الأحد، 19 فبراير 2012

شراهة الأكـل

إنَّ جميع الشرور والسير وراء الشهوات، هى رذائل مرذولة كما يرى القديس مار فيلوكسينوس، أمَّا شراهة الأكل فهي أردأ جميع الشرور، لأنَّها تحط بالبشر فتُساويهم بالحيوانات، إذ تُبعدهم عن المعرفة والتعقل التي هي سمات الشخص الناضج! فشجرة الأكل إذا امتدت أغصانها وكثُرت أوراقها، ففي الحال يظلم القلب، ويقتم الذهن..

وهكذا تمتد الأفرع على كل الحواس، فيعم السواد ويظلم الإنسان الداخليّ، لأنَّ الروح الممتزجة فيناتطلب خفة وسرعة، فإذا تثقّل الإنسان بالطعام ربط أجنحة روحه، فتُصبح عاجزة عن الطيران والتحليق في السمائيات.

ولهذا يقول مار إسحق السريانيّ: " كما أنَّه من عرق الصوم ‍‍‍تنبت سُنبلة العفة، هكذا أيضاً من الشبع يتولّد الفسق، ومن الامتلاء النجاسة ".

لا نُنكر أنَّ الله قد أعطانا الطعام لنأكل، فننمو ونعمل، أليس الله هو الذي خلـق النباتات والأشجار بثمـارها الشهية؟ ولماذا خلقها؟ أليس لكي يأكـل منها الإنسان فيحيا؟ " وأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً " (تك2: 16).

لكنَّ الله يريد أن نحيا فقط، لا أن نكون عبيداً لبطوننا! فليس أصعب على الإنسان من أن يكون عبداً لشهوة ما، تقوده وتتحكّم في كل سلوكه وتتقاذفه هنا وهناك، ألم يقل سليمان الحكيم: " مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً " (أم16: 32).

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

عناية الله بالكون

نعترف بأن الله منذ أن خلق الإنسان، وهو موضع اهتمامه، فى أفراحه وآلامه يخاطبه.

ولكن الإنسان لا يسمعه بسبب ضجيج أفكاره وهيجان رغباته، ولو عاش بالروح لرآه داخلاً فى كل الأشياء وخارجاً منها، وإليك أدلة منطقية تؤكد عناية الله المطلقة:

يستحيل أن تكون العناية الإلهية وأن لا تكون فى وقت واحد، فإما توجد عناية وإما لا توجد، وها نحن نتساءل:

كيف يكون حال الكون، لو أن الله قد أغفل عينيه لحظة عنه ؟! ماذا ستفعل الوحوش بالبشر؟!

بدون عناية الله، هل يمكننا أن نشرح شرحاً مقبولاً، تعاقب الليل والنهار، وتتابع الفصول وحركات النجوم.. دعنا نتساءل: من الذى يمنح القوت للبشر، ويُشرق الشمس ويُغيبها، ويُسقط المطر.. ؟

هل الصدفة ؟ لتكن الصدفة هى التفسير الوحيد للوجود! فهل تترك أُسرتك للصدفة، حتى تعولهم وتعالجهم وتعلمهم.. ؟! هل يمكن للصدفة أن تحمل السموات، أو تُرسل لنا حرارة الشمس، أو مياه الأنهار..!!

نعترف بأن هناك أشياء كثيرة غامضة، لن نستطيع بالإمكانات البشرية المحدودة أن نفك رموزها، وأعظم تفسير لها: إنها لا تفسر!

إذن لا يمكن أن نفترض عدم عناية الله بخليقته أو بالكون لأننا جهلاء ؟ والدليل: إن كثيرين يستضيئون بالكهرباء، وهم لا يعرفون كيف يشع النور حين يحركون الزر الكهربائيّ!

هل تعرف كيف يتحول الطعام إلى ريش فى الطيور؟! وأنا لا أعرف كيف يتحول الدم فى بطن الأم إلى غذاء للطفل، فى حين لو أنه شربه بعد الولادة لمرض!!

إذن معرفة الله ترتفع ارتفاعاً لا حد لـه فوق جميع تصوراتنا، وكل ما يراه الإنسان غامضاً إنما يرجع إلى محدوديته، وقد كان أفضل له أن يحيا داخل السياج، الذى وضعه الله فيه.

وأن يقول مع بولس الرسول: " يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاِسْتِقْصَاءِ ! " (رو11)

الاثنين، 12 سبتمبر 2011

البلح والجوافة


إنَّ الرمزيّة هى اللغة الطبيعية للخليقة، فليس أحد علّم الحيوان المقتنص أن يصرخ، ولا الرضيع المريض أن يبكي، ولا الرجل المتألم أن يتنهد.. ومن الملاحظ أنَّ الناس عامة يبتسمون في حالة السرور، لكنهم يُكشّرون في حالة الحزن، وفى حالة الموافقة على شيء، نجد خفض الرأس علامة شبه متفق عليها، أمَّا تحريك الرأس من جانب إلى آخر فيُشير إلى الرفض، كما أنَّ هز الكتفين منظر مألوف، لإظهار أنَّ الشخص لا يرى أو لا يفهم ما نتحدث عنه، وإظهار الأسنان يُشير إلى العداء، واليدان المفتوحتان ترمزان إلى النزاهة.

