قال: " كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ " (مت8:5)، ولكنَّه لم يطلب منَّا كمالاً مطلقاً، كما أنَّ الكمال لا يعني العصمة، ولهذا يجب أن تحيا الواقع ونتحدد أهدافاً تتناسب مع إمكاناتك وقدراتك! لأنَّ الواقعية تتطلب ألاَّ يجلس الفرد في أبراج عالية من الوهم أو الخيال!

كان توم طفلاً وحيداً وقد كبر وترعرع على أن يكون محط اهتمام الجميع، وطالما نجح توم فى فعل ذلك كان يشعر بالارتياح، ولكن في يومٍ ما تعرّض لأزمة ماليّة كبيرة، فاختفى عن الأنظار وعاش فى عزلة تامة عن الناس، وأصبح يعانى من إكتئاب حاد! لقد عاش في مثالية خيالية فما أن نزل إلى واقع الحياة، حتّى شعر بخيبة أمل، فسقط من برجه الوهميّ ولم يعد إليه مرَّة ثانية!

هذا هو الشخص الواقعيّ: إنسان يريد ما يستطيع ويستطيع ما يريد، وهو بذلك يشعر بلذة النجاح وفرح تحقيق الذات، فالواقعية هنا تعنى: عدم المبالغة في تقدير الذات! ولهذا يجب على كل إنسان أن: " لا يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَاراً مِنَ الإِيمَانِ " (رو3:12).

كما أنَّ الإنسان الواقعيّ يعرض مشاكله دون مبالغة أو تهويل، حتى لا يكون كالطفل يُبالغ في كل شيء، محاولاً بذلك استعطاف الآخرين وجذب انتباههم، وإقناع ذاته بما هو عليه.


التردد بين الإيجابية والسلبية

التردد بين الإيجابية والسلبية
إنَّ التردد كثيراً ما يكون نوع من أنواع الأسلحة الذاتيّة الآمنه، لمواجهة شيء ما نحن غير متأكِّدين من نتائجه، ولهذا نُخطيء كثيراً عندما ننظر إلى التردد على أنَّه حالة من التفكير السلبيّ، قد تضر بالإنسان لكننا نؤكِّد أنَّ التردد ليس عائقاً في كل الأحوال، بل إنَّه كثيراً ما يكون مفيداً عندما يكون وسيلة لتفكير أعمق وأدق خاصة في القرارات المصيريّة كالزواج أو الرهبنة.. لأنَّ الحياة أثبتت أنَّ كل الذين تسرَّعوا وتزوَّجوا بدون صلاة ودراسة فشلوا في حياتهم الزوجيّة، وعاشوا يئنون من كثرة المشاكل وعدم الانسجام، وهكذا من دخلوا الأديرة في حالة نشوة روحيّة، عانوا ولم يحتملوا تجارب الرهبنة.
نؤكِّد أنَّ الإنسان يسير في الحياة إمَّا بقلبه أو عقله، والحكيم هو من يجعل عقله سياجاً لقلبه، والعقل كثيراً ما يوافق على شيء ثمَّ يرفضه بعدما يكتشف ما هو أفضل، والتردد في مثل هذه الحالات هو سمة طبيعيّة للعقل الذي يبحث بمداومة عن الأفضل، فيتعرّف على البدائل المتوقِّعة والمتاحة، ويدرس الموضوع بعمق من عدَّة جوانب، وربما يتبع ذلك استشارة ذوي الرأي وأصحاب الخبرة في الموضوع الذي يشغلنا، وهذا لا يُقلل من شأن الإنسان بل يُزيده رفعة، ولا ننسى أنَّ: الذين بلا مرشد كأوراق الشجر يسقطون.
ولكن فرق شاسع بين إنسان يُفكِّر بعمق، فيدرس ويستشير ليتَّخذ قراراً في حياته، وبين إنسان متردد يُغير قراراته ولا يستقر على حال. وهو لا يقتنع بأفكاره ولا يعمل بآراء الآخرين!
 والحق إنَّ الإنسان يريد أن يُغيّر بيئته، ويُشكّل العالم من حوله، فهو يريد أن يعلو على عالم الواقع، ويتحرر من قيوده عن طريق الاختراعات ففي وسع كلٍ منَّا أن يُعدّل من تراثه البشريّ، لأننا نملك قدرات هائلة تجعلنا نتخطى وضعنا باستمرار، وهذا يتطلب منَّا قرارات حاسمة قد تدفعنا إلى الأمام أو تجذبنا إلى الخلف، ولهذا يجب أن يتأنَّى الإنسان في اتِّخاذ هذه القرارات ويُفكر ويستشير، والتردد في مثل هذه الحالات غير ضار بالإنسان بل التسرّع هو الذي يمكن أن يضرّه ويقوده إلى الانهيار.
وكلَّما ازداد ذكاء الإنسان كان أكثر حرصاً في اتِّخاذ قراراته، وعمقاً في التفكير والتأمُّل في العواقب والنتائج المتوقّعة، وعلى العكس من ذلك كلَّما انخفضت درجة الذكاء كان الشخص مندفعاً بل متهوِّراً في قراراته، يفعل الأشياء دون تفكير، فالشخص الغبيّ لا يعرف أن يُفكّر بطريقة إيجابيّة تقوده إلى حياة أفضل، وبالتالي يفعل ما يطرأ عليه من أفكار، وهو بذلك لا يعرف التردد ولا يفهم أضراره.
 كان هذا هو الوجه الإيجابي في التردد، الذي يقود الإنسان إلى أفضل القرارات التي تقوده إلى حياة أكثر سعادة، أمَّا الوجه السلبي فيظهر بوضوح في الشخصيات الضعيفة والخجولة والتي تعاني من الوسواس القهريّ، وهو مرض نفسيّ يدفع بالإنسان إلى التردد في كل صغيرة وكبيرة، بل قد يصل المريض إلى درجة أنَّه يغسل يده عدَّة مرات بعدما يصافح غيره لأفكار يتوهمها وهى لا تمت للواقع بشيء!
وهكذا يصبح التردد مصدراُ للألم، وقيداً للنمو والتقدم، ومعوِّقاً فى العلاقات الإنسانيّة، فالناس تحتاج شخصيَّات متزنة تتعامل معها، ويجعل التردد الإنسان عاجزاً أن يتِّخذ قرارات مهمة في توقيتها المناسب، فعنصر الزمن هام في الحياة التي تسير بقوة، وبالتالي هناك أشياء تحتاج للحسم في توقيتات مناسبة، فإذا تركنا أنفسنا للتردد بلا ضابط، فإننا نضيع على أنفسنا فرصاً كثيرة قد تغيّر مستقبلنا، وأعتقد أن كثيرين أضاعوا عليهم فرص عمل ناجحة وزيجة أفضل بسبب ترددهم.
ويمكن لنا توضيح الفرق بين التردد الإيجابيّ والسلبيّ، في هذا الجدول على النحو التالي:

المصطلح
التردد (رغبه كاملة)
التردد (عدم الرغبة)
التعريف
التردد بين اختياران هامان أرغب كلاهما معاً لأنَّهما نافعان لي.
التردد فى اختيار هام نافع لي.. ولكني في نفس الوقت لا أرغبه.
المثال
شخص قد أوشك أن يحقق أُمنيته في الحياة ويحصل على الدكتوراة وفجأة أتته فرصه قد تمناها وهى العمل فى الخارج بمرتب كبير.
إمرأه لوط البار تريد أن تستقر فى سدوم وعموره، رغم ما فيها من فساد سيؤدي إلى هلاكها، ورغم أنَّ الله يريدها أن تخرج!
تفسير  المثال
1 – الحصول على الدكتوراة فى مصر.
2 – وفى نفس الوقت  السفر والعمل بالخارج
" هنا نشـــأ تردد "
1 – ارادة الله فى أن تخرج المرأة.
2 – عدم رغــبة إمراة لوط فى الخــروج
" هنا نشـــأ تردد "
وصف التردد
تردد أيجابيّ
تردد سلبيّ

الأحد، 15 يوليو 2012



مختصر السيرة


وُلِدَ أنبا كاراس في روما، وعاش حياة الأمراء فهو شقيق الملك ثيؤدوسيوس الكبير، وإن كنَّا لا نعرف تاريخ ميلاده إلاَّ أننا من خلال سيرته كما وردت في السنكسار القبطيّ، نعرف أنََّه تنيح في اليوم التالي لنياحة أنبا شنودة رئيس المتوحدين أي يوم   (8 أبيب سنة 451م)، وقبل نياحته أرسل له الله أنبا بموا قس برية شيهيت، ليكتب لنا ما رآه وسمعه ويقوم بدفنه، وهو في الطريق إلى أنبا كاراس قابل القديسين: سمعان القلاَّع وأبامود القلاَّع وتحدّث معهما، وعندما قابل أنبا كاراس وصفه هكذا: إنسان منير ونعمة الله في وجهه، وعيناه مضيئتان جداً، وهو متوسّط القامة، ونحيف الجسم، وذو لحية طويلة لم يتبقَ فيها سوى شُعيرات سوداء قليلة، ويرتدي جلباباً بسيطاً، وصوته خفيف، وفي يده عكَّاز، وقد أعلمه أنبا كاراس أنَّ مدة حياته في البرية (57) سنة لم يرَ خلالها وجه إنسان، وأثناء الحديث رأى أنبا كاراس روح أنبا شنودة رئيس المتوحّدين وهى صاعدة إلى السماء يوم (7 أبيب)، وقد حضر السيد المسيح والملائكة نياحة أنبا كاراس، وعندما طلب من رب المجد أن يرى داود النبيّ جاء في الحال ورتّل مزاميراً بقيثارته، وبعد النياحة اختفت مغارته عندما وضع السيد المسيح يده عليها.
بركته المقدَّسة فلتكن معنا آمين.

