مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الخميس، 12 فبراير 2009

الـذكـاء الـعاطـفـي


لقد سمعنا كثيراً أنَّ " القلب " هو مركز العواطف في الإنسان، وقد يظن البعض أنَّ المقصود هنا هو القلب اللحميّ، إذ أنَّ آياتاً كثيرة يبدو من معناها الظاهريّ أنَّها تُشير إلى هذا المعنى.


فها معلمنا لوقا يقول: " اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ، فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ " (لو6: 45).


وسليمان الحكيم في أمثاله يقول: " فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ " (أم21:19) " اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ " (أم15:22)..


إلاَّ أنَّ هذه الآيات وغيرها لا تُشير إلى قطعة مجرد لحم، أعني القلب البشريّ، الذي لا يتعدى دوره سوى ضخ الدم في الإنسان، أمَّا المقصود بالقلب العاطفيّ هنا فهو جزء يوجد في مخ الإنسان بين صدغيه خلف الجبهة الأمامية بقليل، ويسمّي العلماء هذا القلب " الأميجدالا " أو " النتوء اللوزيّ "، لأنّه يُشبه في شكله حبّة اللوز، وهو مخصص للاحتفاظ بالمشاعر، أي أنَّه مركز العواطف البشرية.


هذا المركز يعمل بطريقة إلكترونية في ترابط مع كل عضو في الجسم، فقبل حدوث أيّة حركة في الجسد، يقوم المركز العاطفيّ بإخطار كل عضو بالحركة التي سيقوم بها.


فمثلاً في حالة الاضطراب العاطفيّ تجعل " الأميجدالا " القلب يدفع الدم بصورة أقوى، كما أنَّ عدد ضرباته تزيد، وربَّما هذا الترابط بين العواطف وحركة القلب، هو الذي دفع البعض إلى هذا الخلط، واعتقادهم أنَّ القلب اللحميّ هو مركز العواطف في الإنسان!


ولكن ماذا يحدث لو أنَّ هذا المركز أُصيب بخلل؟ يفقد الإنسان إحساسه العاطفيّ، كما يفتقر إلى تقدير الأحداث العاطفية، فيتحوّل إلى كتلة صخرية صلبة، لا يتأثر بأحداث الحياة، لا السارة ولا المحزنة، فالحياة من دون هذا الجزء تُعد مجردة من أي أحاسيس، وهى الحالة التي يُطلق عليها في الطب النفسيّ اسم: " العمى العاطفيّ ".


ولا يرتبط مركز العواطف بمشاعر الحُب فقط، بل تعتمد عليه كل المشاعر الأُخرى، ولو أنَّ هذا الجزء قد انفصل عن المخ لفقد الإنسان كل أحاسيسه كالخوف أو الغضب.. لأنَّ العاطفة عنده تصير عمياء أو غائبة تماماً! فكيف يتعاون مع أُناس لا يعرف إن كان يحبهم أو يكرههم؟!


أما دموع الإنسان، التي هي علامة انفعالية فريدة، لا يتمتع بها سوى البشر وحدهم، يثيرها النتوء اللوزيّ..


نستطيع أن نقول: لكل إنسان عقلان: عقل يفكر وآخر يشـعر، أو عقـل منطقيّ وعقل عاطفيّ، ولهذا يُقال: إنَّ فلان عقلانيّ وآخر عاطفيّ!


ماذا لو رأيت إنساناً متفوقاً علمياً يقوم بفعل أتفه من أن يقوم به إنسان أمي؟ لابد أنك ستتعجب! وقد تتساءل عن السبب؟ والتفسير الوحيد لمثل هذه المواقف وغيرها هو أنَّ الذكاء العلميّ ليس له سوى علاقة محدودة بالحياة العاطفية!


فقد يفشل متعلّم في تكوين علاقات اجتماعية مستقرة مع الآخرين، وذلك نتيجة لعدم سيطرته على عواطفه ودوافعه الجامحة، فما أكثر الذين يتمتعون بذكاء علميّ، وقد استطاعوا بذكائهم أن يرتقوا أعلى المناصب، ومع هذا تسير حياتهم الخاصة على نحو يبعث على الدهشة!


لا نُنكر أنَّ كثيرين كانوا يتمتَّعون بذكاء علميّ خارق قبل دخولهم الكلية، ولكنّهم بعد التخرج فشلوا في حياتهم العملية، لعدم قدرتهم على فهم الناس وأساليب التعامل معهم بصورة جيدة!


فالمؤسسات التعليمية تسعى لتنمية الذكاء العلميّ، متجاهلة الذكاء العاطفيّ، الذي هو مجموعة صفات شخصية، لها أهمية في مصيرنا كأفراد خُلقوا، لا ليحيوا منعزلين في جزيرة عدد سكانها شخص واحد، بل في عالم مليء بالمشاكل التي تتطلب حكمة للتغلب عليها، وأفراد يختلفون في الثقافة والطباع والأعمار، وما على الإنسان إلاَّ أن يتعامل مع كل واحد بما يناسبه، فعلى قدر ذكائك تستطيع أن تربح من نفوس!


إنَّ الحياة العاطفية ميدان يمكن التعامل معه، مثل الرياضيات وبقية العلوم بدرجات متفاوتة من المهارة، وهى تتطلب أيضاً مجموعة من المواهب والقدرات الفريدة الخاصة بها، فهل لك رغبة في التعرف على قدراتك العاطفية ؟ وهل تريد أن تعالج سلبياتك؟ أعتقد لو أنَّك راقبت أعمالك وحاسبت نفسك على أخطاءك، تستطيع وبسهولة أن تتقدم في حياتك العاطفية، وتكون محبوباً من الجميع.


يُحكى عن إنسان كان يتمتع بذكاء فوق المستوى، وقد ساعده ذكائه أن يتخرج من كلية الطب بتفوق ويعمل طبيباً، وقد صار جراحاً ناجحاً، إلاَّ أنَّه كان بارداً عاطفياً، لا يستجيب لأي مشاعر! وبينما يتألّق كالنجم الساطع عندما يتحدث عن موضوع طبيّ، كان يصمت عندما تُحدّثه خطيبته، وتُحاول أن تنتزع منه قليلاً من التعبير العاطفيّ! وعندما زار الطبيب قال: أنا لا أشعر بأي مشاعر قوية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وقد كانت مفاجئة غير متوقعة عندما قال: أنا لا أعرف على الإطلاق مشاعر الغضب أو الحزن أو الفرح.. وقد لاحظ الطبيب أنَّ هذا الجمود العاطفيّ، يجعل مثل هذا الشخص ومثاله يُثيرون ملل أي إنسان يتعامل معهم.


إنَّها حاله مرضية أطلق عليها علماء الطب النفسيّ مرض: " الألكسي ثايميا " ، وهي يونانية ومعناها: العجز عن التعبير عن النفس، لأنَّ هؤلاء المرضي يفتقرون إلي الكلمات، التي تُعبّر عن مشاعرهم، ومن ثم يظهرون كأنّهم بلا مشاعر علي الإطلاق وهم بالفعل هكذا!


هناك حالة مريض أُزيل له ورم في المخ بعملية جراحية، ولكن بعد العملية طرأ علي سلوك الشخص وشخصيته تغيير غريب، حتى إنّه لسوء حالته صار بلا وظيفة بعد أن كان محامياً، كما هجرته زوجته، وأخذ يبدد أمواله في مشاريع خاسرة.. وتاه في التفاصيل التافهة، وبدا كأنه فقد كل إحساس بالتمييز، وإذا تعرّض لتأنيب قاسٍ كان لا يهتم مطلقاً، والمدهش أن كل الاختبارات الذهنية التي أُجريت عليه أثبتت عدم وجود خطأ في قدراته الذهنية! والمثير للدهشة أنَّه استطاع أن يروى الأحداث المأساوية التي مرت به في حياته ببرود شديد، لدرجة أنَّ الطبيب شعر بالتوتّر وهو يستمع إلى القصة!


وأخيراً قد توصل الطبيب إلى نتيجة، تفيد بأنَّ مصدر غياب الوعي العاطفيّ عند هذا المريض، هو إزالة جزء من فصوص المخ الأمامية، أثناء العملية الجراحية التي أُجريت له لاستئصال ورم من المخ!


ولكن كيف تعمل الأميجدالا؟ للتبسيط نقول: ماذا يحدث للإنسان عندما يرى شي يُثير الانفعال؟ وما هى ردود أفعاله؟ في مثل هذه الحالات يكون دور الأميجدالا بالغ الأهمية، فالإشارات التي تأتى من الحواس، تدفعها إلى إلقاء نظرة سريعة على كل ما تراه، فتُرسل إلى كل الدماغ برقية مفادها أنَّ هناك أزمة!


لنفترض أنَّ إنساناً يسير في الصحراء، وفجأة رأى من بعيد حيواناً مفترساً قادماً نحوه، في مثل هذه الحالة تقوم الأميجدالا بدور قائد فريق الإنقاذ الذي يستعد لإرسال نداءات، إلى أفراد الحريق والبوليس والجيران مُعلناً حالة الطوارئ! فتُرسل رسائل عاجلة إلى أجزاء المخ، الذي يثير إفراز هرمونات تنشط العضلات، وتجعل الإنسان في حالة استعداد لعمل شئ ما، كما تبعث بإشارات إلى جذع المخ فيستقر على الوجه تعبير الفزع، وتتسارع ضربات القلب، وهناك إشارات أخرى تلفت النظر إلى مصدر الخوف، وتجهّز العضلات لرد الفعل وفقاً لِما يفترضه الموقف، ويزداد نشاط الذاكرة لاستدعاء أي معرفة متصلة بالحالة الطارئة.


كما أنَّ الأميجدالا تستطيع أن تستجيب بردود أفعال نحو المواقف المختلفة، لنفترض أنك كنت تسير بسيارتك في طريق ما، وكنت على وشك أن تصطدم بعربة، ثم حدث بعد سنوات أن سرت في نفس الطريق، هنا تلعب الأميجدالا دورها بأن تُشعرك بنفس المشاعر القديمة، التي شعرت بها من قبل، أمَّا قرن آمون وهو مستودع الأرقام، فيُذكّرك بعدد الأشخاص الذين كانوا معك أثناء الحادثة..


كما تلعب الأميجدالا دوراً هاماً في ربط ذكريات الماضي بأحداث الحاضر، ففي بعض المواقف أو المشاكل، تتخذ قرارات قبل أن تتفحص الأمور كافياً، ولو فحصنا السبب لوجدنا أن مثل هذا الحدث تكرر من قبل، ولو بصورة مشابهة، واستجبنا له بنفس الطريقة والعواطف والأفكار، ألا ترى جنود كثيرين حاربوا وشاهدوا منظر الدماء، فما أن أنهوا خدمتهم اندمجوا في المجتمع، ولكنَّهم عندما كانوا يروا إنسان جريح أو ينزف فسرعان ما يرتعدوا!


ومن المعروف أنَّ كل الذكريات العاطفية، التي مر بها الإنسان أيام طفولته لا تُمحى، بل تُسجل في الأميجدالا، ومن ذكريات الطفولة تتشكّل نفسية الطفل.

ليست هناك تعليقات: