مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الأربعاء، 4 فبراير 2009

دور العاطفـة في حياتنـا


إنَّ كل نظرة للطبيعة الإنسانية، تتجاهل قوة تأثير العواطف هى نظرة ضيّقة، لأنَّ العواطف تؤثّر في كل كبيرة وصغيرة في حياة البشر، وقد يكون تأثيرها في مواقف كثيرة أكثر من تأثير العقل، والدليل على هذا: إنَّ كثيرين في لحظات انفعالية قتلوا أولادهم بل أنفسهم، فأين كان عقلهم؟ كان خاضعاً لسلطان العاطفة المستبد!


قد نكون على صواب إذا قلنا: إنَّ العواطف هى الوقود الذي يُحرك البشر، وهى مصدر دوافعنا وجهودنا، تأمـل مثلاً عاطفة الأم نحو أولادها؟ وكيف تصوغ هذه العاطفة وتشكل حياتها؟ وتجعلها تحتمل المتاعب من أجلهم دون شكوى أو تذمر؟ وهل توجد أُم لديها رغبة أن تبتعد عن هذا الألم؟ إنَّ العاطفة هى التي تربط بين الإنسان والآخر، بين الرجل والمرأة، الفرد والمجتمع.


فمن المعروف أنَّ غالبيه البشر يتحرَّكون بعواطفهم، ماذا لو رأيت فيك صديقاً؟ أعتقد أنني سأسرع للقاءك كلَّما رأيتك، لأنّي أشعر بالسلام والفرح عندما أقابلك، ولأنَّ العواطف سلسلة متشابكة، فالإنسان عندما يتأثر لعاطفة ما، فإنَّ هذا الشعور يجذب إليه كل الأحاسيس والعواطف المشابهة له.


ألسنا في أوقات كثيرة عندما يستولى علينا الحزن، ويستأثر بمشاعرنا نميل إلى استرجاع الماضيّ، لنتذكّر ما أصابنا من حزن وألم، وإلى تأمّل بؤس وشقاء ومعاناة الآخرين فتسودنا موجة من التشاؤم، ولا نعود نفكَّر إلاَّ فيما يحيط بنا من هم وغم، وإذا جلسنا مع أُناس فالمتألّم منهم يكون أفضلهم لنا! أمَّا الفَرِح القلب فإن وجهه يكون كالسماء وهى تسطع بالنجوم، فإذا رأى السماء ملبدة بالغيوم لا يتشاءم، بل يقول: إنَّها تجمع قطرات المطر لتسقط بعد قليل على الأرض، منشدة في ذبذباتها لحن الحُب والعطاء! فالاتجاه الذي يتخذه تفكيرنا وسلوكنا، يرجع في النهاية إلى العاطفة المُسيطرة علينا.


إنَّ العاطفة مصدر هام من مصادر إلهام الشاعر والكاتب والفيلسوف. كما أنَّ للعواطف دور هام في تثبيت الذكريات، وتنشيط حفظ المواقف والأقوال. أمَّا تأثير العواطف في معتقداتنا، لا يقل وضوحاً وشدة عن تأثيرها في استرجاع أفكارنا، فقد تستأثر الحوادث السارة التي نتمنى حدوثها بكل مشاعرنا، بحيث أنَّه يصبح من المستحيل أن نشك في حتمية حدوثها، وإذا اعترانا الشك فنسرع إلى إزالته ونكف عن التفكير فيه، وكذلك الخوف من وقوع مكروه، يجعلنا نُنكر حتمية وقوعه رغم الأدلة الظاهرة! ألسنا في أوقات كثيرة نرفض تصديق ما يقال عن أشخاص نُحبّهم من أفعال رديئة!