الأربعاء، 11 أبريل 2012

أهمية قيامة السيد المسيح



إنَّ لعيد القيامة مكانة عظيمة عند كل المسيحيين، فالكنائس تحتفل به احتفالاً عظيماً، لأنَّ المسيح بقيامته قد سحق رأس الحية القديمة المدعوة إبليس، وحطَّم متاريس الجحيم، وانتصر على الهاوية ناقضاً أوجاع الموت، فلم يعد للموت شوكة ولا للهاوية غَلَبة (1كو55:15).

لقد نزل المسيح إلى الجحيم، فحجب الموت وجهه عنه! وتسمّرتْ قدماه فلم يقدر أن يقترب منه! رقد بين الأموات فأيقظ برقاده الراقدين، وعَلَتْ بين سكان القبور أصوات التمجيد، إنَّها ساعات قضاها في الجحيم، عقد خلالها اجتماع الحيّ مع القديسين الراقدين على الرجاء، وكلَّمهم بكلام الحياة.

وهكذا تكلَّمت الأبدية، والدهور ترنَّمت، فالقدوس قد قام لكي يُفرّح الخطاة التائبين، ويُرشد التلاميذ ويضع لهم خطة التبشير، فلابد أن يصل اسمه لكل إنسان، وتنتشر تعاليمه السامية في كل مكان، ويعرف القش الضعيف أنَّه لا يقدر أن يقف أمام اللهيب.

قيامة المسيح هى أساس ديانتنا، فإذا تزعزع الأساس سقط بناء الكنيسة الشامخ الذى أسسه ابن الله، ألم يقل مُعلمنا بولس الرسول: " وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضاً إِيمَانُكُمْ ؟! " (1كو14:15).

لكى تنتشر المسيحية كان ولابد من تلاميذ يكـرزون إذ " كَيْفَ يُؤْمِنونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟" (رو14:10)، وهل يُعقَل أن يبشر التلاميذ بحقيقة وهمية؟! وما الداعي لأن يشهدوا لإنسان خدعهم، وقال: إنَّه سيقوم ولم يقم؟!

نستطيع أن نقول: إنَّ قيامة المسيح كانت الشرارة التى ألهبتْ قلوب التلاميذ فكرزوا في كل مكان بالإنجيل، وأشعلتْ نار الإيمان في قلوب السامعين، يهود كانوا أم وثنيين! فمن كان يظن أنَّ اثني عشر رجلاً بسطاء يمكنهم أن يقفوا أمام ملوك وأباطرة ويُحاوروا علماء وفلاسفة.. ولكن بقوة القيامة استطاع الجهلاء أن يخزوا الحكماء! والضعفاء أن يغلبوا الأقوياء!

لولا القيامة لأصبح الصليب هزيمة ومأساة دموية، والمسيحية خرافة، والعهد الجديد أُسطورة، وأضحى ملايين الأحياء والأموات ضحايا مهزلة مُروّعة.. فقيامة المسيح هى حلقة من سلسلة طويلة تشمل عدة حوادث ألا وهى: التجسد، الصلب، الفداء، القيامة، الصعود، وكل حلقة مفقودة تفقـد السلسة ترابطها ، وتجعل الفداء مستحيلاً!

لقد وعظ المسيح وقد استطاع ببلاغته وسمو تعاليمه، أن يجذب وراءه جموع غفيرة، وهكذا صار للراعي قطيع كبير، ولكن لولا قيامته لأصبحت تعاليمه نسياً منسياً، فالقيامة هى التى حفظتْ تعاليم المسيح وأعطتها قوة، وجعلتْ لمبادئه قيمة ولأفكاره معنى..

ونحن لا نُنكر أنَّ فلاسفة وعلماء كثيرين.. قد قاموا بأعمال عظيمة خلَّدَتْ أسمائهم في كتب التاريخ، ولكنَّهم في النهاية انهال عليهم التراب، وتواروا في ظلام القبور، ولم يستطع أحد منهم أن يقوم ليرى شيئاً من مجده.. إلاَّ ابن الإنسان، فهو المعلم الوحيد الذى قام ورأى تعاليمه يُنادَى بها في كل مكان! لأنَّ مركز تعاليمه هو الله، فكل ما بشَّر به وما فعله كان باسم الله، حتى موته على الصليب كان إظهاراً لمحبة الله.

