مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الجمعة، 8 أبريل 2011

الخطية أعمت قلوب الأشرار


" وَأُضَايِقُ النَّاسَ فَيَمْشُونَ كَالْعُمْيِ لأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا إِلَى الرَّبِّ "
(صفنيا17:1)


ماذا يحدُث لو رأيت إنساناً أعمي؟ لابد أنّك ستشفق عليه، أمَّا إذا رأيته وقد عاد إليه البصر، فأعتقد أنَّ قلبك سيمتليء بالفرح والسرور، علي أنَّ هناك عمى من نوع آخر، ويحتاج إلي إشفاق أعظم وعطف أكثر، والخلاص منه يدعو إلى سرور أوفر، ألا وهو: عمى القلوب!! الذي يُصيب كل الذين يعيشون في الخطية.

وعن هذا العمى تنبأ الأنبياء، عندما أعلنوا أنَّ السيد المسيح سيأتي ليهب النظر للعميان، فقد قصدوا بذلك العمى الباطني أكثر من عمى العينين الخارجيّ، لأنَّ المسيح لم يهب النظر إلاَّ لقلة من البشر، في حين أنَّه منح بصيرة الروح وأنار قلوب لأعداد لا حصر لها.

وإشعياء النبيّ عندما نطق بهذه النبوة: " وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ " (إش6:42،7)، إنَّما كان يتنبأ عن ذلك العمل العجيب، الذي كان المسيا مزمعاً أن يعمله في القلوب التي قد أظلمتها الخطية، وجعلتها غير قادرة أن تري النور.

يقول البابا أثناسيوس الرسوليّ

" إنَّ الخطية استشرت في جذور الإنسان، والخطية أدّت إلى عمى الإنسان الروحيّ ".

فالخطية إذن تُعمي القلوب عن رؤية أشياء كثيرة لَعَلَّ أهمها:

رؤية الرب

جاء السيد المسيح إلى عالمنا، لكي يقرع أبواب قلوبنا الحديدية، وقد استطاع بمجيئه أن يفتح لنا باب الشركة القلبية بين النفس والله، إذ قال: " إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كلاَمِي وَيُحِبُّهُ أَبِي وَإِلَيْهِ نَأْتِي وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً " (يو23:14).

وعن هذه الشركة قال معلمنا يوحنا الحبيب: " وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ " (1يو3:1).

لكن الحياة مع الله تستلزم القداسة، ولهذا كتب مُعلّمنا بولس الرسول في رسالته إلي العبرانيين يقول: " اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ " (عب14:12)، وهو بذلك قد وضع القداسة شرطاً لرؤية الرب.

وهل يمكن للنور أن يلتقى مع الظلمة؟! فالخطية ظلمة دامسة، وهى تنسج حجاباً كثيفاً، يفصل بين النفس والله، فتعميها عن رؤية الرب ومجده، وقد أوضح هذه الحقيقة إشعياء النبي: " آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلَهِكُمْ وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ (إش2:59).

وكم تستر الخطايا وجه الرب عن قلوب كثيرين " الَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ " (2كو4:4).

رؤية الأبدية

بعد الموت حياة أبدية " فَيَمْضِي هَؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ " (مت46:25)، وهذه حقيقة لا ينكرها إلاَّ الملحدين الذين يُنكرون القيامة والحياة بعد الموت!! وأعتقد أن العقل يرفض فناء الإنسان الذي خُلق على صورة الله!!

ومع أننا نري الأحياء وهم يُخطَفون من بيننا ويوارون التراب، ورغم أننا نسمع رنين أجراس الكنائس وهي تدق نغمات الحزن، ونشترك في تشييع الموتى إلي مقرُّهم الأبديّ.. إلاَّ أننا لا نتأثر!! لأنَّ الخطية أعمت قلوبنا عن رؤية الأبدية وأمجادها العتيدة.

لكنَّ المؤمن الحقيقيَّ هو الذي يعيش علي الأرض، وفي نفس الوقت يضع الحياة الأبدية والأمجاد السماوية أمام عينيه " وَأَيْضاً جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ الَّتِي بِلاَهَا لاَ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللَّهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ " (جا11:3).

والحق إنَّ التأمل في الأمجاد السمائية، يجعل نفس المؤمن تتعزى وروحه تتهلل، فيحتمل آلام الزمان الحاضر بكل فرح، لأنَّه متيقن أنَّها لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فيه (رو18:8)، وعندما يدنو منه الموت لا يفزع، ولكنه يتهلل ويُشرق وجهه كما تهلل إسطفانوس عند موته، إذ رأي السماء مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين الآب فاتحاً له زراعيه لاستقباله (أع 56:7).

أمَّا الخطاة فلا يبصرون مجد السماء، ولهذا عندما يسمعون عن الأبدية يرتعبون كما ارتعب فيلكس الوالي أمام بولس الرسول: " ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ فِيلِكْسُ مَعَ دُرُوسِلاَّ امْرَأَتِهِ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ، فَاسْتَحْضَرَ بُولُسَ وَسَمِعَ مِنْهُ عَنِ الإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ وَأَجَابَ: أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ " (أع24:24،25)، لأنَّ خطاياهم أعمت قلوبهم عن رؤية تلك الأمجاد السماوية، وضمائرهم المثقلة بالشرور اقتلعت من قلوبهم كل رجاء في الأبدية.

رؤية طريق السلام

يقول الوحي الإلهيّ عن الأشرار: " طَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَيْسَ فِي مَسَالِكِهِمْ عَدْلٌ، جَعَلُوا لأَنْفُسِهِمْ سُبُلاً مُعَوَّجَةً، كُلُّ مَنْ يَسِيرُ فِيهَا لاَ يَعْرِفُ سَلاَماً " (إش8:59).

وها نحن نتساءل: كيف يعرفون طريق السلام وهم من صغرهم يسيرون في طريق النجاسة، الذي لا يُعطي سلاماً، إنَّما يقضي علي ما في القلب من سلام وفرح..؟!

طريق السلام هو مع رب المجد يسوع، الذي قال: " سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ، سلاَمِي أُعْطِيكُمْ، لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا " (يو27:14)، فكيف يرون طريق السلام وقد أعمت الخطية قلوبهم عن رؤية رئيس السلام نفسه؟!

وهل نُنكر أنَّ طريق السلام هو ثمرة حياة البر والتقوي وعمل الرحمة مع الآخرين.. فكيف يرونه وخطاياهم فصلتهم عن العيشة الطاهرة، وأعمال الخير والمحبة، وأشغلتهم بأعمال دنيوية، وبحياة كلها دنس..؟! ولهذا يقول إشعياء النبيّ: " لَيْسَ سَلاَمٌ قَالَ إِلَهِي لِلأَشْرَارِ" (إش21:57).

رؤية شرور الحياة

نفوس كثيرة تعيش في الشر ومستعبدة لخطايا كثيرة، وبينما هم غارقون في بحر آثامهم، وقد أتلفت الخطية نفوسهم، وقضت علي حياتهم، لم ينظروا لعيب في حياتهم!! كملاك(راعي) كنيسة اللاودكيين، الذي خاطبه الرب قائلاً: " إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَائِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ " (رؤ17:3).

وماذا تقول عن المدمنين الذين أفنوا حياتهم وأهلكوا أنفسهم.. ومن أجل حقنة مُخدرة قد يسرقون ويقتلون أو يضحون بأولادهم.. ومع كل هذا لا ينظرون لنتائج شرورهم!!

هل لهؤلاء عيون تبصر؟ لو كانت لديهم بصيرة روحية لعرفوا ما هو الخير؟ وما هو الشر؟ ولكن هذا ليس بغريب لأنَّ سليمان الحكيم يقول: " اَلذَّكِيُّ يُبْصِرُ الشَّرَّ فَيَتَوَارَى، وَالْحَمْقَى يَعْبُرُونَ فَيُعَاقَبُونَ " (أم3:22).

وقد يفتخرون بفضائلهم كالفريسيّ، الذي تحوَّلت صلاته إلى إدانة العشار!! يقول مُعلمنا لوقا: " أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ " (لو11؛18)، لأنَّ خطاياهم أعمت قلوبهم عن رؤية شرورهم القبيحة التي يعملونها، وأظلمت قلوبهم عن رؤية النور، فلم يدركوا الظلام الذي فيهم.

وهكذا يحيا الأشرار فى حالة إدانة دائمة، وإسقاط خطاياهم وضعفاتهم على الآخرين ومحاولة تدميرهم، ولو أنَّهم جلسوا مع ذواتهم وحاسبوا أنفسهم، على ما قد وصلت إليه من إنحطاط وفساد لتغيرت حياتهم.

مثل هؤلاء العميان بحاجة ماسة إلي لمسة من يد المخلص، لكي تزول الغشاوة التي علي قلوبهم، ويظهر ما كان مخفياً بالداخل من خطايا، عندئذ سيرددون مع الأعمي، تلك الأُنشودة الجميلة التي نطق بها عندما انفتحت عيناه قائلاً:
" أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ " (يو25:9).

إنَّ لمسة واحدة من يد المُخلص..
حوَّلت ظلمة حياة الأعمي إلي نور..
ولمسة واحدة من نفس يده تقع علي قلوبنا،
فتنقلنا من حياة الظلمة إلي النور..
والرب الآن وفي كل وقت يمد إلينا يده..
يريد أن يلمس قلوبنا حتي نبصر هذا النور..
فلنركض إليه كما ركض الأعمي..
ونطلب منه أن يمد يده لتلمسنا..
حتي نري النور ونسير فيه..
قبل فوات الآوان.

الأحد، 3 أبريل 2011

طـــــريق الصــلــــيـب


حمْل الصليب


تمّت عملية تسليم المتهم مكتوفاً، لكنَّ الحُب والرحمة كانا عن يمينه ويساره، كأنَّهما جناحان يطير ويُحلّق بهما في السحاب، وأصبح يسوع بين أيدي أعدائه كحمل وسط ذئاب وكحمامة بين الجوارح! وبقسوة ووحشية يُمزّقون الرداء القرمزيّ عن جسده المُلطّخ بالدماء والدموع، ويُلبسونه ثيابه من جديد (مت31:27).


