التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شهود ميلاد المسيح (2)

حنـّة النبية

رمز للإخلاص فى العبادة والالتصاق بالله عن حُب، لازمت الهيكل لا تفارقه قط، عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً، وفى الهيكل كم أحنت ركبتيها تمجيداً لخالقها! وكم سكبت ذبيحة صلواتها على مذبح الحب الإلهيّ عاشت بين جدران تسيل من حجارتها أصوات التسابيح والمزامير، وقد تعبّقت برائحة البخور، أرواح البشر تذوب فيها حباً لخالقها، فيها يشرب الإنسان من خمر السكينة والطمأنينة، لقد تجلى الهيكل متشامخاً في قلب أورشليم، وتجلى الله بحبه في قلب حنّة بنت فنوئيل، وهكذا يظل القلب الطاهر عرشاً لملك الملوك فالحوار بين السماء والأرضبين الله والإنسان لم ولن .

وأغلب الظن أن ضجيج الحياة، وصراع الغرائز، وتسلّط المادة، أشياء تشغل الإنسان عن سماع دقات الله في أعماقه! هل ندمت حنّة على سنين قضتها في الهيكل؟ لا! لا! لم يفشل القديسون ولم تخب آمال الأنبياء، ففي الهيكل عاشت مع الله، والله إيمان ورجاء، والعالم كفر وإلحاد، الله نقاء وعفاف، والعالم فسق وفجور، الله حق ووفاء، والعالم كذب ونفاق، فماذا خسرت بحياتها في الهيكل؟ وماذا لو عاشت في قصر تئن تحت وقع أسواط اللذة ونار الشهوات التي لا ينطفئ لهيبها؟ حيث يخلع البشر أثواب الحياء ويُغنّون للزمن ويسكرون بأصوات الطبول؟

يذكر الكتاب المقدّس عن حنّة أنَّها عاشت (84) سنة مُلازمة الهيكل (لو37:2)، فحوّلها الزمن إلى هشيم، وعزلتها هوة الشيخوخة عن البشر، وهجرها الأقارب والأصحاب، لأنَّها صارت من دنيا الأموات، ورقة صفراء عافها الشجر وهى تنتظر الخريف لتسقط، ولكن قبل الخريف أتاها الربيع بنسيمه العليل لتتنسم رائحة الحُب، فتنتعش روحها قبل أن تلفظ نفسها الأخير، لقد كانت تسكب اشتياقات قلبها على مذبح الحُب، تطلب من الله أن يجعل ملائكته تقص عليها حكايات الأزمنة والدهور، وتشرح لها خطة الأنبياء في نبواتهم عن المسيح ضمن السطور، وتكشف لها أسراراً استودعها في أناشيده داود صاحب المزامير، فقد حان لليالي السوداء الطوال أن تتمخض لتلد النور الذي اشتهت يوماً أن تراه وتكحل به عينيها، وقد كان ورأت النور!المجــوس أمَّا المجوس فهم طغمة كهنوتية علماء في الفلك والتنجيم، قضوا حياتهم في دراسة الظواهر الفلكية والحوادث المستقبلية وورد ذكرهم في سفر (دانيال2:2)بعد ميلاد المسيح جاءوا من المشرق ومعهم أكياس مليئة بالهدايا لذلك المولود، فقدموا ليسوع الذهب الذي سيذدريه، والبخور ليعلنوا أن طقوسهم الجوفاء على وشك الانتهاء، و المر الذي يُستخدم في تحنيط الأموات، لأنهم أدركوا موت ابن الإنسان! حوالي ألف سنة قبلهم جاءت ملكة سبا إلى اليهودية، تحمل الهدايا من ذهب وعطور، وقد وجدت على عرش إسرائيل سليمان الذي تلقنت منه أعظم التعاليم (1مل10)।.

المجوس

أمَّا المجوس ولهم من العلم والحكمة والشهرة أكثر مما للملوك والرؤساء، لم يجدوا سوى طفل صغير عاجز عن الحوار، ومع ذلك سجدوا تحت قدميه، طارحين على الأرض تيجانهم، ومقدمين هداياهم من ذهب ولبان ومر، في بلاد فارس لم يكن المجوس هو الملوك، بل معلمي الملوك فهم الذين يقودون الحكام، ويقدمون الذبائح، ويفسرون الأحلام، ويتنبأون بالغيبولم يكن ملك يقرر إعلان حرب إلاَّ بعد استشارتهم، وبصفتهم العارفين أسرار السماء والأرض، كانوا يُسيطرون على أبناء جنسهم باسم الدين والعلم، وكانوا بين شعب لا يعرف سوى الجسد أو المادة يمثلون جانب .

ولذلك كان لابد أن يسجد هؤلاء أمام المسيح، فبعد البهائم ممثلة الطبيعة، والرعاة ممثلون عامة الشعب، كان على سلطة المعرفة أن تسجد أمام مغارة بيت لحم، وبذلك أعلنت طبقة الكهنوت العريقة خضوعها للكاهن والمُعلّم الأعظم، الذي كان على الأمم الوثنية أن تتقبّل رسالته الجديدة، إنَّ سجود المجوس للسيد المسيح يعني، اعتراف علماء
اللاهوت القدامى بالمسيح وإيمانهم بلاهوته، وجثو المعرفة أمام البراءة، وارتماء الثروة عند أقدام الفقر يرى البعض أنَّهم كانوا كثيرين، يتقدّمهم ثلاثة فقط وهم الذين يحملون الهدايا، ولهذا السبب اضطرب هيرودس وجميع أورشليم معه (مت3:2)، والكنيسة تعتقد أن عددهم (12) وقد قال القديس يعقوب الرهاوي أنَّهم كانوا (12) ومعهم أكثر من ألف آخرين।والكنيسة اللاتينية تعد مجوساً ثلاثة أسماءهم هى:كسبار وملكيور وبلتازاروقال أنَّهم كانوا (8)، مستندين في ذلك إلى ما جاء في سفر ميخا النبيّ: " وَإِذَا دَاسَ فِي قُصُورِنَا نُقِيمُ عَلَيْهِ سَبْعَةَ رُعَاةٍ وَثَمَانِيَةً مِنْ أُمَرَاءِ النَّاسِ (مي5:5)।