والآن نحن نفخر بأنَّ ديانتنا السامية، لم يؤسسها معلَّم بشريَّ وفقاً لمذهب دنيويَّ... بل أسسها ابن الله، لا على قوة المنطق، أو بهاء الفلسفة... بل على قوة المعجزة، والقيامة معجزة المعجزات!

مَن كان يظن أنَّ الملائكة تأتي في يوم ما إلى قبرٍٍ؟! أليست القبور كانت في نظر اليهود من الأماكن النجسة التي لا يرقد فيها سوى الموتى، ولا يسكنها إلاَّ المُصابون بالبرص أو من بهم أرواح شريرة ؟! أليس كل من يلمس القبور كان يصير بحسب الشريعة نجِساً، ويُنجّس كل من يلمسه وهو لذلك يحتاج أن يتطهير.. ؟! فما الذي قد حدث؟!

لا تتعجبوا! فكل مكان يحل فيه مسيحنا القدوس، هو أشبه بسماء تشتهي الملائكة أن تسكن فيه، فدخول المسيح إلى القبر قد نزع عنه نجاسته، وحوّله إلى موضع بركة، يشتهي المؤمنون في كل العالم أن يلتقوا فيه ويتمتعوا ببركات الحيّ الذي رقد فيه، ثم قام منتصراً على الموت، ناقضاً أوجاعه، وهادماً سلطانه..

قيامة المسيح هى بُشرَى بأنَّ قيامة الأجساد هى حقيقة مؤكدة، فالمسيح هو " باكورة الراقدين " (1كو20:15)، إذن كل الذين آمنوا بالمسيح القائم من بين الأموات، حتماً سيقومون منتصرين، هازئين بالموت، محتقرين الهاوية!

لكنَّ المسيح قبل أن يقوم تألم في المذود الحقير، وعيشة الفقراء، والتبشير المرهق.. تألم من رفض اليهود رسالته، وخيانة يهوذا له، وهروب التلاميذ ساعة التجربة.. فهل لنا أن نقول: إنَّ حياته كانت رحلة مع الآلام! وقد أباد الألم سطور الفرح من كتاب حياته! ولكن بعد أن صُلب واكتستْ سماء الجلجثة بظلمة حالكة، وتخضّبتْ أرضها بدماء المُخلّص الطاهرة.. بعد أن صار في نظر أعدائه، بقايا إنسان وبقايا مُعلّم وصُلبتْ دعوته ونُزف دمه كما نُزفتْ كلماته، ولم يبقَ منه إلاَّ جسد مُهشم مُعلّق بمسامير حادة... انبثق النور من قبره! ليُضيء على الجالسينَ في الظلمة!

وما هذا إلاَّ إعلان: إنَّه لا قيامة إلاَّ بعد آلام! وهل نُنكر أنَّ القيام من الفشل لا يتحقق إلاَّ بعد كفاح؟ وهكذا القيام من الخطية يستلزم جهاد التوبة، والتغلّب على الكراهية يسبقه عذاب الغفران للمخطئين، والانتصار على الذات يتطلّب مقاومتها وعدم الاستجابة لرغباتها..

والحق إنَّ قيامة السيد المسيح تدفعنا إلى العيش بسلوك جديد، وكل الذين ماتوا عن شهوات العالم وقاموا مع المسيح يجب عليهم أن يطلبوا " مَا فَوْقُ حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ " (كو1:3- 4).

أتتذكرون قصة القيامة ؟ أتعرفون ما قد حدث ؟ لقد حدثتْ زلزلة عظيمة، ونزل ملاك الرب من السماء، لكي يُدحرج الحجر عن باب القبر، وهكذا تُزلزِلُ القيامة كياننا الداخليّ وتهدم إنساننا القديم، وتُقدّم لنا خلال مياه المعموديّة الإنسان الجديد، كما أنَّ الملائكة تنزل إلينا لكي تُدحرج الحجر الذي أغلق باب قلوبنا، فنلتقي معهم في شركة حُب من خلال المسيح القائم من الأموات.

فلنفرح أيها الأحباء لأنَّ قيامة المسيح جدَّدتْ طبيعتنا وهذا التجديد يقابله تجديداً آخرَ في الطبيعة، فالطبيعة التى راودها الحزن والنُعاس على صلب خالقها، حتى إنَّ الشمس أظلمتْ، والقمر لم يُعطِِِِ ضوءه، والصخور تشققت.. الآن في عيد القيامة تبتهج بنُصرة خالقها على الموت، فتتفتح زهورها وتملأ الجو بعبير رائحتها..!

إنَّ القيامة هى تجديد، وكل تجديد
في قلب المؤمن هـو حقاً قيامة.

💙 قصة عودة جون سميث من الموت

بقلم: الراهب القمص كاراس المحرقى By: Fr. Karas Al-Muharraqy