وبعد أن قام العسكر بترتيباتهم الوحشية ظهر الصليب الرهيب، الذى أصبح الوقت رمز خلاصنا، نرسمه على معصمنا، ونضعه فوق صدورنا، ونُزيّن به بيوتنا وكنائسنا لأنَّه علم مملكتنا الذي لولاه ما تم الخلاص ولا تأسست مملكة المسيح.

وقد جرت العادة عنـد الرومان أنَّ المحكوم عليهم بالصلب يحملون كل واحد صليبه، إلى مكان الصلب، فحمل مُخلّصنا البار خشبة الصليب على ظهره الجريح، وكأنَّه يحمل راية النصر كملك عائد من الحرب منتصراً، وأتوا بمجرمين آخرين يحمل كل منهما صليباً مماثلاً لكي يُنفّذ فيهما نفس الحكم.


ويتحرك الموكب ببطئ شديد، تلفّه سحابة من الغبار الكثيف، ويسير ملك الملوك مُطأطئ الرأس يتبعه حصانه الكئيب بين أضلع وادى قدرون، وعدد ليس بقليل من الجمع الغفير، فالعسكر يُحيطون بهم من كل ناحية، وفى أشعة الشمس تلمع حرابهم وسيوفهم المسلولة وخوذاتهم، وها هم الكهنة والكتبة، وجمع من الكبار يصرخون، ومن الأطفال يصيحون، وقوم من اليهود، وآخرون أُمميّون..


جموع غفيرة التقت لتشاهد آلام المسيح !! وقد تموّجت أنفاسهم المسمومة حوله، أمَّا يسوع فكان يسير كطيف الحب جاراً أجنحته المكسورة، وقد يبّس التعب مفاصله، وانتـزع الجوع قواه، وأخفت الدماء ثيابه وملامحه كأنَّها تُريد أن تُكفّنه قبل أن تُميته، فكان يتقدم إلى الأمام ورياح الأشرار تصدّه تارة، وتقذف به إلى الأمام تارة أُخرى، كأنَّها أبت أن تراه فى منازل الأحياء، وها هى تُعجّل به إلى الموت.


وتمسك الطريق الوعرة بأقدامه فيسقط ثم يقوم، وبين سقوطه وقيامه كان يصرخ مستغيثاً، ثم يُسكته الألم فيعود صامتاً مرتجفاً، كأنَّه عصفور مجروح الجناحين، سقط فى النهر فحمله التيار إلى الأعماق، أو كطائر ظاميء يحوم مرتفعاً فوق ينبوع ماء حفره ثعبان مُخيف، ولكنَّ الطائر ظل مرفرفاً فوق الينبوع حتى أضعفه العطش، فما أن سقط حتى قبض عليه الثعبان!


وهكذا ظل الموت يتبع يسوع رافضاً أن يتركه حتى خارت قواه، فارتمى على الطريق وصرخ بصوت عظيم هو بقيّة الحياة فى جسده، صـوت مؤلم كما لو كان قد رأى خيال الموت وجهاً لوجه، صوت مُنازع فى النفس الأخير، أتلفته الظلمة وقبضت عليه العاصفة لترمى به فى أحضان الهاوية! ففتشوا عن رجل لكي يضعوا عليه صليب يسوع ليحمله ما تبقى من الطريق، فوقعت عيونهم على شخص غريب، فلاحاً كان عائداً من الحقل يحمل على منكبيه نير الحياة، فسخَّروه ليحمل الصليب وقد كان هذا الشخص هو سمعان القيروانيّ.


سمعان القيراونيّ



أمَّا سمعان فكان عبداً من القيروان، لذلك سُخّر ليحمل الصليب خلف يسوع، فأداة العار هذه لا يحملها إلاَّ العبيد، وقد حمل سمعان الصليب وهو لا يدري، أنَّ من يحمل صليبه هو القدوس الذى أخلى نفسه " آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ " (في7:2)، ليعتقنا " مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ " (رو21:8).


وليس بغريب إن كان سمعان قد حمل الصليب في البداية مُجبراً، لكنَّه سرعان ما فرح لأنَّه اقتنع أنَّ حمل الصليب، هو تخفيف عن رجل بريء، لم يعمل شراً فى حياته، التي كانت مثالاً للتقوى وأعمال المحبة.. وهو بذلك يُمثّل النفوس التي تهرب من حمل الصليب عندما يُلقى عليها، ولكن ما أن تضعه على منكبيها وتحمله عن رضى تفهم فى الحال قيمته الخلاصية، وتشكر الله الذى رآها جديرة لحمله، وعندما تستمر فى حمله تعرف معنى قول الرب: " اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي.. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيف " (مت30:11)، وقد كان الصليب المقدس كجناحي الطير على كتفي سمعان!


وها الصليب يصل إلى تلّة الجمجمة حيث أعدوا كل شئ لصلب البار، لكنَّ يسوع لم يتفوه بكلمة عندما سمروه.. ويخيل إلىّ أن يدى يسوع ورجليه قد ماتت من شدة الآلام، وهى ترجع آنئذ إلى الحياة مخضّبة بالدماء، لأنَّ يسوع كان يرغب المسامير كما يرغب الملك تاجه أو صولجانه، وكان يُريد أن يرتفع إلى الأعالي، فالبلبل اشتاق إلى عشّه لأنَّه مل الكهوف والمستنقعات.. ولو أنَّهم قالوا لسمعان ثانية: أحمل صليب يسوع لحمله بملء الرضا ليسير به هذه المرّة لا إلى الجلجثة، بل إلى قبره لكي يموت ويرتاح من عناء الحياة وظلم البشر!


إنَّ يسوع الذي حمل سمعان صليبه

قد صار هو نفسه لسمعان صليباً !!


فلا يظن أحد أنَّه يستطيع أن يحيا بدون صليب، ومن العبث أن يهرب الإنسان من حمل الصليب، لأنَّ السيد المسيح قد قال: " إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي " (مت24:16)، لهذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم: " إن أردت أن تتخلص من الصليب لن يفارقك أبداً، بل سيتبعك حتى إلى جهنم هذا ما حدث مع اللص الأيسر"، أمَّا القديس أغسطينوس فقال: " إن كنت تريد أن تطرح صليبك، الذى وضعه مُخلّصنا على ظهرك فذاك برهان على أنّك بدأت تتخلى عن مسيحيتك.


لكنَّ الصليب ليس من نصيب أولاد الله فقط كما يظن البعض، فالأشرار هم أيضاً لهم صليب حمله ثقيل، هو خطاياهم التى تلتهم أرواحهم وأجسادهم، وتمتص دماءهم ودموعهم، دون أن تشبع أو ترتوي، لكن بين صليب المؤمنين وصليب الأشرار فرقاً:


+ صليب المؤمنين من أجل البر، أمَّا صليب الأشرار فمن أجل الشر الذي يعيشون فيه.

+ هذا من أجل تبعيتنا لله والعيش بوصاياه، وأمَّا ذاك فمن أجل تبعيتهم للشيطان.

+ صليب المؤمنين بداية المجد السماويّ، ويقود إلى النعيم الأبديّ، أمَّا صليب الأشرار فيقودهم للهلاك الأبديّ حيث النار لا تُطفأ والدود لا ينام.


بنات أورشليم


لقد كان منظر يسوع وهو يسقط على الأرض رهيباً! وهو يكشف عن ثقل خطايا البشرية، ويؤكد أنَّه لا شيء يوقع حامل الكون بكلمة قدرته، لاشئ يوقعه على الأرض إلاَّ خطايانا، ومن هول المنظر أخذت النساء اللواتي كن يتبعن يسوع من بعيد ينحن، إذ شعرن بالإثم الفظيع الذى ارتكبه رجالهن في حق يسوع.


ها قلوبهن تذوب فتجرى كالدم دمعاً، لأنَّ الملك لم يبقَِ منه سوى شبح إنسان فقد هجم عليه الخنزير الوحشى فى الغابة المُظلمة ومزّق جسده بأنيابه السامة، والآن هو يسير ملطّخاً على أوراق السنين المتساقطة، إنَّ صوته لن يأتي مع الفجر إلى نوافذهن ليوقظهن مع نسيم الصباح، لقد أفلت منهن ذاك الذى تكلّم كما تتكلّم الأنهار، الذى كان صوته وقيثارته توأمين، يسوع الذي كانت المرارة تتحوّل على شفتيه إلى عسل.


لقد بكت النسوة لأنَّ الحياة فى نظرهن قد مات! أمَّا الرب فيرفض دموع النائحين عليه، ويعتبره عملاً خاطئاً، ويعد دموعهن بلا جدوى، لأن يسوع لم يكن ضرساً مسوساً فى فم البشرية، ولا سبيل إلا استئصاله لترتاح من أوجاعها وتُريح معها الآخرين، فهو الذى استطاع فى كل المواقف وتحت وطأة الآلام الشديدة أن يُظهر هدوءاً تاماً، ورغم ما حدث لم يفقد وعيه أو محبته، ولم يتخلَ لحظة عن إظهار حنانه وعنايته بخراف إسرائيل الضالة ولهذا يلتفت إليهن وهن يشاهدن آلامه ودماءه فى إشفاق ويقول: " يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ " (لو28:23).


وفى هذه الكلمات توبيخ لكل الذين ينحصر تعظيمهم للصليب، فى مجرد إظهار للعواطف الطبيعية التى نصيبها الرفض، فالمسيح لا يقبل النوح لأجله لأنَّه يجتاز الألم بإرادته، ففى استطاعته لو أراد أن يقف أمامنا بتاج مجد بدلاً من الصليب، فالأفضل أن نبدأ بالبكاء على أنفسنا، معترفين بأننا مستوجبون الموت الأبدي الذي شاء الرب برحمته أن يرفعه عنِّا.


