التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عناية الله بالكون

نعترف بأن الله منذ أن خلق الإنسان، وهو موضع اهتمامه ، فى أفراحه وآلامه يخاطبه. ولكن الإنسان لا يسمعه بسبب ضجيج أفكاره وهيجان رغباته، ولو عاش بالروح لرآه داخلاً فى كل الأشياء وخارجاً منها، وإليك أدلة منطقية تؤكد عناية الله المطلقة: يستحيل أن تكون العناية الإلهية وأن لا تكون فى وقت واحد، فإما توجد عناية وإما لا توجد، وها نحن نتساءل: كيف يكون حال الكون، لو أن الله قد أغفل عينيه لحظة عنه ؟! ماذا ستفعل الوحوش با لبشر ؟! بدون عناية الله، هل يمكننا أن نشرح شرحاً مقبولاً، تعاقب الليل والنهار، وتتابع الفصول وحركات النجوم.. دعنا نتساءل: من الذى يمنح القوت للبشر، ويُشرق الشمس ويُغيبها، ويُسقط المطر.. ؟ هل الصدفة ؟ لتكن الصدفة هى التفسير الوحيد للوجود! فهل تترك أُسرتك للصدفة، حتى تعولهم وتعالجهم وتعلمهم.. ؟! هل يمكن للصدفة أن تحمل السموات، أو تُرسل لنا حرارة الشمس، أو مياه الأنهار..!! نعترف بأن هناك أشياء كثيرة غامضة ، لن نستطيع بالإمكانات البشرية المحدودة أن نفك رموزها، وأعظم تفسير لها: إنها لا تفسر! إذن لا يمكن أن نفترض عدم عناية الله بخليقته أو بالكون لأننا جهلاء ؟ وال...

البلح والجوافة

إنَّ الرمزيّة هى اللغة الطبيعية للخليقة، فليس أحد علّم الحيوان المقتنص أن يصرخ، ولا الرضيع المريض أن يبكي، ولا الرجل المتألم أن يتنهد.. ومن الملاحظ أنَّ الناس عامة يبتسمون في حالة السرور، لكنهم يُكشّرون في حالة الحزن، وفى حالة الموافقة على شيء، نجد خفض الرأس علامة شبه متفق عليها، أمَّا تحريك الرأس من جانب إلى آخر فيُشير إلى الرفض، كما أنَّ هز الكتفين منظر مألوف، لإظهار أنَّ الشخص لا يرى أو لا يفهم ما نتحدث عنه، وإظهار الأسنان يُشير إلى العداء، واليدان المفتوحتان ترمزان إلى النزاهة. وتتجلّى الرمزيّة بكل وضوح في سفر النشيد، الذي يتحدّث عن علاقة المسيح بكنيسته بأُسلوب رمزيّ، ولا يمكن أن يُفسر إلاَّ بطريقة رمزية، فالآيات التي تربط بين الأُخت والعروس مثل: " أُخْتِي الْعَرُوسَ!! " (نش12:4)، أو " يَا أُخْتِي يَا عَرُوسِي !! " (نش9:4)، يعجز التفسير الحرفيّ عن تفسيرها، إذ كيف يمكن لإنسانة أن تكون أُخت وزوجة في وقت واحد؟! أمَّا من الناحية الرمزية فالسيد المسيح دعاها أُخته، لأنَّه قد أخذ طبيعتنا البشرية عند تجسّده فصار أخاً لنا، ولأنَّه كما قال: " مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَ...

الرجل والمرأة

ا لرجل والمرأة جزءان، كل منهما يُكمّل الآخر، فالرجل فعل أكثر منه سكون، غريزته تدفعه إلى البحث والاستكشاف، وحركته تقوده للهدم والقتل والقتال، يريد أن يصنع التاريخ ويحقق المستحيل بمجرد قواه، لذا يستخدم الوقت للعمل أكثر منه للاستمتاع، لأنه يريد أن يُسجل له التاريخ الأعمال والوقائع والأحداث، فحواسه بأثرها شعلة نارية ملتهبة على الدوام، نستطيع أن نقول: إن الرجل نهم في كل ميادين . أما المرأة فعكس الرجل، فهي تجمع ولا تفكك، تُجبر ولا تكسر، تبنى ولا تهدم ، لها سرعة بديهة، ورقة شعور، ورهافة حس أكثر من الرجل، لأنها تدرك بالقلب أكثر منها بالعقل، فلا يهمها التحليل والبرهان والحجة والإقناع، تذهب بسرعة إلى الغابة قبل أن تستقصى الوسائل المجدية للوصول إليها، هي أكثر عاطفة من الرجل، فهل لنا أن نقول: إن الرجل عقل والمرأة قلب! ولكن فلنحذر، لأن العقل كثيراً ما يقسوا بأحكامه، لو فكر يوماً بدون قلب، وكم يتهور القلب في حبه إن هو أحب دون عقل। لقد أثبتت الدراسات أن الرجل أكثر قوة من المرأة، وهو يستخدم قوته تجاه الأشياء، إلا أنه جبان تجاه نفسه، يخفى قلقه واضطرابه وحيرته وشكه، والتشاؤم والإلحاد لا يأتيان من المرأة...

يــسوع

يسوع كلمة سماوية لفظتها الشفاه الإلهية الأزلية، ثم أعادتها إلى سكينة الأبدية! قدوس نزل من السماء ونمى في بطن العذراء، فدُعى ابن الله وابن الإنسان! فى قصر حبكت زواياه يد شيطان ماهر لم يولد، فهو كهف ضيق، مظلم لا يسـعه، فى ظلاله تذبـل زهور الشباب، وفى زواياه يترمد جمر الحب، بل فى وادي ظل الحياة المرصوف بالألم عاش غريباً، وهناك على نهر الدماء والدموع، كان يقف مصغياً لهمسات قلبه ! رفض أن يعانق الشهوات، فنفثته الثعابين البشرية بسمومها، لكن شعلة حبه السمائية لم ولن ينطفئ لهيبها من قلبه! على صليب العار مات شاحباً الوجه، غارقاً في دمائه، تُحيط بجثته شموع ضئيلة من بنى البشر، فأفصح بسكوت الموت ورهبته وجلاله، عن معنى الحب ومفهوم الحياة، وشرح لنا سر السعادة والخلود! كم مرة نظرت إليه نظرة غريق نحو نجم لامع فى قبة السماء، فمد يده الطاهرة وانتشلني! وعندما تلاعبت أفكار الشك بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخريف، أرسل روح قدسه وهدأني! لقد أعطاني أكثر مما أستحق، والآن أشتهي أن أرفع فى مدينة الأموات تمثالاً للحب الإلهي، لكنى أحتاج إلى كلمات ذهبية ذات أحرف نورانية॥ أحتاج إلى لغة سماوية تضم كل كلمات ال...

الفكر بين الشقاء والسعادة

إنَّ الإنسان كائن مُفكّر ولهذا السبب عينه قد يشقى أو يسعد، فما يملكه من وعي وخيال يقوده إلى لحظات سامية من السعادة، خاصة إن كان يصلى أو يتأمل॥ لكنَّ هذا الوعي ذاته هو الذي يضعه أمام العدم، ويجعله يدرك حقيقة فنائه، والخيال يقوده إلى الجولان هنا وهنا في أشياء فاسدة، ولهذا كثيراً ما يقترن الفكر البشريّ بمشاعر الضيق والخوف॥ وإن كان البعض قد سموا بأفكارهم نحو الله، وكرَّسوا حياتهم لخدمته فهؤلاء قلة। ولو نظرنا إلى طبيعة الحياة، لوجدنا أنَّها تتذبذب بين قطبي اللذة والألم، هنا تظهر إيجابية التفكير، عندما يقود الإنسان إلى الفرح! وما هو الفرح؟ أليس تخفيف حِِدة الألم! أمَّا إذا استغرق الإنسان في تأملاته النرجسية، مستسلماً لأفكاره العنكبوتية، فإنَّه لن يرى في النهاية سوى أشباح الماضي من صور وذكريات॥ والحق إنَّ فكر الإنسان كثيراً ما يقوده إلى الشقاء، عندما يتأمّل بشده ما يعترض حياته من أحداث مؤلمة، ويُحاسب نفسه بقسوة شديدة على هفوات لا قيمة لها، ويحسب لكل شيء حسابه بطريقة مبالغ فيها॥إنَّها وسوسة ربَّما يكون صاحبها قد ورثها أو أصابته في مرحلة مبكرة من حياته। نعترف بأنَّ التفكير السلبيّ المستمر في مع...

الجهـاد الروحـى

ما هو هدف المسيحي؟ أعتقد أن الوصول إلى قلب الله، هو هدف كل مؤمن فى هذه الحياة، ولكن كما يقول رب المجد يسوع: " مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ ! " (مت7: 14)، فالكمال الروحى لا يأتى إلا بعد جهاد عنيف، وصراع طويل، مع الرغبات والشهوات.. أما العزاء الذى يأتى فجأة فى بداية توبتنا، فهو مجرد ومضة روحية ما أسرع زوالها، أو بقعه لامعة فوق قوس قُزح، سرعان ما تشرق الشمس فلا يعود لها أثر فى الوجود! ولهذا لا يسمى كمالاً روحياً، بل هو زيارة من زيارات النعمة الإلهية، يفتقدنا بها الله لكى نتمسك به أكثر، ونستمر بثبات فى حياة الجهاد، محتملين مشقات الطريق. بدون النعمة الإلهية لا نستطيع أن نعمل شيئاً، ولكن بدون إرادتنا البشرية فإن الله لن يعمل معنا شيئاً، إذن هناك عاملان أساسيان لا يمكن الاستغناء عن أحدهما فى الحياة الروحية وهما: المعونة الإلهية، والاستجابة البشرية، فلابد أن يغصب الإنسان نفسه لأن " مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ " (مت11: 12). فجاهدوا فى سبيل النصر، وانتصروا لكى تربحوا، وتواضعوا لك...

شجرة جافة تبحث عن ماء الحياة

كانت إمرأة من السامرة ساقها الهوى فى زمن الصبا إلى متاهات الضلال، فى كهوف الخطية عاشت تتقلب كالحشرات فى زواياها، لقد لفت الخطية بذيلها السام الطويل على عنقها، وزينت لها الدنيا بالزهور، وأفعمت هواءها بالعطور، وأوهمتها بأن ليل الشهوة مضيء، ومملوء بالفرح والسرور. وانفصلت المرأة كحمل جريح عن سرب القطيع، وصارت الوساوس تتقلب فى عقلها، مثلما تتقلب العقارب والأفاعي على جوانب المستنقعات والكهوف، وينجح شيطان الزنى النجس، أن يزوح زهرة ربيعية بأوراق خريفية واضعاً النهار فى صدر الليل! وتذهب المرأة إلى بئر يعقوب، وأخيلة الأشجار القائمة على جانبي الطريق، تتحرك أمامها كأشباح قد انبثقت من شقوق الأرض لتخيفها! لكن يسوع يتخطى التقاليد البالية ويذهب إلى شجرة جفت أغصانها وتساقطت أوراقها، إلا أنها لازالت تحمل جذور حية وإن كانت مختفية فى ظلمة الأرض! وهناك على البئر يجلس ابن الإنسان ليستريح من تعب المسير، وهو فى الحقيقة تعب أكثر من المشي وراء الضالين والساقطين، وما هى إلا لحظات حتى وجدت السامرية نفسها أمام وجه مضيء كما لو كان كوكباً قد هبط من السماء، وقد كان لقاءها بالمسيح أول فصل فى رواية الحياة ، حياة الحب ا...