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

❤️ آباء من الدير المحرق

بقلم: الراهب القمص كاراس المحرقى By: Fr. Karas Al-Muharraqy آباء من الدير المحرق الراهب عبد مريم الحبشي (رؤى تتحقق) روى الأنبا لوكاس العلامة في كتاب: بلوغ المرام في حياة خليفة الأنبا أبرآم (ص222- 224) الآتي: كان راهب حبشي على جانب عظيم من التقوى والورع اسمه عبد مريم (جبرا Gabra مريم بالحبشي) عاش في ديـر الأنبا تكلا هيمانوت بالحبشة مدة، ثم ذهب إلى القدس، وأخيراً استقر في الدير المحرق وكان عمره خمسين عاماً، وقبل نياحته مرض وكان القس يوحنا الحبشي يقوم بخدمته، وقبل نياحة القمص ميخائيل البحيري بخمسة عشر يوماً، رأى رجلاً طويل القامة جميل المنظر ذا شعر أصفر يقول له: بعد خمسة عشر يوماً ستسافر إلى أورشليم فأين الباسبور؟ فأجاب: إنّي مريض ولا أقوى على القيام لأعطيك إيَّاه فها هو في الطاقة التي خلفك! وعندما جاء إليه الراهب يوحنا سأله: هل دفنتم القمص المتنيح؟ فأجاب: ومن أعلمك؟! فقال: سمعت أنغاماً موسيقية وترانيم شجية كأنها تملأ الدير، ومنادياً ينادي بأنّه قدّيس ومختار! وقد تنيح الراهب عبد مريم بعد خمسة عشر يوماً كما رأى!   القمص يوسف المحرقي (جسده لم يتحلل) كان البابا ديمتريوس الثا...

🌹 القمص ثاؤفيلس المحرقي

بقلم: الراهب القمص كاراس المحرقى By: Fr. Karas Al-Muharraqy سيرة القمص ثاؤفيلس المحرقي   قداسـة مبكرة وُلِد كامل زهرة عطرة في بستان الحياة بمركز المنشاة بسوهاج في يوم (6/12/ 1927م)، فاستقبلته الحياة بفرح عظيم، ونما في أسرة مؤمنة مكونة من أبوين وسبعة أشقاء هو البكر بينهم: كامل، كمال، بهية، إبراهيم، توفيق، نعمات، نعمة، وقد شهدت حياته أنّه ليس لهذا العالم قد وُلِدَ، فقبل ميلاده ظهر ملاك في حُلم لأمه أستير موسى خليل، وبشرها بأنّ الجنين الذي في بطنها ليس لها بل لله! سنوات تمر.. والطفل ينمو في النعمة ويتعلق بالكنيسة، وفي يوم ملأ الحزن قلبه، كما لو كانت البهجة دُفنت مع المسيح في قبره فقد طلب منه والده سدراك روفائيل سمعان أن يحرس أجران القمح يوم الجمعة العظيمة! فرأى كامل الشهيد مارجرجس فطلب منه حراسه المحصول لحين انتهائه من الصلاة، وعندما حضر والده للاطمئنان عليه، سأله الجيران عن سبب وجود جنود بخيولهم حول حقله فلم يفهم ما يقولون! وعندما عاد كامل من الكنيسة، روى لوالده ببساطة القدّيسين كل ما حدث! وفي يوم كان كامل ذاهباً إلى الحقل ومعه قطيع من الأبقار، وكان يسير على قضبان السكة الحديد يص...

🌹 الأنبا برسوم الأسقف العام

بقلم: الراهب القمص كاراس المحرقى By: Fr. Karas Al-Muharraqy من أي أبواب الثناء أدخل؟! وبأي كلمات أفيض بما يملأ قلبي من إعجاب؟! لمن كان قلبه طيباً نقياً كالثلج، فكره نقياً يعلو فوق الغيوم السوداء، فقد عاش في الدير راهباً، وخرج للخدمة قمصاً، وعاد للدير رئيساً، ثم صار أسقفاً وظل كما هو بسيطاً، إنّه نيافة الأنبا برسوم الذي تولى رئاسة ديرنا العامر وهو قمص. النشـأة إنّ عظمة البلاد في المسيحية لا تنبع من ثرواتها أو مبانيها   بل من مجد القديسين الذين أنجبتهم وعاشوا فيها، وكفر عبده قرية بسيطة بمركز قويسنا - محافظة المنوفية، ازدادت شهرة بميلاد القمص ميخائيل إبراهيم فيها.. وبتدبير إلهي تشهد القرية أيضاً ميلاد يوسف إبراهيم يوسف في (25/4/1908م)، الذي تربطه صلة قرابة بالقمص ميخائيل إبراهيم. وقد تربى يوسف في أسرة بسيطة، فالوالد إبراهيم يوسف فلاح والأم حنونة حبشي حنا ربّة منزل وأربعة إخوة هم: وهبة كان مزارعاً، يوسف نجاراً، جرجس عامل تليفون بالشرطة، وحنونة الأخت الصغرى لا تعمل، وقد التحق يوسف بمدرسة الأقباط بقويسنا وحصل على الشهادة الإبتدائية، وتشهد طفولته أنّه كان مكافحاً فقد تعلّم النجارة من خال...