كما أنَّ هذه الكلمات تُشير إلى المصير الرهيب، الذي ينتظر الجمع الثائر، وإشارة أيضاً إلى جريمة إسرائيل الكُبرى، التى كانت السبب الرئيسى في البلاء الذى حل عليهم فيما بعد، فها الجبابرة تحوّلت الحياة أمامهم إلى حبس ضيق، لا يروا فى جوانبه غير أنوال العنكبوت، ولا يُسمع فى زواياه سوى دبيب الحشرات.


ويستطرد الرب قائلاً: " لأنَّهُ هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُونَ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ وَالْبُطُونِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَالثُّدِيِّ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْ " (لو29:23)، فما كان من قبل يُسبب حزناً وألماً، وكان يُعد عاراً عظيماً فى إسرائيل - العقم وعدم إنجاب البنين - سيُكون فيما بعد امتيازاً يُحسد عليه، ويمتد بصر المُخلّص إلى ما بعد خراب أورشليم، ويصل إلى دينونة اليوم العظيم، فأولئك الذين بإصرارهم على عدم الإيمان بالمسيح، واستمرارهم فى عدم التوبة، سيجدون أنفسهم فى وضع يُفضّلون عليه الموت من الاسـتمرار فى الحياة، فيقول: "حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ اسْقُطِي عَلَيْنَا وَلِلآكَامِ غَطِّينَا " ( لو30:23).


ويختم الرب كلامه لبنات أورشليم بقوله: " لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ ؟ " (لو31:23)، وهنا يدعو حامل الصليب نفسه " العود الرطب "، من حيث أنَّه هو البر والحياة الذى له كل إكرام ومع ذلك تحّمل عذاباً لا مثيل له!


كواكب مُضيئة فى ليلة مُظلمة


فى طريق الصليب سار جمع كثير، منهم الكافرون الظالمون والحاقدون، وبين هؤلاء الأشرار سارت جماعة قليلة، كانت مثل كواكب مضيئة فى ليلة مظلمة، وكان الجمع ينظر إليهم كمن شاركوا الأرواح الشريرة في بث السموم فى فضاء مدينتهم، ولم يُدركوا أنَّ هذه الجماعة كانت تسير مع يسوع لتحمل دمائه إلى بلاد بعيدة!


جماعة صغيرة اشتهت أن تُعرّض نفسها لأشعة آلامه المقدسة لتحترق فى هذا الموقد موقد الحب فتتطهّر مثل الملائكة وتسبّحه بقلبٍ خالٍٍ من الغش، طاب لها المر والخل وقد شبعت من الإسفنجة، نبع لها القوت من ضرباته، وفتحت فاها لتشرب من الدم الذى يجرى منه، وأخذت الماء من جنبه وملأت به بطنها، خبَّأت نفسها فى العش المضفور على رأسه ولم تؤذها الجوارح المتربّصة أتى الصيادون من كل مكان وأحاطوا بها، ضربوها بحجارة الهزء لتفر وتخرج من داخل عشها، رجموها كثيراً وهى لم تسقط على أيديهم، بدأت تُرتل من داخل عشها بأصوات شجية أُنشودة الحُب الإلهيّ، وضعت فمها بأُذني يسوع ورتلت بإيمان قوى وألم عظيم، قالت:


لا تتركنى أفر منك إلى الأشرار، ها جميع الرياح قد هبت علىّ حتى ابتعد عنك ولكننى احتقرتها وصعدت إلى علو عشك، نفخ فىّ قيافا كشبه الحية لكن سمومه لم تقتلنى، وطلب منى حنّان التنين العظيم أن أنزل، لكني رفضت وكنت أؤمن أنَّه لن يصل إلىّ لأنّى فى حضنك أختبئ، ها الشيطان الماكر خرج خلفي لكنه لم يمسكني، لأنَّ ريشى جيد وأستطيع الطيران لأحلق فى سماء حُبّك.


فبينما تنفخ رياح الزور بشدة، اشتعل سراج الأبرار دون أن ينطفئ نور إيمانهم، وحيث تتخبّط الأمواج لتغرق سفينتهم، عبروا البحر بخشبة الصليب ولم يغرقوا، وحيث الإهانات والتعييرات، خرجت الطيور من عشها وطارت، وصعدت إلى فوق بعيداً عن فخاخ الصيادين الأشرار، ووضعت عشها فى إكليل الشوك الموضوع على رأس يسوع لتحتمي هناك فى العش بين الأشواك، فهناك لا تؤذيها أظافر الجوارح لأنَّ من يقترب منها سيُهرق دمه.


من بين هؤلاء أم ابني زبدي، إنّها تريد أن تقدم لابنيها اللذين اشتهت فى يوم أن يجلسا عن يمين ويسار المسيح فى ملكوته مثالاً للأمانة، وقد تعلَّما بحق أن يكونا أُمناء حتى الموت، وأظهرا فيما بعد أنَّهما جديران بأم قديسة طاهرة كهذه .. ولابد أنَّها خاطبت يسوع وإن كانت بلغة صامتة! وهل يحتاج الإنسان إلى لغة ليخاطب عموداً من النور أو جبلاً من البلور؟! فالقلب لا يعرف مالا ينطق به اللسان وما لم تسمع به الآذان!


لقد خاطبها يسوع عن القوة في لحظات ضعفه، ولمّا خاطبها عن المحبة بدمائه ودموعه، شعرت كأنَّ الدم توقّف عن السير، والوجود انحجب واضمحل، وأحسّت بأنَّ صوت لحن سماوي يخترق أُذنيها ويتملك على مشاعرها، فاتضعت روحها أمام نظراته الطاهرة، وأدركت في أعماق نفسها أنَّ الذي تسير بجانبه هو إله وإن كان يرتدي زي البشر!!


ومنذ تلك اللحظات وصورة يسوع ترافقها في وحدتها عندما لم يزرها أحد، وعيناه تنظران إلى أعماقها هي مغمضّة العينين، وقد كان صوته سيداً في هدوء لياليها، وهكذا صارت سجينة حُبّه إلى الأبد، وأدركت أنَّ السلامة في آلامه، والحرية في قيوده، والفرح في دموعه، وإن كان يسوع قد اختفى بعد صلبه عن حواسها، إلاَّ أنَّه اقترب بالروح أكثر فأكثر إلى قلبها! ولكن كيف تركت الأم ابنيها، حليب ثدييها، في طريق ينبوع لم يذق بعد؟! كيف احتملت ولديها، حرارة ذراعيها، يبعدان عنها من أجل بلاد باردة سيذهبان إليها؟!


وبالقرب من أم ابني زبدي كانت تسير مريم أم يعقوب ويوسى، وقد صار لها الشرف هى الأُخرى أن ترى ابنيها ضمن رفقاء يسوع يُحدّثون بعجائبه ويتكلّمون بأمثاله الحيّة وتعاليمه المُحيية، فقد كانت قوة خفية تُرافق كلماته فتستأثر القلوب، وتُزيل الصدأ من معادن النفوس، لأنَّه كان ينسج أمثاله وقصصه من خيوط الفصول وإليك مثالاً من طريقته:

" خرج الزارع ليزرع "، أو " كان لرجل غني كرم " أو " راعٍ عد خرافه "، فكلمات مثل هذه لابد أن تؤثر في سامعيه، لأنَّ كلنا عند التحقيق زارع، وجميعنا نُحِب الكرمة، وفي مراعي ذكرياتنا راعٍ وقطيع وخروف ضال وهناك أيضاً محراث ومعصرة وبيدر..


لقد عرف يسوع نوع الخيوط الذي صنع الخالق منها ثوب حياتنا، ولهذا استطاع أن يخترق بتعليمه الإلهية أعماق قلوبنا، ولأنَّه رأى الحياة بنور الله الذي هو أنقى من نور عيوننا، خاطب مشاعر البشر لا عقولهم، وعواطفهم لا أفكارهم فقط، أمّا كلامه فقد حمل قوة لم تصل إليها حكمة الفلاسفة، وكثيراً ما كان في كلماته يمتزج صوت البحر والريح وصوت الأشجار والنسيم والورود.. فإذا تكلّم كأنَّ الحياة تتكلّم مع الموت!


لقد كانت مريم تمشي بين الجمع كأنَّها روح انفصل عن الجسد، تتوجّه حيثما توجه، وإن سقط كانت تبكي بمرارة، ولأنَّ عظامها كانت من صُلب النحاس فهي لهذا لم تنثنِِ، وكانت عيناها كالسماء اتساعاً وشجاعة، فلم ترهب الجند أو الكهنة الذين ترأوا لها كأطفال! فصارت رمزاً للوفاء، وقد تمنت أن تموت لتُعطي حياتها للحياة الذي مات لأجلها، ولو استطاعت لحاكت من خيوط حُبّها ثوباً لتستر به عرى يسوع، الذي أحبّته وأحبّها، فعادت إلى بيتها وقد جلست إلى نولها لتصنع ثوباً لم تلبسه، لأنَّه لابنيها قد صنعته، إنه ثوب الشجاعة والوفاء.


وها هى مريم المجدلية التى أخرج منها الرب سبعة شياطين، تنتحب فى صراخ شديد وتريد أن تتقدم لتُقبّل وجه الحبيب، ولكنَّها خافت من الذئاب البشرية المحيطة به، أو قل تجنبتهم إلى أن تنتهي مأساة الصليب.


لقد كانت المجدلية إنسانة ميتة، ملعونة من السماء والأرض، أذلتها شياطين الشر، وأيضا شياطين البشر، ولكن لمّا نظر فجر عينى يسوع إلى عينيها غابت جميع كواكب الشر من ليل حياتها المظلم، لأنَّ حب يسوع ذبح الوحش الذي كان يسكن أعماقها، فصارت امرأة فاضلة، قدمت ذاتها بخوراً طاهراً لإله الحُب، ولكن حكمة مريم قد تجلت عندما احتضنت حُبه في قلبها، فما الذي دفعها إلى حُبه؟ هل مجاعة عينيها الراغبة في الجمال، أم جماله الذي يفتش عن النور في عينيها؟


إن يسوع استطاع أن يدخل إلى هيكل المجدلية، وقد رأى الأرواح الشريرة التي تتآمر عليه وعليها، كما رأى الأرواح الطاهرة، التي تغزل خيوط الحُب بين البشر، ولكن الطريقة التي اتّخذها لشفاء المرضى لم تكن معلومة لدى أطباء وفلاسفة البشر، فقد كان بكلمة يأمر الشياطين أن تخرج فتفر هاربة! لقد عرف المسيح الفولاذ الصحيح تحت الصدأ؟!


أمَّا مريم أم مُخلّصنا فكانت تسير فى خطوات هادئة من شدة التعب، وهى تُغطي وجهها الذابل من الحزن، وكانت تتفرس فى ابنها وهى متوجّعة القلب، لقد بلغها رمح الألم كما قال لها سمعان الشيخ يوم ميلاد يسوع: " وَأَنْتِ أَيْضا ًيَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ " (لو2: 35)، عبر الحزن فى نفس الأم الطاهرة على وحيدها، ولم تقدر أن تتقدّم إليه عندما كانوا يستهزئون به، فصرخت فى قلبها ولم تفتح فاها لئلا يسمع أحد رعد ألمها.


لقد عجزت الأم أن تُخفف آلام ابنها، فما وصل إليه من الإنكار يؤلمها كما يؤلمه، وما احتمله من عذابات حملته هى فى قلبها! لقد كانت عيناها عالقتين به لا تتحولان عنه، كما كانت عيناه الداميتان لا تتحولان عنها، لم يتكلما معاً ولكن كم من أشياء تخاطب بها قلباهما الحزين فى ذلك اللقاء؟! ويبقى السؤال الحائر: كيف احتملت الحمامة الوديعة أن ترى ابنها الوحيد وهو بهذا المنظر العجيب؟ لابد أنها كانت تعرف أن فى عذابه وموته حياة للناس أجمعين ‍‍‍‍‍!


لقد ولدت مريم بكرها شجيرة صغيرة، وكانت تُراقبه بعيون المحبة لأنَّه كان ممتلئاً بقوة الحياة، ومرت الفصول وغابت أقمار وشموس.. فصار الطفل صبياً ينمو كالنخلة في أرضنا القفرة، وعندما بلغ شبابه صار جميلاً كالربيع وكانت عيناه كالعسل ممتلئتين من حلاوة الحياة، وكان على فمه عطش قطيع الصحراء لبحيرة الماء، فهو يريد أن يُعلّم الناس لكي يجتذب إليه أبناءً للملكوت وكانت فصاحته تسمو على قلوب البشر الصامتة، التي كانت تحن إلى تعاليمه كالحنين إلى ضياء النجوم، فما الذي حدث للربيع فتحول فجأة إلى خريف ؟! ما الذي جعل الظلام يطبق بسحابته على النهار ؟!


إنني أرى مريم وقد تضخم قلبها بدماء الألم، لقد كان حزنها على ابنها شديداً، فكانت تُحدّق فيه طويلاً ثم ترفع وجهها إلى أعلى فتتأمل السماء البعيدة منذهلة، وكأنها ترى رؤى سماوية، وقد كان بينها وبين صالبيه، بين قلبها وقلبهم أودية عميقة، أو قل صحراء واسعة من الحزن والألم، لكنّها لم تكن تخشى ظلام الأشرار، لأنَّها كانت تؤمن أنَّ الليل وأشباحه لن تطول إقامتهما معها لأنَّ صباح القيامة قريب، ولهذا مشت مريم وراء ابنها برأس مرتفع، وعندما وصل الجمع إلى الجلجثة ورفعوا يسوع على الصليب، لم يكن وجهها حزيناً بل كان أشبه بمنظر الأرض المثمرة، التي تلد أولادها بغير انقطاع وتقبرهم بلا ملل، طالما أنَّ في موتهم حياة لآخرين، فمريم التي كانت في ربيع حياتها ترأت لي شيخة طاعنة في السن، لأنني رأيت حصاداً في أزهارها وأثماراً يانعة في ربيعها!


يُخّيل إلىّ أن مريم كانت تناجي روحها فخراً بابنها الحبيب، فكانت تقول: أيها الرجل البار، الشجاع الكامل، الذي زار بطني مرّة، لم ولن تتكرر في البطون، أؤمن أن كل نقطة من دمك الطاهر المتساقط ستكون ينبوعاً، لأنَّ منها ستتكون أنهار الحياة الروحية لأمم وشعوب، أنت الآن تموت في هذه العاصفة، ولكني لن أحزن عليك أكثر من هذا لأنَّ في موتك حياة لكثيرين..


أما يسوع فنظر إليها وابتسامة هادئة تعلو شفتيه، وقد كانت هذه الابتسامة دليلاً على أنه قد غلب العالم، فرفعت مريم عينيها نحو السماء وقالت: أُُنظروا الآن، لقد انتهت المعركة، وأعطى الكوكب نوره، قد وصلت السفينة إلى الميناء، ويسوع الذي اتكأ على قلبي الآن يتموج في الفضاء، لقد غلب العالم، ويسرني أن أكون أمَّاً للغالب، ثم رجعت إلى أورشليم متكئة على ذراع يوحنَّا الحبيب، كما لو كانت قد حققت كل آمالها في الحياة!


إنَّها مثال للأم التي تموت لتعطي الحياة لغيرها، تحوك من الخيوط ثوباً لن تلبسه، تلقي الشبكة لتمسك السمك الذي لن تأكله! لقد بكت ورنَّمت، سكبت دموع الحزن ولآلئ الفرح، لأنَّها كانت هى الأخرى في حاجة إلى الخلاص.. فهل رأيت عصفورة ترنم وعشها في الهواء يحترق!


وكان هناك فى طريق الصليب يوحنَّا الحبيب، الذي وهو فى حاجة إلى تعزية، يحاول أن يشدد أم ربّه فى أحزانها، إنَّه التلميذ الوحيد الذى كان يسير فى طريق الصليب، فالرجال هربوا وبقيت النساء، فأين توما الذي قال: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضاً لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ؟ " (يو16:11)، وأين بطرس الغيور الذى قال لمعلمه: " وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً.. وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ! " (مت33:26،35) لم نرَ أحداً لا هذا ولا ذاك حتى الذين أقام موتاهم أو فتح أعينهم أو شفاهم.. أنكروا الجميل وتملّك عليهم الجبن، لكي تتم نبوة إشعياء النبى: " دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَد" (إش3:63).


إنَّ هذا القطيع القليل فى عدده والكبير فى محبته، يُعلن لنا أنَّ المحبة نحو المُخلّص المتألم، لم ولن تنقرض من على الأرض، وفى هذه الجماعة الباكية نرى البذور التى دبّت فيها الحياة بلمسة هذا المصلوب، والتى أنبتت فى المستقبل مملكة عظيمة، تتبع ملك الملوك الذي عُلق على الصليب!لقد صاروا كعصافير صغيرة، نثروا حبوبه المقدسة التي وضعها في أيديهم، نثروها على القلوب لكي تنمو وتفيض على الأمم من ثمار الروح التي هى: محبة وفرح وسلام.. فيشبعوا ولا يلجأوا إلى تجار العالم الذين يخلطون الحق بالباطل، وطعامهم المغشوش قد سم كثيرين.


وإن كانوا قد تألموا لموته إلاَّ أنَّهم بعد أيام رفعوا رؤوسهم التى انحنت، واستراحت قلوبهم التى احتملت التعيير من أجله، عندما يرون مجد المصلوب وهو قائم من الأموات، حينئذ ستطلب كل نفس مؤمنة، أن يجذبها خلفه حيثما يذهب، وأن يصعدها معه إلى مساكن الأبرار، ستصرخ متضرعة بالحُب طلبتني، وبالآلام اشتريتني، وبالرمح خلصتنى، والآن خذنى معك لبلد أبيك فى السموات، أنا الذى قبلت العار من صالبيك، وتألمت لمَّا احتقروك ولطموك وحمّلوك الصليب على ظهرك، وبكيت لما وضعوك فى القبر بين الأموات.. لقد احتملت آلاماً كثيرة من أجلك.. فخذنى معك لأني مطرودة من أجلك.. خذنى أيها القدوس لأنى أحببتك.. لأنى معك لا أريد شيئاً على الأرض..

السبت، 2 أبريل 2011

كــأس الألــــم



لقد عبّر السيد المسيح عن آلامه بأنَّها كأس خُصصت له، كما تُخصص الكأس لكل مدعو فى الولائم والأفراح، وذلك لأنَّ يوم صلبه هو في الحقيقة يوم عرسه وفرح قلبه، الذي ارتبط فيه مع كنيسته المقدسة بزيجة روحية، أمَّا المهر الذي قدمه لعروسه، فكان دمه الطاهر الذى قد سُفك على عود الصليب !! إنَّها كأس سوف يشربها حتى نهايتها وسواء كانت هذه الكأس كبيرة أو صغيرة ، ممتلئة أو فارغة.. فستظل لامعة ببلورها على مائدة الله فى السماء.


الإشارة إليها



وإلى هذه الكأس المرّة المـذاق قد أشـار المخلص أكثر من مرّة، فعندما طلبت أُم ابني زبدي، أن يجلس ابناها واحد عن يمينه والآخر عن يسـاره فى ملكوته، أجاب رب المجد متسائلاً: " أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا؟ " (مت22:20).


وفى بستان جثسيماني بعد جهاد فى الصلاة، سمعناه يتساءل: إن كان ممكناً أن تعبر عنه هذه الكأس " يَا أَبَتَاهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ " (لو42:22).


محتوياتها



++ فى الكأس كانت خطايا البشرية كلها


فكل ما ادخرته البشرية لنفسها ليوم الدينونة العظيم، من قتل ونهب وسرقة، وتجديف وجحود، وكبرياء وظلم وقساوة قلب، ومكر وخداع وشهوات رديئة، وكذب ونفاق ونميمة.. هذه كلها امتزجت فى كأس آلامه.


وهكذا صار المسيح ذبيحاً فى هابيل، ومُزدَرى فى نوح من بنيه، ومتغرباً فى شخص ابراهيم، وعبداً أجيراً فى يعقوب، وهارباً فى موسى، وأسيراً مباعاً فى يوسف الصديق.. وإلى الأبد سيذوب على مذبح الحُب، ليضئ بنوره حُبَِّه الطريق أمام كل زورق تائه في الحياة!


++ وفي الكأس أيضاً آلام الصلب


سواء النفسيّة أو الجسديّة عندما حزن فى جثسيمانى وتساقط عرقه دماً على الأرض!! (لو44:22)، وعندما وقف فى بلاط هيرودس وبيلاطس مقيداً ليُحاكم كلصٍ شرير، من قوم ضالين عن تهم لم يفعلها، وكم كانت آلام مخلصنا قاسية، عندما عروه من ثيابه وجلدوه! وهو اللابس النور كرداء ويُرصّع ذيل ثوبه بالنجوم، أو عندما وضعوا قصبة فى يمينه ليسخروا لملكه وهو الملك الحقيقيّ الذي ستخضع الشعوب لسلطانه، وسينحني ملوك الأرض أمام صولجانه..
تُرى من يستطيع أن يصف وجهاً يُعلن فى كل دقيقة سراً من أسرار الله؟‍! هل لنا أن نصف جمال يسوع الذي كحلم لا يُفسر، أو كفكر سماويّ لا يُعبَّر عنه، ولا يتجسّد بقلم كاتب أو يتجسّم بريشة فنان؟! ومع ذلك بصقوا فيه!!

إذهب بفكرك إلى الجلجثة، تلك البقعة الجرداء، التى تخضّبت رمالها بدماء القتلى والمجرمين، وارفع عينيك إلى فوق لتعرف مقدار آلام مُخلّصنا.. فالدماء تملأ وجهه من آثار جروح إكليل الشوك، والأرض ارتوت بالدماء من آثار المسامير المغروسة فى يديه ورجليه، أمَّا جنبه فقد طُعن بالحربة، ليصير ينبوعاً يُطهّرنا من خطايانا، ويشفينا من أمراضنا.

++ ولا شك أن خطايا اليهود زادت الكأس مرارة


فالمسيح عانى من كراهية وحسد اليهود!! وقد عاش مرفوضاً من خاصته يُعامل معاملة الازدراء المهين التي قلّما يُعامل بها أشر الخطاة! فكم من نفوس عاشوا فى كهوف تتدلى أفكار اليأس من سقوفها، وكم من نفوس طريدة كادت حياتها كشمس المغيب تذوب فى صدر الحياة، هؤلاء غير العميان الذين كانت أحلاهم تسيل على الطريق لَعَلَّهم يبصرون فى يوم ما النور.. إلى أن جاء المسيح وحررهم فتحوّلوا إلى شعلة من نور ونار! ومع ذلك قالوا بجهل أنّه: " بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخرِجُ الشَّيَاطِينَ " (لو11: 15)، وأرادوا كرياح الخريف إسقاط أوراقه من شجرة الحياة!


فهل أخطأ يسوع؟ ربَّما يكون فى نظرهم أخطأ عندما تحدث عن نفسه! ولكنّه فى الحقيقة لم يدّعِِ لنفسه أكثر مما يدّعى شهر الربيع فى عبيره، أليس من واجبه أن يُعلن الحقيقة اللامعة التى أرادوا لحقدهم إخفاءها؟!


وإذ هو يسعى فى البحث عن الخطاة والضالين كانوا يتهمونه بأنه " إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ " (مت19:11)، وهم لم يعرفوا أنَّ يسوع قد جاء ليجالس غير المتوجين، فهؤلاء فى نظره أفضل من ملوك كثيرين، يعبثون بلا فكر كالجماجم المطروحة بين الصخور، ينظرون إلى قصورهم نظرة الأسير إلى جدران سجنه الحديدية، أمَّا أرواحهم المحبوسة فى ظلمة الخطية، تتعذب مثل العصفور بين قضبات قفصه، وهو يرى أسراب الحمام تسبح حرّة فى الخلاء! وها نحن نتساءل:


ما قيمة أُناس يحملون رؤوسهم الفارغة فى سلال إلى السوق ويبيعونها بأرخص الأثمان؟‍! فماذا ينتفع الإنسان لو عاش كبلبل ميت فى إحدى زوايا قفص حبكت ضلوعه يد شيطان ماهر، وفى زاوية أُخرى جرن جف وجرن نفذتَ بذوره! صدّقوني لو سكن الأبرص فى أعظم القصور، فلن يقترب منه أحداً لئلا يتنجس! لكني أشفق على هؤلاء لأنّهم لا يقـدرون بأرواحهم السُفلية أن يصعدوا إلى العلاء ليروا الحقيقة متجلية! فما أكثر البوم التى لا تعرف من الأغاني غير ما شابه نعيبها!


فتح وأضاء الطريق أمام العميان، وهم حقّروه وأغمضوا عيونهم عن رؤيته! شفى بكلمته اليد اليابسة وانبسطت تلك اليد لتضربه! أطلق ألسن الخرس وأولئك شتموه وجدّفوا عليه ونفضوا البصاق فى وجهه! حوّل الماء خمراً مختاراً فى عرس قانا الجليل، وفى وقت عطشه أعطوه خلاً! أكثر الخبز وأشبع الجياع وعوض الخبز كافئوه بالمر..!!


لقد كان غريباً!! نعم كان يسوع غريباً فى أرض ليست له، وزائراً يقرع أبوابنا الحديدية، وضيفاً جاء يفتقدنا من بلاد بعيدة فى منحوتاتنا الصخرية، لكنّه لم يجد بيننا مُضيفاً عطوفاً ولذلك رجع إلى مسكنه!


لم يكن يسوع هو ابن الولاية الفخور، ولا ابن الإمبراطورية المتمتّع بحمايتها، ولذلك حسبوه غريباً عن بلاطهم، ودخيلاً على قصورهم، فعاملوه كرجل مختل العقل يثور على النظام، ومتسوّل يُقاوم المقتنيات، وسكِّير لا يفرح إلاَّ مع المحتالين والمزدرين، ولايجالس إلاَّ الزناة والعشارين! وهكذا ترفض الصخور البشرية ابن وحفيد الملوك الذين أسسوا مملكة الروح!


فهل كان يسوع دنيئاً، أو رجلاً فظاً، أو شجرة خاملة لزرع خامل؟! حاشا لنا أن نقول هذا! لكنَّهم ادعوا جنونه وقد نسبوا إلى الشياطين أقواله، ولكن فليعلم هؤلاء المهوسون أنَّ يسوع قد تكلّم، فألهبت كلماته النارية قلوب سامعيها، وكان رنين صوته كقطرات الندى تتساقط على أرض جافة لترويها! وسيظل كلامه أُنشودة لا يستطيع أحد أن يمحوها، فهى ترفرف بأجنحتها من جيل إلى جيل، وتنهض من محيط إلى محيط، حاملة ذكرى الشفتين اللتين ولِدت هذه الأُنشودة فى أحضانها!

++ هذا بالإضافة إلى حروب الشياطين


ولعنة الناموس التى لم يسقط منها حرف واحد، واحتجاب وجه الله عنه وقت التجربة، وهروب التلاميذ وتركهم إياه وحده، وخيانة يهوذا تلميذه وإنكار بطرس له.. كل هذه وتلك اختلطت وامتزجت معاً فى كأس آلام المسيح، وتحوّلت إلى علقم مر وسم مميت، وعلى الرغم من ذلك شربها.

شرب المسيح كأس الألم ليملأها بالبركات لشعبه!!


نتائجها


لا شك أن كل ما مُزج فى الكأس، كان مقدّراً لنا من العدل الإلهيّ بسبب خطايانا، فكأس الألم التي شربها المسيـح كان يجب أن نشربها، وكل الآلام التى وقعت عليه كانت ستقع على طبيعتنا الفاسدة، وما لقيه من عذاب كنا سنناله كجزاء عادل لشرورنا، لكن المسيح حمل خطايا البشرية فى جسده المقدس وحرقها على مذبح الصليب بنار الغضب الإلهيّ، فأوفى العدل الإلهى حقه، وبهذا أكمل الفداء وأتم الصلح، وأصبح الآن " لا شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ " (رو1:8).


فالذى لم يفعل خطية صار خطية لأجلنا، لنصير بر الله فيه، والشجرة الوحيدة الخضراء المثمرة الثمر الجيد وضعت عليها الفأس وقٌطعت لتثمر شجرتنا التى جفت وأفسدتها الخطية، وهذا إنَّما يدل على محبة الله وحكمته، لأنَّه بكأس ألم شربها المسيح كانت نهاية آلام البشرية!


نعم فحُب المسيح هو الذي جذبه ليتألم من أجلنا، وأي إنسان لم يرتشف من كأس حُبّه فى إحدى كاساته؟! أي زهرة لم يسكب الصباح قطرة من الندى بين أوراقها؟! فأمام حُبِّه يترك الفلاسفة كهوفهم المظلمة، والمفكرون صوامعهم الباردة، والشعراء أوديتهم الخيالية، ويقفون على جبلٍٍ عالٍٍٍ مصغيين لصوت الحُب يقول لصالبيه "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَيَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو34:23).


إن قصة تكوين الجنس البشرى مكتوبة بأعظم لغة ألا وهى لغة الحب، فقد خلق الله الإنسان من تراب ونفخ فيه فصار نفساً حيّة، وما هذه النفخة إلاَّ أنفاس الحُب الإلهية، فالله محبة وكل ما يخرج منه هو حُب ويدعو إلى الحُب، ولهذا فإن الكون بكل حركاته يشير إلى الحُب، فرياح الصباح تهب لتوقظ الأوراق النائمة على أشجار الحُب! والليل يأتى بظلامه لا ليخيفنا بل ليدعو الناس إلى الصلاة فى أعظم مخدع ألا وهو مخدع الحُب!


قالت " قطعة الجليد " وقد مسّها أول شعاع من أشعة الشمس فى مستهل الربيع:


أنا أُحب وأنا أذوب وليس فى الإمكان أن أحب وأوجد معاً!! فلابد من الاختيار بين أمرين: وجود بدون حُب وهذا هو الشتاء القارس، وحُب بدون وجود وهذا هو الموت فى مطلع الربيع، وها رب المجد ذاب فى ربيع حياته، حُبّاً فينا ورغبة فى خلاصنا، مات الحياة لتحيا الخليقة المائتة بموته! فهل لنا أن نحمل قارورة حُبّه عالياً لنقطرها بلسماً على جراح البشرية؟!

الأربعاء، 30 مارس 2011

مرض اسمه الخطية

" كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ وَكُلُّ الْقَـلْبِ سَـقِـيمٌ
مِنْ أَسـْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ "
( إش 1 :5 ).

الخطية مرض روحيّ وأدبيّ من أخبث الأمراض وأشرها، إذ يفتك بالروح ويقضي على الحياة.. هذا المرض أصاب البشر فأذلّهم وأضنك قواهم.. وإن كان البعض يظنون أنَّ المرض لا يُصيب إلاَّ الجسد فيضعفه ويقضي عليه، لكن الحقيقة إنَّ المرض لا يكون بضعف الجسد فقط بل بالخطية أيضاً، ومرض النفس أشد من مرض الجسد، ومرض الروح أصعب من كلاهما!

الخطية بشعة والمرض عضال، يبتلي النفس فيشل طاقتها ويجعلها مستحقة للنار الأبدية، إنها الشر المرتكب طوعاً وجرثومة القصد السييء، ونحن إذ نفعل الشر طوعاً نرتكب الخطية لقد فعلت الخطية في النفس أشر مما تفعل أخبث الأمراض في الجسم، إذ شوَّهت جماله، وجعلت منظر الإنسان كئيباً، والذاكرة مرضت بالنسيان، والضمير قد صار في إنحطاط، والقلب فقد الشعور بالرحمة والإحساس بالله، وبعد أن كان هيكلاً لله جعلته الخطية مقراً لإبليس وجنوده يأتوا ويسكنون فيه إذ في قلوب الخطاة يجدون راحتهم.

قال أحد علماء الغرب:

" إننا نحيا في عالم يحترق بنار الخطية، وفي كل بلد يموت ألوف البشر وهم مشوهون بنار الإثم، وياليت الإنسان كما يبحث عن الحقيقة العلمية، يبحث أيضاً عن علاج وحل لأخطر مرض أصاب البشرية ألا وهو: مرض الخطية " .

إنّها مرض مؤلم، تؤلم الجسد إذ تُصيبه بالأمراض التي ربَّما تقضي على حياة الإنسان، وتؤلم الروح إذ تفقدها سلامها فتهيم هنا وهناك، لعلّها تجد مستقراً لها ولكن دون جدوىالأبناء تحمَّلوا آلام الفقر والأجساد المشوَّهة والصيت الرديء نتيجة خطايا الوالدين؟!

وما أكثر الأقارب والأصدقاء والأصحاب الذين تلطّخت سمعتهم، بسبب أصدقاء السوءهى مرض مؤلم وأيضاً مرض مشوّه، وتستطيع أن تتحقق من هذا لو نظرت إلى وجوه الزناة والسكّيرين، الذين يقضون لياليهم بين جدران مغلقة ومظلمة، وكم من أُناس تشوَّهت خلقتهم وقُطِعت أعضائهم وقضوا حياتهم في عجز تام، بسبب الأمراض الخبيثة التي حلّتْ بهم نتيجة حياة النجاسة التي تمرَّغوا في وحلها.

قصة

طُُلِبَ من أحد مُصوّري فرنسا أن يرسم صورة ترمز إلى حياة (الطهارة)، فانتقى طفلاً جميلاً ذا صورة ملائكية، له من العمر خمس سنوات، ورسم صورته وكتب تحتها (الطهارة).. وتمر السنون وبعد عشرين سنة، طُلِبَ من نفس الفنان أن يرسم صورة لتكون رمزاً لحياة (النجاسة)، فماذا فعل؟ ذهب إلى (خمَّارة)، وبعد أن جال ببصره بين الحاضرين، رأى شخصاً له عينان غائرتان كشمس المغيب وهى تُطفأ أنوارها، ووجهه مصفر كأوراق الخريف المتساقطة على بقعة مُلوَّثة من الماء، فاصطحبه إلى بيته بعد أن اتفق معه أن يرسم صورته نظير مبلغ من المال، وحدث أثناء الرسم أنَّهما تجاذبا أطراف الحديث، وكان موضوع حديثهما حياة الرجل المدمن، وبينما كان الرجل يسرد سيرته، انتفضت يد المصور حتى سقطت الريشة على الأرض، وذلك لأنَّه علم أنَّ الشخص الذي يرسمه الآن، لكي يُقدّم صورته كرمز النجاسة، هو ذلك الطفل الذي رسمه من عشرين سنة وكتب تحت صورته الطهارة! وكان سبب التغيير في منظره.. إنّما هو الخطية!!

أقول هذا ليس لتهبيط عزائمكم، أو إدخال اليأس إلى قلوبكم.. ولكن للقضاء على فكر شرير قد سيطر على أُناس كثيرين، يوهمهم بأن يحيوا شبابهم كما يحلوا لهم، فالكنيسة لن تغلق أبوابها في وجوههم متى عادوا إليها، والكاهن لن يمنع عنهم غفران الله، وجسد المسيح موجود كل يوم على المذبح.. وهذا ما يحدث بالفعل، ولكن من أعلمهم أنَّ حياتهم ستستمر؟! ألا يأتي الموت كلص في ساعة لا نعلمها؟!

يُحكى عن شاب أدمن الزنى، فكانت النتيجة أنَّه أُصيب بمرض في عينيه، فذهب إلى أحد الأطباء فلمَّا كشف عليه، أدرك أنَّ حياة النجاسة التي يتمرغ في وحلها هى سبب مرض عينيه، فقال له: أنا لا أعدك بأنَّ عينيك ستعود كما كانت، ولكن إن كنت تريد أن تبقى كما هى الآن ولا تزداد سوءاً، فعليك أن تبتعد عن حياة النجاسة التي تحيا فيها.. فلمَّا سمع الشاب هذا الكلام أطرق ببصره إلى أسفل ونظر بحزن إلى الأرض، ثم رفع عينيه في ذل واستصغار وقال والألم يتموج في كلامه: أيها الطبيب أيسر لي أن أتخلى عن بصري، من أن أتخلى الجنس الذي قد أصبح كل شيء في حياتي!! ومن هنا جاءت العبارة القائلة: أمام مرض الخطية يعجز الأطباء!!

والحق إنَّ الخطية والمرض يتشابهان في أشياء كثيرة، فعلى سبيل المثال نجد أنَّ المرض والخطية:

يُضعفان المُصاب بهما

فمادام المريض مُلقى على الفراش فقوته إذن لابد أن تكون في ضعف، وهكذا أيضاً الخاطيء، إذا تملَّكت عليه الخطية تُصيبه بضعف تام، وإلى هذا الضعف قد أشار مُعلمنا بولس الرسول قائلاً: " لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ " (رو6:5).

وهذا الضعف الذي يشمل الجسد ويتملك الإرادة.. يجعل الإنسان معرّض للسقوط على الدوام أمام أقل تجربة، فمجرد نقد يُثيره، وكلمة جارحة تُغضبه، ورؤية منظر فاسد يُسقطه في الزنى..

يشوّهان جماله

ما من مريض إلاَّ ونراه: إمّا فاقد نضارة الوجه، أو مشوّه الأعضاء، وهكذا أيضاً الخطية تشوّه جمال الإنسان، وتجعل وجهه كما لو كان صحيفة باهتة ملتوية، كُتب عليها بقلم معوج يسيل منه حبر شيطاني وبلغة واضحة ذات أحرف بارزة: خاطيء وشرير! لأنَّ إبليس عندما يحل في قلب إنسان، يطبع صورته القبيحة على وجهه، حتى إنَّ كل من يقترب منه ويتعامل معه ينفر منه! إلاَّ إذا كان مثله فالطيور على أشكالها تقع!

يؤلمـانه

المريض هو إنسان لا يعرف طعم الراحة، بل يحيا في آلام مستمرة وعذاب دائم، وهكذا أيضاً الخاطيء، ولهذا يقول مُعلمنا داود النبيّ: " تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي، أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي، أُذَوِّبُ فِرَاشِي " (مز6:6)كما أنَّ الخاطيء يحيا بلا سلام لأنَّه شرير، وقد ابتعد بأعماله الشريرة عن الله القدوس مصدر السلام، وإشعياء النبي يقول: لَيْسَ سَلاَمٌ قَالَ إِلَهِي لِلأَشْرَارِ " (إش21:17)، وها نحن نتساءل: كيف يحيا إنسان بلا سلام ولا يتألم؟!

كلاهما يعُم تأثيره باقي الأعضاء

فالألم الذي يُصيب عضواً في الإنسان يؤلم الأعضاء الأخرى، والضعف الذي ينشأ عن مرض أحد الأعضاء، يشعر الإنسان بتأثيره على باقي الأعضاء، وقد أشار معلمنا القديس بولس الرسول إلى هذه الحقيقة بقوله: " فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ " (1كو26:12).

والخطية التي تُصيب عضواً واحداً يعُم تأثيرها الجسد كله، فالكلمة الرديئة التي يتنجس بها لسانك، لا تنجس الجسد وحده بل سائر أعضاء الجسد " فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ، هَكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ " (يع6:3)، وهكذا النظرة الفاسدة " إِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً " (مت23:6).

يفقدان الإنسان شعوره

عندما يشتد المرض تكثر الأدوية، التي يمكن أن تجعل الإنسان يفقد شعوره في أوقات كثيرة، كما أنَّ المرض يجعل الإنسان دائم التكفير في ذاته ووسائل شفائه.. وهذا يجعله يتمركّز حول نفسه، مما يدفعه في مواقف كثيرة إلى فقدان الشعور بالآخرين، وعدم التعاطف معهم والسؤال عنهم..والخاطيء أيضاً يحيا بلا شعور، لأننا نراه يسعي نحو اللذة بكل طاقته، ولكي يُحقق شهوته قد يسرق أو يقتل أو يكذب..

وهذه كلها عوامل تعلن أنَّه فقد التعاطف مع الآخرين، حتى وإن ظهر أمام كأنَّه يُعطي فإنَّ عطائه ليس عن حُب لأنَّ لا يعرفه ولم يختبره، بل من أجل تحقيق أغراض دنيئة وشهوات خبيثة..

كلاهما يؤدي إلى الموت

المرض إنْ لم يُعالج حتماً سيؤدي بالإنسان إلى الموت، وهكذا الخطية أيضاً تقود الإنسان إلى الموت الروحيّ إذ تفصله عن خالقة، والموت الأبديّ إذ تلقي به في نار جهنم، وفي هذا يقول معلمنا بولس الرسول: " أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ " (رو23:6).

ومعلمنا يعقوب الرسول يقول: " الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمُلَتْ تُنْتِجُ مَوْتاً " (يع15:1).

وقد جاء في سفر حزقيال النبيّ: " اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ (حز20:18.

الأحد، 20 مارس 2011

أمير يترك قصره ويرعى خنازير


في حديقة مترامية الأطراف، تتلاقى في جوانبها الأشجار وتتعانق الأغصان، وتُعطر فضاءها رائحة الزهور، كان يوجد قصر بديع فسيح، طلى الحب جدرانه، وغطى الحنان بلاطه، وكست تيجان الورود أعمدته في هذا المكان المعبق بأرواح الملائكة الحائمة في الفضاء، عاش الابن الضال ينظر الرياحين وهى تتمايل مرنمة أناشيد سليمان والعصافير مغردة مزامير داود..

ولكن عطر الربيع لا يدوم فقد أتى الخريف بزوابعه، فالفتى الغض الذى لم يذق بعد خمر الحياة ولا خلها يحرك جناحيه ليطير، سابحاً في فضاء واسع ملبد بالغيوم، وفى يوم قضى النهار أنفاسه بين تلك الحدائق، وغابت الشمس تاركة على الأشجار قبلة صفراء، جلس الابن وحده يتخيل مناظر هى في الحقيقة أشباح، فشعر بعاطفة غريبة بثتها أرواح الشر في قلبه، الذى اختلت نبضاته، ثم أخذت تنمو إلى أن لفت بذيلها السام الطويل عنقه كانت هذه الفكـرة الخبيثة الجهنمية أول فصـل فى رواية الابـن الضـال مع الخطيئة!

لقد ترك الابن قصر أبيه ليحيا كعصفور ميت فى زاوية قفص حبكت ضلوعه يد شيطان ماهر، وينطلق الابن مسرعاً فى طريق الموت، كما لو كانت أجنحة شيطانية قد حملته إلى بقعة انبثقت من الجحيم، فعاش بين قوم عراة من الفضيلة، فى مكان لا تظهر فيه الشمس ولا يطلع فيه القمر، بل يتشح بظلام وظلام، فبانت تلك الخرائب كأنها جبار يهزأ .

فى تلك اللحظات شعر وكأن يد ح
ريرية تبسط ثوبها على رأسه العارية لتغطى عاره، فنظر إلى السماء نظرة نائم أيقظه شعاع الشمس، فرأى طيف أبيه وتذكر عندما كان يسير معه والعفاف ثالثهما، والحب صديقهما، والقمر رقيبهما، ويعود الابن ويعانقه أبوه ويقبّل عينيه راشفة الدمع، وقال بصوت ألطف من نغمه الناي: إبني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد

وهكذا استيقظت الروح النائمة لأن فجر التوبة قد لاح ولم يعد أحد يسكب قطرة من مرارة الحزن، أو يذرف دمعة من دموع اليأس، لأن نسيم الصباح قد مر لتعود الحياة للزهور الحزينة النائمة!

لقد ذهب إلى كورة بعيدة ليشرب كأس الموت، فلمت الشمس وشاحها الذهبي، وجلست أسرته تذرف الدمع على طين داسته الأقدام لكنه عاد فعادت الشمس هى الأخرى تُشرق بأشعتها المذهبة لتعيد إليهم الحياة، ومشى الحبيبان – الابن وأبوه – يتعانقان بين الورود والأشجار، وقد علق كل منهما
على عنقه قلادة من ذهب قد كُتب عليها:

لقد جمعنا الحب فمن يفرقنا!

الأحد، 13 مارس 2011

دعوة للتوبة


إليك الآن نداء إلهيّ يقول: " الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ " ( مز95: 7،8)، فصوت الله يُنادي، يرن في الأُذن، عن طريق الأنبياء ينادى، وعن طريق الخدام يُنادي، بأعمال المحبة يُنادي، وفى التأديبات يُنادي لإيقاظ ضمائرنا وتنبيه عقولنا، صوت الرب يناديك لتهرب من نجاسات العالم، لتُنكر الفجور والشهوات العالمية وتعيش " بالتَعَقلْ واَلَبرْ والتَقوىَ " (تي12:2).

ضع في اعتبارك أنَّ كل وقت يمضى وأنت بعيد عن الرب، تزداد الخطية تأصّلاً في قلبك، وما لا تُتممّه اليوم قد لا تُممّه في الغد، لأنَّ الحياة: " بُخَارٌ يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ " (يو14:4)، أليس مكروباً صغيراً لا يُرى بالعين كافٍ أن يقضى علينا؟! ولا تنسى الميتات الفجائية التي تقضي على الإنسان فى لحظة، فكم من أُناس خرجوا من بيوتهم سالمين، وعادوا إليها محمولين على الأكتاف، فالوقت مُقصّر والأيام شريرة، ولأتفه الأسباب يموت الإنسان "! لأنَّ سمة الإنسان الأساسية ليس قوته بل ضعفه.

إنَّها دعوة الآن للخروج من سجن إبليس المظلم، والانحلال من قيوده، انتهر هذا الصديق الشرير وتحرر من صداقته الفاشلة، وقل له: قد أفنيت حياتي في خدمتك! لكنى لم آخذ منك سوى الحزن والألم والخزي والعار والفقر والمرض॥ لقد وجدت من هو أحسن منك، يسوع حبيبي الذي سأصادقه مدى الحياة، لأنّه لا يأخذ منى شيئاً بل يُعطيني بسخاء ولا يُعيرني، يُعطيني محبّة، فرح، سلام... التي هى ثمار روحه القدوس، أنت تجرح وهو يعصب جروحي، أنت تُميت وهو يحيى، أنت تهلك وهو يُخلّص ما قد هلك، أنت إلى الموت تُسلمني وهو إلى الحياة الأبدية يقودني.

قد أوشكت حياتك أن تغرق فى بحر العالم المملوء إثماً والمضطرب بأمواج الشر، ولكي تعبر لابد من سفينة، وليس هناك أفضل من سفينة التوبة ذات الأشرع الحريرية والمجاديف الذهبية، نستطيع بها أن تصل إلى بر الأمان.

لا تيأس فالأرض مهما امتلأت أشواكاً، بمجرد أن تُفلح تصير جيدة وصالحة للزراعة، فابدأ من الآن بحرث تُربة قلبك من جديد، إجمع أشواكها واحرقها بنار الحُب الإلهيّ، وأروها بماء التوبة، وألقِِ عليها بذار الإيمان والرخاء، وتأكد أنّها سوف تثمر، ولا تقل: إنّي سقطت ولا أستطيع القيام، فاليأس من حيل الشيطان، وهو الذي قاد يهوذا الإسخريوطيّ إلى الانتحار! فما أكثر الذين قد سقطوا وقاموا من قبلك، وها سليمان الحكيم يقول: " الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ " (أم16:24)، وكيف لا نستطيع القيام والمسيح قد وضع لسقوط وقيام كثيرين؟ (لو34:2).

تطلّع إلى راحاب الزانية، التي سقطت مراراً، وقد لقبت بالزانية، كيف عندما تابت قبلها الرب، وزادها شرفاً بأن جاء من نسلها المسيح؟ وانظر إلى السامرية والحياة الفاسدة التي عاشتها، لقد عاشت مع ستة رجال في الخطية، ولكن ما أن تقابلت مع يسوع ورأت الطهارة تملأ عينيه، تحرَّكت عواطفها النبيلة، فآمنت وبشَّرت بعريسها السماوى (يو18:4)، وتأمّل سقطة داود الملك والنبيّ العظيم॥ كيف زنى وقتل؟! ألا يستحق هذا الزاني الموت رجماً بالحجارة كما تنص الشريعة، لكنه تاب ونظر الله إلى توبته أكثر مما نظر لسقطته.

ظلت مريم المصرية (17 سنة) تحيا فى الخطية وبسببها قد هلك شبان كثيرون، ولكنها عندما تابت قبلها الله وصارت قديسة عظيمة، وها نحن الآن نُطوّبها ونطلب شفاعتها، أيضا أُغسطينوس كان يشرب الإثم كالماء، وقد وصل به الفساد أن أنجب طفلاً من الزنى، ولكنّه عندما عزم على ترك الفساد ليحيا مع الله قَبِله فرحاً.

فتقدم إلى الطبيب وأسكب أمامه دموعك، فالطبيب السماويّ يريد أن يشفى جراحاتك بدموع التوبة الصادقة، فهى أعظم دواء لأخطر داء، ولا تخف منه فهو ليس قاسياً، ولا عديم التحنن، ولا فاقد الرحمة، ولا يستعمل دواء مضراً ومؤلماً، لتكن لك الثقة فى المراحم الإلهية، فالله على استعداد أن يقبل توبتك ويغفر لك، ولو كنت على فراش الموت، هذا ما فعله السيد المسيح مع اللص اليمين وهو فى آخر لحظات حياته.

الجمعة، 11 مارس 2011

عصر القلق 1

إنسان اليوم يمكن وصفه بصفات كثيرة أهمها القلق، فهو قلِق وهمومه كثيرة، وكثيراً ما يتساءل عن مصيره وعائلته وأمواله في عصر سادت فيه السرقة والنهب، بل ساد الظلم والإرهاب..!! ملايين من البشر في أنحاء العام يتألمون من شدة الكبت، ومن كثرة مظالم لا تُحصى ولابد لهم أن يتساءلوا:


لماذا الظلم والطغيان ؟! لماذا الضغوط والصراعات ؟! لماذا الذل والقيود إن كان الله خلقنا لنعيش أحراراً ؟! وثمة ألوف من البيوت المحطمة والمزعزعة، التي خلت جدرانها من الفرح، وقد صارت أشبه بمستشفى كبير للأمراض النفسية والعصبية يتساءلون: أين سطور الفرح في كتاب حياتنا ؟! هل تظل أنفسنا بين جدران مظلمة تتنفس هواءً مفعماً بالكراهية ؟! إلى متى نرتدي ثياب الفقر المبطنة بأنفاس الموت ؟!


إننا نحيا في عصر يتألم فيه الأبرار والخطاة على السواءعصر يذبح الشر الخير بسيف حاد علناً وعلى مرأى من جميع الناس.. وهذا دفع البعض أن يتساءلوا: هل رسالة الإنسان في الحياة أن يحيا بوجه حزين، مكتئب رغم ما في الحياة من متع، وما في الطبيعة من جمال، ورغم ما في الإنسان من رغبة في التمتع بكل ما في الطبيعة من جمال ؟! أين بذور السعادة التى وضعها الله في قلوبنا ؟! لماذا طُرحت على الصخر لتلتقطها الغربان وتذريها الرياح ؟!


وفي ظل المشاكل الاقتصادية المعقدة، نرى ملايين البشر يذبحهم الجوع ذبحاً، والبشرية في أماكن كثيرة تئن ثراءً وشبعاً وتخمة، ملايين يموتون جوعاً، وملايين غيرهم يموتون تعذيباً واضطهاداً، لأن الزعماء في أماكن كثيرة يسجنون الحرية ويقيدون الفكر ويقتلون الإبداع، وكل هذا يجعلنا نتساءل: أى عالم هذا الذي نعيش فيه ؟! إنسان يموت جوعاً وإنسان يمـوت شبعاً! إنسان يموت بالحرية وإنسان يموت بالعبودية !!



أسئلة كثيرة يطرحها المتألمين، وما أكثر البلدان التي تنتابها ويلات الحروب وفيها مؤمنون أتقياء يتساءلون: لماذا صارت الأرض كأنهار من الدماء ؟! لماذا يستبد الغنى بالفقير، والقوي بالضعيف ويريد أن يقضي عليه وينهب خيراته ؟!

هؤلاء وغيرهم يتساءلون:
لماذا.. لماذا.. لماذا...
؟؟

قال شاب: أُريد أن أحيا حياة مسيحية مثالية، أواظب على الكنيسة، أُصلى، أخدم ولكن كيف يتحقق هذا ؟! كيف أستقر روحياً وأنا غير مستقر لا فكرياً ولا نفسياً ولا جسدياً ؟! فمنذ أن تخرجت وحصلت على شهادتي الجامعية، وأنا دائم البحث عن عمل، أى عمل حتى ولو كان لا يناسبني، وكثيراً ما أتساءل: أليس من حقي أن أعمل ! أليس من حقي أن أتزوج ! أليس من حقي أن أتمتع بالحياة ! أليس من حقي أن أعبد ربي..!! إن تفكيري في مشاكل العصر قتل صلواتي وسلب تأملاتي وأضعف روحياتي وقضى على خدماتي !!


هنا فقط أدركت خطورة كلمة (لا أعمل)، التي صارت مصدر قلق للكثيرين، قد لا تظنها مشكلة، ولكن علماء النفس والاجتماع بدأوا يدركون خطورتها، وما ينتج عنها من قلق وعدم استقرار، وأيضاً من شر وفساد.. فانتشار البطالة زاد من حِِدة وقسوة الفراغ، وهنا أصبح الملل مشكلة جديدة وأيضاً كبيرة، فعندما تزداد نسبة البطالة، وعندما يوجد وقت فراغ أكثر، تكثر أبعاد مشكلة ( ماذا نفعل ؟ )، ماذا نفعل لنواجه متطلبات الحياة وتحديات العصر؟! ماذا نفعل لنشغل الفراغ ونقتل الوقت ؟! ماذا نفعل لنثبت وجودنا بين الناس ؟! فحيث البطالة هناك الفراغ والملل والفساد، فما من خطية إلا سببها الفراغ، وحيث البطالة هناك أيضاً تدهور في مستوى التعليم، وانحطاط قيمة الدارسين! فبسبب اللهث الجنوني وراء لقمة العيش، صار أصحاب الحرف ملوكاً جالسين على عروش تحملها ثرواتهم، أما أصحاب الفكر والمعرفة فصاروا أُجراء تحت قبضتهم، يتحكمون في مصيرهم كما يشاؤون، فتحقق قول سليمان الحكيم: " الجهالة جُعلت في معالي كثيرة والأغنياء يجلسون في السافل، قد رأيت عبيداً على الخيل، ورؤساء ماشين على الأرض كالعبيد " (جا10: 6،7).

إن كلمة متعلم تعني لا مركز ولا وظيفة، تعني اليوم

إنساناً عاطلاً لا يملك حتى نفقاته الشخصية، ويبقى

السؤال الحائر هنا: من هم الذين يبنون المجتمع ؟!

منذ سنوات مضت كانت نسبة الانحراف قليلة لو قورنت بهذه الأيام، فالزواج في سن مبكرة كان متاحاً للجميع، أما الآن فلم تعد الأمورهكذا، فحيث لا عمل لا مال، وحيث لا يوجد مال لا يكون أيضاً زواج، وهذه آفة ما أشر ضررها على الأسرة والمجتمع، فالبتولية الإجبارية، أعنى العزوبية، غالباً ما تقود الإنسان إلى الانحراف..

وهل ننكر أننا نحيا في عصر وصل فيه الانحراف إلى قمته! فشباب اليوم أكثر قلقاً وانحرافاً من أمس، والشابات أصبحن أشد قلقاً وانحرافاً منهم، فما أكثر القصص التي تُحكى هذه الأيام عن الشذوذ والخيانات والإدمان قصص لم نكن نسمعها أو نقرأ عنها من قبل !!

قصـة

هل تصدق أن طالبة في الإعدادية تصبح مدمنة !! لا تتعجب فقد نشأت الفتاة في أسرة ممزقة، وهذا سر ضياعها، فالفتاة كانت تُقيم مع والدتها المُطلّقة، التي عادة ما تسافر للخارج تاركة لها سيارتها الفاخرة تتحرك بها أينما تشاء، وأموالاً كثيرة لتشتري ما يحلو لها من مأكولات وملبوسات، وشقة فاخرة تدعو إليها ما تُحِب من صديقات وأصدقاء، لقد عاشت الفتاة في حرية كاذبة، دون أن تفهم معنى الحرية، أو تملك مقومات الحفاظ عليها، فحدث في أحد الأيام أن تعرفت في النادي على (شلة) وأصبحت هذه (الشلة) لا تنفصل، في الصباح يلتقون في النادي، وفي المساء في أحدى صالات الديسكو، لكن يبدو أن (الشلة) قد ملّت الالتقاء في الأماكن العامة، فانتهزوا فرصة سفر والدة الفتاة للخارج وطلبوا أن يسهروا في شقتها، وبسهولة استجابت الفتاة وبدأت سهرتهم المشحونة بالفساد، وفجأة في منتصف الليل سُمع صوت طرق شديد على الباب، ففتح شاب فوجد ضابطاً ومعه حملة للقبض عليهم !!

لقد كانت (الشلة) تحت المراقبة منذ ظهورهم بشكل مريب في صالات الديسكو، وكم كان المشهد مذهلاً ومؤسفاً، إذ وجدوا شاباً يمسك بيد الفتاة يعطيها حقنة هيروين، وبعض أفراد (الشلة) يشاهدون فيلماً جنسياً، والبعض الآخر في أوضاع مخلة، فتم القبض عليهم وأودعت الفتاة في مؤسسة الأحداث.والآن من الجاني ومن الضحية في هذه الكارثة ؟!

++ إن الجاني هو أولاً : التمزق الأسري الذي أدى إلى انفصال الأب عن الأم، وإهتمام الأم بنفسها تاركة ابنتها دون أية رعاية أو رقابة، فالمال لا يعوض الأبناء عطف وحنان والديهم، وغالباً ما يقود إلى الانحراف خاصة في مرحلة المراهقة.

++ وهو ثانياً : ضعف الرقابة في الأندية على ممارسات الشباب داخلها، فقد أعلنت الفتاة أن بعض المسئولين عن الرقابة في هذه الأندية يبيعون السم لمن يريده من الشباب داخل الأندية।


++ وهو أولاً وثانياً وثالثاً : غياب دور الدين والقيم في حياة هؤلاء المخدوعين بوهم المخدر، فلو كانت الفتاة متدينة لكان الدين كفيلاً بحمايتها، وحماية غيرها من السقوط في بئر الإدمان.