فالعاطفة كثيراً ما تضع غمامة على أعيننا، لكي لا نرى عيوب من ارتبطت بهم قلوبنا، إلاَّ أنَّ هذه السلبيات لا بد من أن يأتي يوماً وتظهر، ولكن هذا لا يتم إلاَّ بمجرد أن يحدث خلاف، فالموقف السلبيّ يُبرز السلبيات ‍! ولا يقتصر أثر العاطفة على دفعنا للخلط بين الوهميّ والحقيقيّ، بل من شأنها أيضاً أن تُشوّه علاقتنا ونظرتنا إلى الآخرين، وتجعلنا نُسييء إلى من لا نُحبّهم.. ويحدث في حالات كثيرة أن نعمم النتائج، التي قد نصل إليها بعد تجربة عاطفية واحدة، فإذا غدر بنا صديق انعدمت ثقتنا في جميع المحيطين بنا، أو أقارب هذا الصديق، ومن يتعاملون معه!


كما أنَّ للعواطف دور هام في كشف الذات، فكل عاطفة تُعلن عما في أعماقنا من رواسب، قد تكون حسنة وقد تكون سيئة، فإن أردنا أن نفهم أنفسنا على حقيقتها علينا أن نفهم عواطفنا، لأنَّ فهم العواطف هو المدخل إلى فهم الذات، ولا يمكن لإنسان أن ينمو في حياته، إلاَّ إذا كان يصغي بعناية لكل ما تقوله له عواطفه.


لا نُنكر أنَّ العديد من ردَّات الفعل العاطفية قد يكون إيجابيّ، ولكن بعضها يخلق فيّ آثاراً سلبية، لِذا تراني أعود أُفكر في الدوافع التي دفعتني إلى هذه الردَّات، عسى أن أتمكن من فهمها، ثم أتساءل: هل كانت نظرتي للأمور خاطئة؟ وهل كان تصرفي وليد شعور بالضعف لم أتمكن من مواجهته فحاولت تغطيته؟ أنا على يقين من أنني إذا بحثت عما يكمن وراء سلوكي، فلا بد من حدوث تعديل في سلوكي العاطفيّ، هنا يظهر أهمية حوار الإنسان مع جسده! فمن خلال هذا الحوار الواضح الصريح، يستطيع كل إنسان أن يعرف سبب آلامه.


عندما قال سقراط عبارته المشهورة: " أعرف نفسك تحدّث بصورة غير مباشرة عن حجر الزاوية في ما يُعرف بالذكاء العاطفيّ، الذي هو وعى الإنسان بمشاعره وقت حدوثها. وقد يبدو للوهلة الأولى أنَّ مشاعرنا كلّها واضحة، ولكن قدراً أكبر من التفكير والتأمل، يُثبت أننا غافلون عن فهم شعورنا تجاه أشياء كثيرة، ألسنا في أوقات كثيرة - خاصة عندما نكون منفعلون - نشعر بأننا على صواب، ثم بعد أن نهدأ نكتشف إننا قد أخطأنا‍‍؟!


أمَّا على المستوى الروحيَّ، فإنَّ للعاطفة دوراً كبيراً، أقول هذا لأنَّ كثيرين لا تتعدى صلواتهم سوى ترديد ألفاظ وعبارات، كما لو كانت شعارات يحفظونها، مثل هؤلاء لا يحققون أي تقدم في عبادتهم، بل يدخلون الكنيسة لنوال البركة، فيخرجون منها بذنوب ما أكثرها، فينطبق عليهم قول هوشع النبي: " قَدْ هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ " (هو6:4).


إنَّ أي صلاة خالية من الانفعالات العاطفية، هى صلاة مشبوهة! ولهذا يجب على الإنسان أن يفحص ذاته، لكي يعرف سبب الجفاف في حيلته الروحية إن كان يريد أن ينمو!


لو أنَّ الله يُريد أن تكون علاقتنا به وأحاديثنا معه بلا مشاعر، لَمَا قال: " هَئَنَذَا أَتَمَلَّقُهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَأُلاَطِفُهَا.. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ الرَّبُّ أَنَّكِ تَدْعِينَنِي رَجُلِي وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ بَعْلِي وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ، وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِم، ِأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ " (هو14:2ـ22).