وتتجلّى الرمزيّة بكل وضوح في سفر النشيد، الذي يتحدّث عن علاقة المسيح بكنيسته بأُسلوب رمزيّ، ولا يمكن أن يُفسر إلاَّ بطريقة رمزية، فالآيات التي تربط بين الأُخت والعروس مثل: " أُخْتِي الْعَرُوسَ!! " (نش12:4)، أو " يَا أُخْتِي يَا عَرُوسِي !! " (نش9:4)، يعجز التفسير الحرفيّ عن تفسيرها، إذ كيف يمكن لإنسانة أن تكون أُخت وزوجة في وقت واحد؟!

أمَّا من الناحية الرمزية فالسيد المسيح دعاها أُخته، لأنَّه قد أخذ طبيعتنا البشرية عند تجسّده فصار أخاً لنا، ولأنَّه كما قال: " مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي " (مت5:12)، أمَّا دعوته الكنيسة بالعروس، فذلك لأنَّه دخل مع الكنيسة في زيجة روحية لا تنفصم إلاَّ بالموت.

حتى في شكل الكنيسة تظهر الرمزية، فحينما تُبنى الكنيسة على شكل صليب، فهذا يُعلن عن طبيعة الكنيسة السرية كجسد المسيح المصلوب، والشكل الدائريّ يرمز إلى طبيعة الأبدية التي حملتها الكنيسة عن الله، وإذا اتخذت الكنيسة شكل السفينة، ففي هذا إشارة إلى فُلك نوح رمز الخلاص.

البلح

هذا وقد امتدت الرمزية إلى الحياة المسيحية لتشمل مأكولاتهم، فما أن يأتي عيد النيروز حتى نتذكّر البلح والجوافة، وما يشيران إليه من معانٍٍ روحية..
فالبلح في لونه الأحمر يُذكّرنا بدم الشهداء، الذي قد سُفك حُبّاً في فاديهم، الذي سبقهم بأن سفك دمه حبا فيهم ورغبة في خلاصهم

والبلح من الداخل لونه أبيض إشارة إلى نقاوة قلوب الشهداء.

وحلاوته البلح تُذكّرنا بحلاوة الإيمان الذي يهب قوة وسلام وفرح وعزاء..

أما صلابة نواة البلح فتُذكّرنا بصلابة الشهداء وتمسّكهم بإيمانهم المستقيم حتى الموت..

الجوافة

والجوافة في لونها الأبيض تُشير إلى نقاوة قلوبهم وحسن سيرتهم.

كما أنَّ الجوافة إذا قطّعت بطريقة دائرية، ظهر صليب من البذار على كل قطعة نقطعها، والصليب يرمز للألم الذي احتمله الشهداء.

ولا ننسى أن الجوافة تتميز ببذارها الكثيرة وفي هذا إشارة إلى كثرة عدد الشهداء ولهذا يقول المؤرخ " شاف
Schaff" :
لو أن شهداء العالم وضعوا في كفة ميزان وشهداء مصر في الكفة الأخري, لرجحت كفة المصريين


السبت، 3 سبتمبر 2011

الرجل والمرأة

الرجل والمرأة جزءان، كل منهما يُكمّل الآخر، فالرجل فعل أكثر منه سكون، غريزته تدفعه إلى البحث والاستكشاف، وحركته تقوده للهدم والقتل والقتال، يريد أن يصنع التاريخ ويحقق المستحيل بمجرد قواه، لذا يستخدم الوقت للعمل أكثر منه للاستمتاع، لأنه يريد أن يُسجل له التاريخ الأعمال والوقائع والأحداث، فحواسه بأثرها شعلة نارية ملتهبة على الدوام، نستطيع أن نقول: إن الرجل نهم في كل ميادين .

أما المرأة فعكس الرجل، فهي تجمع ولا تفكك، تُجبر ولا تكسر، تبنى ولا تهدم ، لها سرعة بديهة، ورقة شعور، ورهافة حس أكثر من الرجل، لأنها تدرك بالقلب أكثر منها بالعقل، فلا يهمها التحليل والبرهان والحجة والإقناع، تذهب بسرعة إلى الغابة قبل أن تستقصى الوسائل المجدية للوصول إليها، هي أكثر عاطفة من الرجل، فهل لنا أن نقول: إن الرجل عقل والمرأة قلب! ولكن فلنحذر، لأن العقل كثيراً ما يقسوا بأحكامه، لو فكر يوماً بدون قلب، وكم يتهور القلب في حبه إن هو أحب دون عقل।

لقد أثبتت الدراسات أن الرجل أكثر قوة من المرأة، وهو يستخدم قوته تجاه الأشياء، إلا أنه جبان تجاه نفسه، يخفى قلقه واضطرابه وحيرته وشكه، والتشاؤم والإلحاد لا يأتيان من المرأة، بل من الرجل॥ ولكن إن كان الرجل قوة والمرأة ضعف، إلا أن ضعف المرأة يبحث عن قوة وسلطة، والعزم الرجولي يرغب في حماية ذاك الضعف، علماً منه أنه سيلقى إزاءه حنواً ولطفاً، لا يجده عند ما شابهه من الرجال।

كثيراً ما يجرح الرجل أكثر مما يعصب ويصلُب ويُميت॥ لكن المرأة تضمد الجراح، وتحتضن الميت وتغسّله بدموعها وتكفنه بحبها، لأنه ابن بطنها وثمرة حشاها، وعصارة دمها، ونحن لا نسلب من الرجل حب العطاء، ولكـن إن كان الرجـل يُعطى فالمرأة هى عطاء!

إن قلنا إن الرجـل صخر منيع يحمل البناء الشامخ، فالمرأة نهر بديع يحيط به، يبدّل صلابته إلى لين، ويكسوه بالأزهار॥ وإن قلنا إنه عمود صلب في قوته، فالمرأة وردة تنبت جواره، وتطوقه بجمالها، وتزين صدره بحسن زينتها!

إذن لا يمكن للرجل أن يعيش بدون المرأة، وإلا لماذا خلق الله لآدم حواء، والعجيب أنه لم يخلقها من قدميه لكي لا تكون له عبدة، ولا من عقله لكي لا تسود عليه، لكنه خلقها من أضلعه لتكون قريبة من قلبه، يُحبها وتحبه، ولهذا فإن من عرف الحب طريقه إلى قلبه، وإن تزوج لا يفكر في الطلاق، لمشكلات جسدية أو خلافات شخصية! فالطلاق خيانـة وطعنة نجلاء في صدر الحب!

هل نظرت مرة لإمرأة عصفت بها آلام الهجر، وأحزان الفراق؟ ما مصير أولاد مهملين، قطّب الحزن وجوههم، وكست القاذورات أثوابهم، فحولتهم إلى وحوش بشرية، قلوبهم قاسية، وطباعهم غليظة ، وضمائرهم ملتوية؟ وماذا أقول عن المضار اللاحقة بخلاص نفس الزوجين من جرّاء الطلاق ؟ فهل الزواج هدف أم وسيلة للوصول إلى قلب الله ؟ وعندما يعرّض أحد لزوجين نفس الآخر إلى الهلاك، ألا يعرّض ذاته أيضاً للهلاك ؟ ما هو الزواج إلا نفسان، تتوكآن الواحدة على الأخرى لكى تصعد إلى الله!

إن رفض الرجل أن المرأة تحتضن برحمها الطفل وسط العذاب قبل أن يولد، مثل الأرض يشقها المحراث، فتصمت لتحبل بالزرع الخصب، وأنها مصباح يضئ له في ظلمات الوجود شعاع أمل، ضلع بل جزء مستل من جسده وكيانه، يعود إليه ليصله بالينابيع الأبدية، ضاع مفهوم الحب الصحيح، وأخفق في رسالته في الوجود.

والمرأة إن تجاهلت أن الرجل وحده هو الذى يُخرجها من عزلتها ووحشتها، ويجعلها أماً للبنين، ربّة للأسرة، سيدة فى المجتمع، يفجر طاقات الخير فيها ويحولها إلى ينبوع سخاء وعطاء، وأنه يوم جعلها أماً، كان يحترق بالجير الحي لصنع طينة البناء لكي يبنى بيتاً قوياً، فإن مصير حبها سيكون الفشل، وإن فشلت في الحب فحتماً ستخسر معركة الحياة!

وقد يقول بعض الرجال: إن النساء شديدات المطالب، كثيرات الإلحاح، فمهما بذلنا في سبيلهن، وقدمنا من التضحيات والخدمات لا نستطيع إرضائهن، ننزل إلى بطون الأرض لنستخرج الذهب والماس، ونغوص في لجج البحار ننتزع اللآلئ ، ونصوغ الحلي ليتزين بها، وبعد ذلك لا نظفر بحبهن وودهن!

فتجيب النساء: بنا حاجة إلى قلوبكم أكثر من لآلئكم وحلاكم، فالرجل الذى لا يهب إمرأته قلبه فوق ذهبه لا يهبها شئ، والرجل الذى لا يمنح زوجته ربه فوق قلبه، لا يكون قدم لها سوى دراجة أطفال، تلف وتدور بها حول نفسها! إنها بحاجة إلى تغذية إيمانها، لتكون منزهة في حبها، حكيمة في قراراتها॥

إذن فالحب يحتاج إلى جهاد لينمو ويستمر، وفى المسيحية لم يعد الحب مجرد هوى عنيف، يتخذ من الآخر واسطة لزيادة إحساسه بالحياة، أو تحقيق أمله فى السعادة، أو إشباع عواطفه المضطربة ! بل أصبح الحب إتجاهاً روحانياً يسمو بالغريزة، وينظر للمخلوق البشرى على أنه كائن سماوى، ويتجه نحو الآخر لا لكى يدنسه ويشوه صورته، وإنما ليخدمه ويرعاه ويسهم فى تحقيق سعادته، ويشترك معه فى تثبيت دعائم ملكوت الله على الأرض، وهذا هو قمة الجهاد!

لقد تجسد المسيح، ولكن لا ننسى أن المرأة هي التي احتضنته في رحمها، وأرضعته لبنها، وهدهدته طفلاً على ركبتيها، وهيأته لرسالته الكبرى وتضحيته العظمى ، وبهذا تكون المرأة أصلحت ما أفسدت، وجبّرت ما كسّرت، استُلت من جنب آدم فتركت جُرحاً كان سبب عثرة، وها هي تصبح خشبة خلاصه وبالتالي صليب فدائه!

ولهذا بعد أن أسهمت المرأة في رسالة الحب الإلهي المتجسد، صارت جاذبية الأنوثة فيها تحمل طابعاً مقدساً، تليّن الجبار وتصقل المغامر وتروض المتمرد، أصبحت أداة - إن أراد- تقوده إلى الحب السامي، إلى الله، وعندما يسمره الحب عليها ستكون خشبة تُغرس فيها المسامير، فإن لم يتهيأ لها أن تسمو به إلى السماء تكون على الأقل قد رفعته عن الأرض.

الثلاثاء، 30 أغسطس 2011

يــسوع

يسوع كلمة سماوية لفظتها الشفاه الإلهية الأزلية،
ثم أعادتها إلى سكينة الأبدية!
قدوس نزل من السماء ونمى في بطن العذراء،
فدُعى ابن الله وابن الإنسان!

فى قصر حبكت زواياه يد شيطان ماهر لم يولد،
فهو كهف ضيق، مظلم لا يسـعه،
فى ظلاله تذبـل زهور الشباب،
وفى زواياه يترمد جمر الحب،
بل فى وادي ظل الحياة المرصوف بالألم عاش غريباً،
وهناك على نهر الدماء والدموع،
كان يقف مصغياً لهمسات قلبه !

رفض أن يعانق الشهوات،
فنفثته الثعابين البشرية بسمومها،
لكن شعلة حبه السمائية لم ولن ينطفئ لهيبها من قلبه!

على صليب العار مات شاحباً الوجه، غارقاً في دمائه،
تُحيط بجثته شموع ضئيلة من بنى البشر،
فأفصح بسكوت الموت ورهبته وجلاله،
عن معنى الحب ومفهوم الحياة،
وشرح لنا سر السعادة والخلود!

كم مرة نظرت إليه نظرة غريق نحو نجم لامع فى قبة السماء،
فمد يده الطاهرة وانتشلني!
وعندما تلاعبت أفكار الشك بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخريف،
أرسل روح قدسه وهدأني!

لقد أعطاني أكثر مما أستحق،
والآن أشتهي أن أرفع فى مدينة الأموات تمثالاً للحب الإلهي،
لكنى أحتاج إلى كلمات ذهبية ذات أحرف نورانية॥
أحتاج إلى لغة سماوية تضم كل كلمات الحب فى معانيها!

فاحملني يا رب على أجنحة حبك البيضاء لأطير نحو الزهور،
لأمتص منها رحيق الحياة لأقدمه لإخوتي ،
ليتذوقوا حلاوتك!
إسمح لي برشفة من كأس حبك،
لكى أملأ بها كاسات البشر فيرتوا وتهدأ نفوسهم الحائرة!

إرسم بريشة حبك صورة من تُحِبّه نفسى واطبعها على قلبى،
أغرسنى وردة صغيرة فى بستانك السماوى،
وإن لم تكن ساعتى قد جاءت بعد فاقبل توسلاتى إليك،
واجعلني جزيرة تحيط بها جداول الماء العذب،
ماء الحب الإلهي،
لأعيش فى عالم سكانه شخص واحد هو أنت।

شد أوتار قلبي وقوى خيوط فكرى،
ولا تجعل القلم يرتعش بين أصابعي،
لأكتب فصل من كتاب الحياة،
أُعبّر فيه عن حلاوتك،
وأصف للناس عظم محبتك،
فباركه يارب وبارك كل من انتفعت بأقوالهم. آمين
.

الخميس، 21 يوليو 2011

الفكر بين الشقاء والسعادة

إنَّ الإنسان كائن مُفكّر ولهذا السبب عينه قد يشقى أو يسعد، فما يملكه من وعي وخيال يقوده إلى لحظات سامية من السعادة، خاصة إن كان يصلى أو يتأمل॥ لكنَّ هذا الوعي ذاته هو الذي يضعه أمام العدم، ويجعله يدرك حقيقة فنائه، والخيال يقوده إلى الجولان هنا وهنا في أشياء فاسدة، ولهذا كثيراً ما يقترن الفكر البشريّ بمشاعر الضيق والخوف॥ وإن كان البعض قد سموا بأفكارهم نحو الله، وكرَّسوا حياتهم لخدمته فهؤلاء قلة।

ولو نظرنا إلى طبيعة الحياة، لوجدنا أنَّها تتذبذب بين قطبي اللذة والألم، هنا تظهر إيجابية التفكير، عندما يقود الإنسان إلى الفرح!وما هو الفرح؟ أليس تخفيف حِِدة الألم! أمَّا إذا استغرق الإنسان في تأملاته النرجسية، مستسلماً لأفكاره العنكبوتية، فإنَّه لن يرىفي النهاية سوى أشباح الماضي من صور وذكريات॥ والحق إنَّ فكر الإنسان كثيراً ما يقوده إلى الشقاء، عندما يتأمّل بشده ما يعترض حياته من أحداث مؤلمة،

ويُحاسب نفسه بقسوة شديدة على هفوات لا قيمة لها، ويحسب لكل شيء حسابه بطريقة مبالغ فيها॥إنَّها وسوسة ربَّما يكونصاحبها قد ورثها أو أصابته في مرحلة مبكرة من حياته। نعترف بأنَّ التفكير السلبيّ المستمر في معنى الحياة وغاية وجودنا॥كثيراً ما يصرف الإنسان عن حياة العمل الجاد،من أجل الاستغراق في سيل من التأملات الفكرية، والأفضل أن يحيا الإنسان الحياةبدل من أن يسعى لفهمها بصورة مطلقة وهو كائن محدود، فكيف لمن يعرف سوى القليل عن ذاته، يسعى لمعرفة كاملة عن الله والكون والملائكة

أعتقد أنَّ أتعس الناس هو ذلك الإنسان الذي ويحمّل نفسه سيلاً من الأفكار، عن الغيبيات ويُقحم عقله بما يفوق قدراته، ويقترب منهفي التعاسة من يراقب غيره ويدرس ميولهم ودوافعهم॥ فمثل هذا لا ينعم بحياة طبيعية تلقائية، وكثراً ما تكون حياته حافلة بشتى مظاهر التناقض والتصنع॥

والواقع أنَّ " أفكار البشر ذات أحجام " (حكمة14:9)، فإذا حاول الإنسان أن يتخطى السياج الذي وضعه الله فيه، فإنَّه سيجدنفسه بإزاء معضلات، يستحيل على أيّ فكر محدود أن يعرف حلها، وها نحن نتساءل: كيف لإنسان أن يُفكّر بعقل محدود في اللهغير المحدود؟! هل يمكن لكائن ماديّ أن يرى الروح؟!

هناك حقيقة ندركها ألا وهى: إنَّ كل من يسعى جاهداً لمعرفة أسرار الوجود، وينفذ بعينية إلى الأبدية! لابد من أن يجد نفسه بإزألغاز يستحيل لأيّ فكر محدود أن يعرف أسرارها، وهكذا يعود من جولاته الفكرية خائباً لأنَّه فكَّر بطريقة خاطئة! وقد تصل قيود الفكر إلى الإذلال، وذلك عندما يضل الإنسان ويسقط في عبادة الطبيعٍة أو الأصنام أو البشر! وهل نُنكر أنَّ عصور قديمة مضت كان فيهايعبد الإنسان وثن اسمه الجمال!

وما هو ذلك الجمال سوى الشمس والقمر والنجوم والأشجار والبحار الموجودة في الطبيعة!وقد يطيع الإنسان العالم فيخضع لمعتقداته، وتتقيّد أفكاره بالعادات والتقاليد السائدة، ويتولّد لديه اعتقاد بأنَّ سعادته لن تتحقق إلاَّ إذا حصل على رغباته العالمية! وهنا نتساءل: أين الله؟ ليس له مكان في الخطة‍؟! ولأنَّ فكره قد صار مُطابقاً لأفكار العالم في حين أنَّ العالم " قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّير" (1يو19:5)، لذلك نجد أنَّ الإنسان يجلب لنفسه الشقاء، بسبب عدم استخدام العقل - عطية الله الصالحة - بصورة إيجابية।ويستطيع الجسد أن يأسر العقل ويتحكّم في الفكر، عندما يخضع الإنسان لسلطان غرائزه ويستجيب لنداء شهواته॥ فيصير العقلمهتماً بالجسد وشهواته، ويبدأ الفكر في الجولان بحثاً عن الخطية، ويبتعد تلقائياً عن الله " لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لِلَّهِ॥

وَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ " (رو8: 7)।أمَّا الشيطان فيستطيع أن يصل بسهولة إلى أذهاننا، ليغرس فينا أفكار شك وتجديف ونجاسة॥ وكثير من أبناء الله ينزعجون منهذه الأفكار الخبيثة، وأكثرهم يتساءلون: كيف نحيا مع الله ونعمل بوصاياه॥ ومثل تلك الأفكار تتسرب إلى عقولنا؟! ولكنَّها الثنائية تلك الضريبة الباهظة التي ندفعها بعد السقوط حتى نهاية حياتنا!

ومن الملاحظ أنَّ هناك صوراً كثيرة من صور التفكير السلبيّ، ومنها استرجاع الذكريات القديمة رغم ما فيها من جروح وضعفات وعثرات॥! وننسى أنَّ مثل هذه الذكريات الباهتة ذخيرة حيّة تقتلنا، أو هى قيد يحد من حركتنا في كل من الحاضروالمستقبل نُنكر أنَّ النفخ في الرماد قد يؤذي العيون؟أليس أفضل لنا أن نجعله يذهب مع الريح؟

الأربعاء، 20 يوليو 2011

الجهـاد الروحـى


ما هو هدف المسيحي؟ أعتقد أن الوصول إلى قلب الله، هو هدف كل مؤمن فى هذه الحياة، ولكن كما يقول رب المجد يسوع: " مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ ! " (مت7: 14)، فالكمال الروحى لا يأتى إلا بعد جهاد عنيف، وصراع طويل، مع الرغبات والشهوات..


أما العزاء الذى يأتى فجأة فى بداية توبتنا، فهو مجرد ومضة روحية ما أسرع زوالها، أو بقعه لامعة فوق قوس قُزح، سرعان ما تشرق الشمس فلا يعود لها أثر فى الوجود! ولهذا لا يسمى كمالاً روحياً، بل هو زيارة من زيارات النعمة الإلهية، يفتقدنا بها الله لكى نتمسك به أكثر، ونستمر بثبات فى حياة الجهاد، محتملين مشقات الطريق.


بدون النعمة الإلهية لا نستطيع أن نعمل شيئاً، ولكن بدون إرادتنا البشرية فإن الله لن يعمل معنا شيئاً، إذن هناك عاملان أساسيان لا يمكن الاستغناء عن أحدهما فى الحياة الروحية وهما: المعونة الإلهية، والاستجابة البشرية، فلابد أن يغصب الإنسان نفسه لأن " مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ " (مت11: 12).

فجاهدوا فى سبيل النصر، وانتصروا لكى تربحوا، وتواضعوا لكى لا تخسروا المعركة، هذا ما يقوله القديس أُغسطينوس.


قصـة


هنا أتذكر قصة الراهب العفيف، الذى أصر على الاحتفاظ بطهارته، وذلك عندما اشتد عليه قتال الزنا، فماذا فعل؟ ذهب ليلقى بنفسه فى" جحر" كانت تعيش فيه ضبعة، وكان يقول: خير لي أن أموت بهذه الضبعة من أن أموت بالخطية، وقد كان! إذ ألقى بنفسه فى" الجحر".. وهنا كانت المفاجأة المذهلة التى لا يتوقعها أحد، فالضبعة المتوحشة، تحولت إلى حيوان أليف، ترعاه وتخدمه وتأتيه بالطعام..! فعاد الراهب الطاهر، المجاهد إلى قلايته منتصراً، وهو يحمل فى قلبه كنزه الثمين، إنه عفته !!


ومن هذه القصة المعزية نتعلم: إن كل من يضبط هواه ويدقق فى الصغائر، قادر بنعمة الله، لا أن ينتصر فقط، بل ويغير طبائع الوحوش أيضاً! وإلا ما معنى قول معلمنا بولس الرسول: " أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي " (فى13:4).


" أن تستريح = أن تُهزم "


هذه عبارة بليغة، نطق بها أحد الحكماء، ليؤكد أهمية الجهاد فى حياة النصرة الروحية، ولكن ألم يقل السيد المسيح: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَتْبَعْنِي" (لو23:9)، هل تأملتم مرة فى عبارة كل يوم؟


والقديس بولس الرسول يوضح مرارة الكفاح فى سبيل الطهارة فيقول: " أَرَى نَامُوساً آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَـى نامُوسِ الْخَطِيّةِ الْكائِنِ فِي أَعْضَائِي وَيْحِي أَنَـا الإِنْسَانُ الشَّـقِيُّ مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ " (رو7: 23،24).

إن الجهاد يعنى: أن نكد ونسهر ونتعب.. وهو أشبه بمعركة حامية، تتطلب من الجندى نظاماً حازماً، وصبراً، وشجاعة، إن كان يريد أن ينتصر ويكلل من قائده.


وهل يمكن للإنسان أن يلتقى بالله، ما لم يمر وسط الليالى المظلمة، أى يقمع ميوله الحسية ويبتعد عن ملاذه الجسدية؟! إذن ليست الحياة ورود بلا أشواك، إنها رحلة تطول أميالها، وهى ليست سهلة ومريحة، بل طرقها مليئة بالهضاب والوديان، ولكن لماذا نخشى الهبوط إن كان لدينا رغبة دائمة فى الصعود؟ أليس أفضل لنا أن نموت فى الجهاد من أن نحيا فى السقوط ! ألم يقل مار إسحق: " محبو الراحة لا يحل فيهم روح الله بل الشيطان" !


إلى أى شئ تقود الراحة ؟ أليس إلى الهلاك! إنها تؤذى أكثر من الشياطين، فالعفة وسط النياحات لا يمكن أن تلبث بغير فساد، ولهذا فإن كل من يرفض أن يسقى بذاره بعرق جبينه، فلن يحصد فى النهاية سوى الأشواك، لأنه الإنسان كالطائر، إن لم يرتفع إلى أعلى بجناحي جهاده، فسوف يلتصق بالأرض، التى تنبت شوكاً بحكم الطبيعة.


أما إذا تعب قليلاً فى الصلاة والقراءة... قبل نومه، فإن تعزيات الله سوف تملأ قلبه، والملائكة ستحفظه، وسريره سيتقدس بتماجيد الروح وفعل الصلاة... تُعجبنى العبارة القائلة: انتصر على ذاتك يُهزم أمامك العالم!

وها نحن نتساءل: ألا يقضى العلماء السنوات فى التجارب، ألا يقضى الطلبة الليالى ساهرين فما الداعى لهذا التعب؟! أليس من أجل النجاح نكد ونتعب! فلماذا إذن نرفض الجهاد فى مجال الروحيات إن كنا نريد أن ننجح فى علاقتنا مع الله ؟! تذكر ما قاله أحد الآباء: كل فضيلة تحصل عليها بدون تعب هى من نصيب الشيطان !


لكن القديس بولس الرسول يؤكد: إن الإنسان لا يمكن أن يُكلل " إنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيّاً " (2تى5:2)، فما المقصود بالجهاد القانونى؟


نوضح أن الإنسان لا يمكن أن يخلص بمفرده، الذى يخلص إنما يخلص من خلال الكنيسة، وفى داخل الكنيسة لابد أن يمارس الأسرار الإلهية المقدسة لا بطريقة ميكانيكية، بل بإيمان أن الله حاضر فى كل سر بصورة غير منظورة.


كما أن الجهاد المثمر يجِب أن يكون بحسب وصايا الإنجيل، ولهذا عندما سُئل الأنبا أنطونيوس: ما هى القوانين التى أحفظها لكى أرضى الله؟ أجاب: " حيثما تذهب ليكن الله أمام عينيك، وفى ما تفعل أو تقول، ليكن لك شاهد من الكتب المقدسة ".


لكن الإنسان إن لم يُحب الهدف، الذى يجاهد لكى يصل إليه، فإن جهاده يكون كفقاعات هوائية تظهر قليلاً ثم سرعان ما يتلاشى أثرها! وها نحن نتساءل:


هل يمكن لإنسان يقضى الساعات بين الآلات الموسيقية أن يتعلم الموسيقى إن لم يُحبِها أولاً ؟ هكذا أيضاً التقشف الجسدى، لا يخلق فى المسيحى محبة المسيح ! فالحب هو الذى يجعله يستسهل التداريب والأعمال الشاقة، التى لابد منها لبلوغ الهدف السامى، الذى يسعى إليه، نستطيع أن نقول: إن الجهاد الروحـى يسند حب الهدف لكنه لا يمكن أن يخلقه!

حب الهدف هوالذى يقود الراهب إلى القفر لملاقاة الله، والباحث إلى معمله لاكتشاف أسرارالكون، والرجل إلى الزواج لاحتمال مشقات الحياة وتكوين أسرة...هو الذى يحول آلام الحياة أفراحاً، وأعمال الزهد وسائل للنمو والارتقاء!


ولو تأملنا فى طبيعة البشر، لوجدنا أن الغالبية تؤمن بوجود الله، لكن قلة هم من يتمتعون بعشرته، فما أكثر الذين يصلون ويصومون ومع ذلك لا يتعزون! وحياتهم لا تُظهر أى تغيير، لماذا ؟ لأنهم لا يُحبِون الله محبة صادقة! فهم يصلون بطريقة آلية خالية من الروح، ويصومون بقصد الرياء أو على سبيل العادة !


يقول القديس أُغسطينوس

" الحب يجعل الآلام والأخطار... سهلة القبول أو بالأحرى يصيّرها كلا شئ ".


كما أن الجهاد الروحى، يستند على ركيزة أخرى ألا هى الرجاء، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذى يحيا على أمل ما سيكون، إلا أن الرجاء ليس مجرد شعور سلبي كما يتوهم البعض، يجعل الإنسان يتمنى هذا أو ذاك فقط، بل هو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإرادة، فالإرادة البشرية القوية تتمنى، ولكنها فى نفس الوقت تجاهد لكى تحقق ما تتمناه.


ونحن نعلم أن الحيوان ليس له مصير سوى الرعى والحرث ثم الذبح، أما الإنسان فهو صاحب مصير، وهو الذى ينسج مصيره بنفسه، وإلا لماذا خلقه الله من الألف؟ أليس لكى يصل بجهاده إلى الياء، لكى يكون هو المسئول عن أعماله!


والحق إن الخلود مع الله هو شهوة المؤمنين، كل المؤمنين، فلو لم تكن هناك حياة بعد الموت لَمَا جاهدنا، بل قلنا مع الأبيقوريين: لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت!! إنما من أجل الحياة الأبدية نحن نجاهد ونتعب.. محتملين كل ما يأتى علينا من تجارب وضيقات.. هنا على الأرض لأنها لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا.


والآن بعد أن قام السيد المسيح منتصراً من بين الأموات، أصبح مصير كل من يؤمن به واضحاً: الحياة لا الموت، وكيف يموت المؤمن بعد أن قال رب المجد يسوع : " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ، مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا " (يو11: 25) !!


وهل ينكر أحد دور الإيمان فى سلسلة الجهاد الروحى، فأنا بقوتى وتقواي لا أستطيع أن أفعل شئ، ولكنى بالإيمان " أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي " (فى13:4) فإن كنت أُجاهد من أجل الملكوت فيجب علىّ أن أؤمن بوجوده أولاً!


إن الإيمان يحوّل واقع الإنسان الأليم الذى يمتزج فيه الحزن بالفرح، والشقاء باللذة، والنور بالظلام، والجمال بالقبح إلى معنى لا يموت، وإلى سمو لا يفنى!


بالإيمان يصبح العالم غير مائت، والإنسان فى حماس دائم للحياة،وكأن الحياة تتحول بالإيمان إلى لحظات جميلة، من النغم المتصل والسعادة الدائمة!


وهل ينكر أحد أن الإيمان، يحوّل الألم إلى رغبة وشوق، لمعرفة المزيد من أسرار رب المجد يسوع الذى تألم وهو بار!


والموت، أليس الألم يحوّله إلى رحلة لاكتشاف عالم جديد، عالم الخلود الخالى من الغش والرياء..! فهل لنا أن نقول: إن الألم أداة تطهير لبقاء الجنس البشرى من الفناء! هذه هى ركائز الجهاد الثلاثة: الإيمان ، الرجاء ، المحـبة.


كما يجب ألا ننسى دور التواضع، فقد قال السيد المسيح: " إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائي فَلْيُنكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت16 :24-26) أما حياته فقد كانت صورة حية للبساطة والتواضع فكان يجالس الفقراء، ويبحث عن الخطاة والضالين...


إلا أن نكران الذات لا يعنى تدميرها كما يتوهم البعض!! بل الانفتاح على الله والآخرين بحب، لذلك فإن من أراد أن يخلص نفسه بالانزواء على نفسه، واستغلال الآخرين وسلبهم لأجل مصلحته الخاصة أضاع نفسه! لأنه فصل نفسه عن الله الذى خلقه ليحيا معه، وعن الآخرين الذين لا يكتمل إلا معهم! هذا هو الصليب الذى يريد المسيح أن نحمله: أن يخرج الإنسان من ذاته العقيمة، أعنى أنانيته الجامحة لكى يعيش فى العطاء والتضحية على مثال سيده.

ألا تحطم الفراشة الشرنقة المحيطة بها، لكى تطير فى عالم النور والحرية، فلابد لها لكى تكتسب رونقها أن تفقد جزءاً هاماً منها!

وما من إنسان تغلّب على ذاته، وتحرر من سيطرة وقيود وسلطان أهوائه... إلا وانعكس وجه الله على مرآة نفسه، وشع نوره الإلهى فى كل جنبات كيانه!


أخيراً:


أختم حديثى عن الجهاد الروحى، ببعض الآيات الذهبية، المعزية ألا وهى:

" لِيَقُلِ الضَّعِيفُ: بَطَلٌ أَنَا ! " (يوئيل10:3)

" لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ " (2كو10:12)

" أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" ( فى13:4)

💙 قصة عودة جون سميث من الموت

بقلم: الراهب القمص كاراس المحرقى By: Fr. Karas Al-Muharraqy