فالله هنا يتحدّث عن المحبة، والاستغواء، والزواج، والرأفة.. وهذه كلُّها تعبيرات عاطفية، ولكن هذا لا يعني أنَّ صلاتنا ستكون سهلة على الدوام، ولهذا استخدم الله كلمة " البرية " مكان المحنة والتجرد والعزلة.. إنَّ كثيرين أصبحوا اليوم يُركّزون على أهمية التربية العاطفية، فماذا يقصدون بتربية العاطفة وتطهيرها؟ هو أن ننتبه إلى كل ما يُقيّدنا ويجعلنا عبيداً، سواء لغيرنا أو لعادات سيئة، قد نتعذر أن نتخلص منها لو أنَّها تملكت علينا، لأنَّه كما قال مُعلّمنا بطرس الرسول: " مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضاً! " (2بط19:2) ألم يقل مار إسحق: " احترس من العادات أكثر من الأعداء " !


فالإنسان لا يستطيع أن يحيا مع الله حياة روحية سليمة، إذا كانت عواطفه مضطربة، ويسودها الفوضى والنقائص.. هنا يظهر أهمية الاعتراف الصادق والتداريب الروحية.. هذه بداية تطهير العاطفة: الرغبة الكاملة في البعد عن الخطية، والعيش بأمانة وبساطة مع المسيح.. لكن من الضروريّ ونحن بصدد الحديث عن العاطفة في الحياة الروحية، أن نعرف أنَّ الله يتعامل مع المبتدئ على مستوى الحواس، ففي البداية يُعطيه نعمة الدموع، السكون، القلب المشتعل باستمرار بنار الحُب الإلهيّ.. ثم فجأة يعم النفس حالة جفاف روحيّ إذ يشعر أنَّ قلبه قد صار أرضاً جافة خالية من الثمار، وأنَّ الله قد تركه وتخلى عنه بصورة نهائية.. وهو في مثل هذه الافتراءات يكون على غير صواب!


ونستطيع أن نلمس هذه الحقيقية من خلال سيرة القديسة كاترينا فهى تقول: إنَّ الرب يسوع كان يزورها أحياناً، وأنَّها كانت تُحب زياراته كثيراً، وفجأة أوقف الرب زياراته فتألمت كاترينا، وبعد مدة عاد الرب يتراءى لها، فعاتبته بدالة معهودة وقالت له: أين كنت يا رب حين كنت أصرخ إليك؟ فأجابها الرب: في قلب قلبك وإلا ما استطعتِ أن تصرخي إلىّ! لاحظوا أن الرب يسوع قال لها بعد ذلك: لقد كنت غائباً على مستوى، ولكنى كنت أكثر حضوراً على مستوى آخر..


يجب أن نعرف أن الله لا يريد أن نرتبط به من خلال عطاياه التي يُنعم بها علينا مثل الدموع أو السكون أو غير ذلك.. بل هو يريد أن نرتبط بشخصه، وها نحن نتساءل: أيهما أفضل أن تُحب فتاة هدايا خطيبها أم تُحب مانح الهدايا؟‍‍! إذن نحن نرتكب خطأ جسيماً، عندما نظن أنَّ حياتنا الروحية قاصرة على مستوى الحواس فقط، لأنَّ هناك مستويات أعمق تمر بالإيمان والرجاء والمحبة، وتتخطى بكثير اختبار المحبة الحسيّ !


أمَّا أثناء الجفاف الروحيّ أو تلك الفترة المُظلمة، فالأفضل أن يرجع الإنسان إلى الذكريات، التي كانت تشعل قلبه، مثل آية عزته، أو كتاب استرشد به.. إلاَّ أنَّ استرجاع نفس المشاعر ليس بالأمر السهل، إذ لا توجد سلطة على المشاعر التي تتملَّكنا أثناء الصلاة، وكل ما في الأمر هو أن نضع ذواتنا في حضرة الله ويكون هو المتصرف فيها.

ليست هناك تعليقات: