مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الجمعة، 24 أبريل 2009

تاريخ الاحتفال بعيد القيامة المجيد


أعطت الكنيسة الجامعة الرسولية مكانة عظيمة لعيد القيامة، إذ وضعتْهُ في المرتبة الأولى بين سائر الأعياد، وصارتْ تحتفل به منذ الأزمنة الرسولية أعظم احتفال، وتظهر أهمية هذا العيد في طول مدّة الصوم الذى يسبقه، وأيضاً أسبوع الآلام، الذي أُضيف لهذا الصوم فيما بعد.

وفي الكنائس قديماً كـان الموعوظون (كاتكيومينس يسهرون ليلة السبت بأكملها داخل الكنيسة، وفي يوم الفصح يتعمَّدون ويتناولون جسد ودم السيد المسيح.. وفى موكب عظيم لايُعبّر عنه بقلم كاتب، أو يصفه واعظ بليغ.. كانوا يطوفون الكنيسة وهم حاملين الشموع بأيديهم، ومرتدين الثياب البيضاء رمز الطهارة والنقاوة، ثم يقضون أُسبوعاً داخل الكنيسة، يأكلون فيه العسل ويشربون اللبن، إشارة إلى دخولهم ليس أرض كنعان القديمة، التى ذُكر أنَّها " تَفِيضُ لَبَناً وَعَسَلاً " (يش6:5)،بل كنعان الجديدة أعني الكنيسة، التي تعاليمها أحلى من الشهد وألذ من العسل وفاقت اللبن في نقاوته.


وكانتْ توجد عادة قديمة مُحببة ألا وهى: إضاءة جميع الكنائس والمدينة بأكملها ليلة عيد القيامة.

عيد القيامة في ( ق1)

لاشك أنَّ يوم الأحد، أو يوم الرب، أو اليوم السيديّ، مُميَّز بالنسبة إلى باقي أيام الأُسبوع، ونستطيع أن ندعوه: اليوم المسيحيّ الأول، وهذا يعني أنَّ يوم الأحد هو باكورة الأيام المسيحية.وليس من النافل (الزيادة) التذكير بأنَّ عيد الفصح قد بدأ أُسبوعياً، وعليه فإنَّ يوم الأحد هو عيد أصيل.. وقد اعتُبرَ منذ البداية كعيد فصح أُسبوعيّ، لأنََّه احتفال بقيامة الرب يسوع .

فإننا نعلم أنَّ المسيحيين الأوائل، لم يتميزوا كثيراً عن ما جاورهم من اليهود، في ما يخص العادات الليتورجية والعبادات، ولا شك في أنَّهم كانوا يحتفلون بأعياد اليهود الكثيرة..ولكنَّهم وسفر الأعمال شاهد على ذلك، كانوا يُعطون لنهار الأحـد صبغة خاصة، باجتماعهم فيه، ومواظِبتهم على " تَعْلِيمِ الرُّسُلِ وَالشَّرِكَةِ وَكَسْـرِ الْخُبْزِ وَالصَّلَوَاتِ "أع42:2)، إذ كانوا يستعيدون في كل أحد، ذِكرى قيامة السيد المسيح، وبناءً عليه نستطيع أن نقول: إنَّ الأحد هو أول الأعياد المسيحية.

وبحسب شهادة الرسول برنابا والقديس أغناطيوس ويوستينوس وبلينيوس وغيرهم.. لم يكن يُعيَّد الفصح لتذكَار قيامة الرب مرّة واحدة في السنة فقط، بل كان يُعيّد لذلك التَذَكار الخلاصيّ كل يوم أحد، فكان يوم الأحد يوم بهجة ومسرة..

وقد استمر يوم الأحد عيد الفصح الأُسبوعيّ، وظل حتى أواخر القرن الثاني هو يوم الرب، ثم ظهرت بعد ذلك رغبة، في الاحتفال بواحد من آحاد السنة بطريقة مُميّزة كونه عيداً للفصح، وظهر مع هذه الرغبـة تياران متضادان: فالواحد أراد الاحتفال مع اليهود في يوم 14 نيسان العبريّ، إنََّما بمضمونه المسيحيّ الجديد، والآخَر أراد أن يكون الاحتفال يوم الأحد الأول بعد الرابع عشر من شهر نيسان.

الخلاف على ميعاد القيامة في ( ق2)

نتيجة هذا التضارب في الفكر والآراء، حدث خلاف كبير، قد أُثير بين فريقين من الكنائس حول ميعاد عيد القيامة، وقد سجل لنا القرن الثاني للمسيحية جدلاً طويلاً، استمر حتى انعقاد مجمع نيقية المسكونيّ، وذلك في سنة (325م).


فالمسيحيون في آسيا الصغرى وكيليكية وبين النهرين وسوريا، كانوا يُعيّدون في اليوم الرابع عشر من شهر نيسان العبريّ تَذكَاراً للصلب، واليوم السادس من الشهر تَذكَاراً للقيامة، وذلك في أيّ يوم كان من أيام الأُسبوع، سواء صادف الجمعة الصلب والأحد القيامة أو لم يُصادف، وكانوا في يوم 14 نيسان بعدما يحتفلون بذكرى الصلب يفطرون، اعتقاداً منهم أنَّ هذا اليوم هو يوم تحرير الجنس البشريّ من العبودية.. وكان هذا الفريق يقول: إنَّه تسلم هذه العادة من القديسيَن يوحنا وفيلبس الرسولين.

أمَّا المسيحيون في اليونان ومصر وبنطس وفلسطين وبلاد الغرب، فلم يجعلوا ليومَي 16و14 نيسان أهمية، بقدر أهمية الجمعة كَتَذكَار للصلب والأحد كَتَذكَار للقيامة، لأنَّ المسيح صُلب يوم الجمعة وقام فجر الأحد، ولم يُسمح عندهم بحل الصوم قبل تَذكَار القيامة، واستندوا في ذلك إلى تسليم القديسين بطرس وبولس الرسوليَن .

فكانت الكنائس متفقة على ضرورة تعييد الفصح، ولكنَّها اختلفت في تعيين يوم العيد، حتى كان بعضها يُعيّد بعد الآخر بأُسبوع أحياناً .

فى عام (154م) سافر بوليكربوس – أسقف أزمير وتلميذ القديس يوحنَّا الرسول – إلى روما لكي يتناقش مع البابا في مشكلة عيد الفصح، آملاً في إقناعه بأن تُعيّد كنيسة روما مثل كنائس آسيا، فحدث خلاف بين بوليكربوس وأنيشيتوس بابا روما في أي تسليم هو الأصح؟ فلم يستطع الواحد إقناع الآخر، وانتهت المقابلة دون الوصول إلى حل، إلاَّ أنَّ روابط المحبة لم تنفصم، وقد رحّب بابا روما بأسقف أزمير وكان معه في ملء الشركة، وكزيادة في الاحترام اشترك مع بوليكربوس في خدمة القداس، وتنحَّى له ليُقدّسها.

واستمر الخلاف هكذا: كنائس آسيا تُعيّد في اليوم الرابع عشر من شهر نيسان، وكنائس الغرب في يوم الأحد، ثم تجدد الخلاف بعد ذلك في أيام فيكتور أسقف روما (189- 199م)، وكان على كرسيّ الإسكندرية في ذلك الوقت البابا ديمتريوس الكرام، وعلى كرسيّ أنطاكية الأسقف سيرابيني، وعلى كرسيّ أورشليم الأسقف ناركِسيس، وبوليكراتس في أفسس، وثيئوفيلس في قيصرية فلسطين، وباكشلّس في كورنثوس.وقد كان ذلك الخلاف داعياً لعقد مجامع مكانية كثيرة، اجتمعت في قيصرية وأورشليم وغلاطية وكورنثوس ومابين النهرين.. وجميعها قررتْ رأياً واحداً ألا وهو: أنْ يُراعى تعييد الفصح يوم الأحد يُحل الصوم المقدس إلاَّ فيه.

وأُرسلت القرارات المجمعية إلى جميع الكنائس، غير أنَّ كنائس آسيا، وفى مقدمتها كنيسة أزمير وأسقفها بوليكراتس، لم ترضَ بأن تُغيّر عادتها القديمة، التى تسلَّمتها من يوحنَّا وفيلبس الرسولين، ومن القديس بوليكربوس أسقف أزمير.فيكتور أسقف روما، استشهد فيها على صحة عقيدتهم، بفيلبس الرسول وابنتيه، ويوحنَّا الحبيب، وبعض الشهداء، والقديسين.. وختمها بقوله: إنَّ الذى قضى70 سنة في مطالعة الكتب المقدسة، والذي رأى بعينيه رسل الرب المشتتين في البلدان للتبشير، لا يُبالي بالتهديد ولا بالوعيد، وهو يعلم أنَّه يجب أن يُطاع الله أكثر من الناس..

عندئذٍٍ حاول فيكتور أسقف روما، أن يقطع جميع إيبارشيات آسيا من وحدة الكنيسة الجامعة، وكذا الكنائس التي وافقتها كهراطقة، وكتب رسائل أعلن فيها الحرم، ولكن هذا لم يُرضِِ جميع الأساقفة، فطلبوا إليه أن يُراعي ما هو للسلام والوحدة ومحبة الجواركما أرسلوا إليه رسائل يوبّخونه فيها على سوء صنيعه، ومن أشهرها رسائل إيريناوس - أسقف ليون في فرنسا - الذى نصح فيكتور بأنْ لا يقطع كنائس الله برمتها، وقد خاطبه بقوله: إنَّ الاختلاف في تعييد الفصح أمر قديم في الكنيسة، وهو ليس بجديد كما تظن، بل هو قائم في عهد أسلافنا الكرام الذين لم يقطعوا لذلك أسباب المودة والإخاء، واعلم أنَّ الأساقفة الذين تولوا قبلك زمام الكنيسة الرومانية، كانوا يشتركون في الصلاة مع الكنائس الأُخرى، التى كانت تُخالفهم في ليـلة الاحتفال بعيد الفصح، دون أن يحصل نزاع مُطلقاً، ودون أن يفصموا مثلك رباط الألفة والمودة..

فاضطر أسقف روما أن يرضخ لحكم الأساقفة الذين قد عارضوه، وأذعن لصوت الكنيسة العام، وعاد إلى شركته مع كنائس آسيا، رغم مخالفتهم له في موضوع ميعاد عيد الفصح.
إنَّ مجمعاً من ثمانية عشر أسقفاً اجتمع في جزيرة بني عمرْ للنظر في بدعة الأربعة عشرية، وتُليتْ على أعضائه رسائل سيرابيون بطريرك أنطاكية، ودمقراطس أسقف روميـة، وديمتريوس بطريرك الإسكندرية، وسيماخوس أسقف بيت المقدس.. التي يُحددون فيها عمل الفصح في يوم الأحد الذى يلي فصح اليهود..

دور كنيسة الإسكندرية

بعد ذلك اجتهد البابا ديمتريوس الكرام ، بمعونة ومشورة النابغة الفلكيّ بطليموس السكندريّ في توحيد عيد الفصح، وذلك بأن ضم الصوم الأربعينيّ المقدس إلى جمعة الآلام، ورتب حساب لمعرفة موعد فصح اليهود، عُرف باسم حساب الأبُقطيّ وقد اعتمد البابا السكندريّ في حسابه على قاعدتين:
الأولى: ألاَّ يكون عيد القيامة قبل الاعتدال الربيعيّ، الذي يقع.
الثانية: أن يكون يوم الأحد الذى يلي فصح اليهود، الذى يقع في 14 نيسان.

وبعد تحديد يوم الفصح كان البابا، يُرسل رسائل إلى أساقفة كنائس العالم، لكي يُعيّد المسيحيون عيد القيامة في يوم واحد.

وكان لعيد الغطاس أهمية طقسية كبيرة، للكنيسة عامة ولمصر بنوع خاص، لأنَّ في هذا العيد كان قد أُلقي على عاتق بابا الإسكندرية، الإعلان عن بدء الصوم الكبير والبصخة وعيد القيامة على أُسس فلكية دقيقة، وكانت تأخذ به كافة كنائس العالم .

ويذكر لنا التاريخ الكنسيّ: إنَّ البابا ديونيسيوس بطريرك الإسكندرية الرابع عشر (248-265م)، قد قام بهذه المهمة، وله رسائل يستخدم فيها كلمات ثناء وتبجيل عن عيد الفصح المجيد، موضحاً فيها أنَّه لا يليق ممارسة الفصح إلاَّ بعد الاعتدال الربيعيّ، لكى لا يكون لنا شركة مع اليهود في فصحهم.وقد حافظ على هذا التقليد بابوات كثيرون من بعده، وبالأخص البابا القديس أثناسيوس الرسوليّ البطريرك العشرون (296- 373م)، الذى قد ارتفع بهذه المهمة الطقسية إلى المستوى الروحيّ العميق، فكانت خطاباته الفصحية مليئة بالوعظ والتعليم والحكمة والحرارة الروحية.. أمَّا أول رسالة فصحية له في عيد الغطاس فكانت سنة (329م).


وفى ذلك العصر كتب البابا ديمتريوس بطريرك الإسكندرية، إلى أغابيوس أسقف بيت المقدس، وإلى مكسيموس بطريرك أنطاكية، وإلى بطريرك رومية، في حساب الفصح وكيف يُستخرج من فصح اليهود ووضعوا في ذلك كتب كثيرة ورسائل، حتى ثبّتوا النصارى على ما هم عليه.

ولكن كنائس الأربعة عشرية لم تُغيّر عادتها، في الاحتفال بالفصح مع اليهود في يوم 14 نيسان، واستمر الخلاف هكذا إلى سنة (325م) حيث انعقد مجمع نيقية وحسم الخلاف.

قرارات مجمع نيقية بخصوص عيد القيامة

انعقد المجمع المسكونيّ الأول في مدينة نيقية، للنظر في بدعة أريوس القس السكندريّ، الذى أنكر لاهوت السيد المسيح، ومسائل أُخرى، منها الاختلاف على ميعاد عيد القيامة بين الكنائس، وذلك في حضور (318) أُسقفاً، تحت رئاسة البابا ألكسندروس البطريرك السكندريّ (19) وقرروا فيما يخص عيد القيامة ما يلي:
أنْ يكون يوم الأحد الذى يلي فصح اليهود.ألاَّ يكون مع فصح اليهود في يوم واحـد.

وقد عهد آباء المجمع إلى بطريرك الإسكندريةأن يحسب مقدماً موعد عيد القيامة، ويُرسله لسائر الكنائس في كل المسكونة، فقام بمهمته خير قيام.كما أرسلوا رسالة إلى كنيسة الإسكندرية، جاء فيها بخصوص عيد القيامة ما يلي:إ

ننا نعلن لكم البشرى السارة، عن الاتفاق المختص بالفصح المقدس، فإنَّ هذه القضية قد تم تسويتها بالصواب، بحيث إنَّ كل الإخوة الذين كانوا في الشرق يجرون على مثال اليهود، صاروا من الآن فصاعداً يُعيّدون الفصح، العيد الأجل الأقدس، في نفس الوقت كما تُعيّده كنيسة روما، وكما تُعيّدونه أنتم وجميع من كانوا يُعيّدونه هكذا منذ البداية.إلى الأساقفة، الذين لم تسمح ظروفهم أن يحضروا، وذلك لتنفيذ قرارات المجمع.

وبهذه الرسالة انتهى الخلاف حول ميعاد القيامة، وصارتْ كل الكنائس شرقاً وغرباً، متَّحدة في الاحتفال بعيد القيامة حتى سنة (1582م)، وهى السنة التى أصدر فيها البابا غريغوريوس، تعديلاً للتقويم عُرف بالإصلاح أو التعديل الغريغوريّ، والذي ترتب عليه انفصال الشرقيين عن الغربيين في يوم الاحتفال بالعيد.
فى سنة (1582م).

التعديل الغريغوري

لاحظ بابا روما غريغوريوس الثالث عشر (1572-1585م)، وقوع الاعتدال الربيعيّ فى11 مارس، مع أنَّ مجمع نيقية كان قد قرر وقوع الاعتدال الربيعيّ في 21 مارس.إذن هناك فرق قدره 10 أيام! جعل البـابا يستشير علماء اللاهوت ليعرف منهم السبب، فأجابوه بأنْ ليس لديهم سبب من الناحية الكنسية أو اللاهوتية، فالأمر يعود إلى الفَلَك، فلمَّا رجع إلى علماء الفَلَك، أجابوه بأنَّ السبب مرجعه إلى حساب السنة.

فالسنة بحسب التقويم اليوليانيّ - نسبة للإمبراطور الرومانيّ يوليوس قيصر- طولها: 365 يوم و6 ساعات، بينما السنة في حقيقتها التى يقرها علماء الفَلَك هي: 365 يوم و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، إذن هناك فرق قدره 11 دقيقة و14 ثانية.وهذا الفرق يُكوّن يوماً كل 128 سنة، و3 أيام كل 400 سنة – على وجه التقريب - وقد كَوّن منذ انعقاد مجمع نيقية سنة (325م) حتى البابا غريغوريوس سنة (1582م)، فرقاً قدره 10 أيام.

فماذا فعل البابا غريغوريوس، ليتلافى الخطأ في التقويم، ويُعالِج فروق الأيام؟

أجرى تصحيحاً عُرف باسم التصحيح أو التعديل الغريغوريّ، يمكن أن نختصره في نقطتين أساسيتين دون الدخول في تفاصيل من جهة الـ 10 أيام الفرق، أصدر أمراً بأن ينام الناس يوم (4 أكتوبر) سنة (1582م)، وعندما يستيقظوا يعتبرون يومهم هو (15 أكتوبر) بدلاً من (5 أكتوبر). ولضمان فروق المستقبل، وضع قاعدة بموجبها يتم حذف 3 أيام كل 400 سنة.

عيد القيامة بعد التعديل الغريغوريّ

بعد اتّباع الكنيسة الغربية للتقويم الغريغوريّ (1583م) صار فصح الغربيين يتقـدم على فصح الشرقيين، حتى صار الفرق في التقدم يصل خمسة أسابيع.. والسبب: إنَّ الكنائس الشرقية رفضت العمل بالتقويم الجديد، والكنائس الروسية واليونانية والسريانية الأرثوذكسية، تحتفل في نفس اليوم الذى تحتفل فيه كنائس القبط والحبش، كما يُرى في القدس عند اجتماع الأرثوذكسيين معاًً في يوم واحد، بخلاف الكاثوليك الذين يتقدمون في الاحتفال.

أخيراً وختاماً لهذا البحث المتواضع نقول:


على الرغم من دقة التقويم الغريغوريّ، إلاَّ أنََّه فيما يتعلق بعيد القيامة يحتاج إلى تعديل، لأنَّهم يُعيّدون في يوم الأحد الذى يلي أول بدر بعد الاعتدال الربيعيّ، دون النظر إلى شرط عدم التقدم على يوم 14 نيسان تَذكَار فصح اليهود، الذى هو الرمز ولهذا يجب أن يأتي أولاً، وبهذا: قد يأتي عيد القيامة قبل ذبح خروف الفصح اليهوديّ، ويكون المرموز إليه قد جاء قبل الرمز، أو قد يأتي مع يوم ذبح الخروف، وفى هذا اشتراك مع اليهود الذين لم تعد لنا شركة معهم.. وبهذه أو تلك يكون ذلك خروجاً عن القواعد المرعية منذ القِدم، والدسقولية، وقرارات المجامع المسكونية والمكانية ولكن ما يُعزينا أنَّه رغم خلاف الكنائس على ميعاد عيد القيامة إلاَّ أن جوهر العيد واحد في الغرب والشرق، إنَّه عيد الأعياد ومحورها الذي منه تنطلق وإليه تعود.

الأحد، 22 مارس 2009

صلبان قبل الصليب

الجـلد

كانت العادة عند الرومان أن يُجلد المذنب قبل أن يُصلب، وهذا ما حدث مع رب المجد يسوع، الذى بعدما فشل بيلاطس فى إطلاقه أطلق لهم باراباس " وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ " (مت26:27).

وكان الجلد يتم بتعرية المذنب من ثيابه، وربطه فى عمود، ثم ضربه بالسوط، الذى كان عبارة عن سيور من الجلد، وفيه عُقد مُثبّت فيها قطع من الرصاص أو الحديد أو العظام، وكان الجندي الرومانيّ يُعتبر فاشلاً، إذا كانت جلداته لا تترك جراحاً فى ظهر المجلود .

أما عدد الجلدات فكان (39) جلدة، فى حين أن القانونى (40) جلدة، هكذا جُلد القديس بولس الرسول من اليهود كما قال: " مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً " (2كو24:11)، والسبب فى ذلك هو خوفهم أن يسهو فى جلدة فتزيد الضربات عن (40)، وبهذا يكونون قد خالفوا أمر الشريعة، التى كانت تأمرهم ألا يزيدوا الضربات عن هذا العدد: " فَإِنْ كَانَ المُذْنِبُ مُسْتَوْجِبَ الضَّرْبِ يَطْرَحُهُ القَاضِي وَيَجْلِدُونَهُ أَمَامَهُ عَلى قَدَرِ ذَنْبِهِ بِالعَدَدِ أَرْبَعِينَ يَجْلِدُهُ، لا يَزِدْ لِئَلا إِذَا زَادَ فِي جَلدِهِ عَلى هَـذِهِ ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً يُحْتَقَرَ أَخُـوكَ فِي عَيْنَيْكَ " (تث25: 2،3) .

عن جلد المسيح تنبأ إشعياء النبيّ قائلاً " بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ " (إش6:50) وهكذا تنبأ المسيح عن جلد التلاميذ والمؤمنين " سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ " (مت17:10).

وما جلد المؤمنين إلاَّ دخول فى شركة آلام السيد المسيح: " لأَعْرِفَهُ وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ " (في10:3)، ولهذا مهما تفرّق المؤمنون، إلاَّ أنَّ عنصر الإنسانية سيظل يربط البشرية المتفرقة وأيضاً الألم، الذى صار محطة التقاء المؤمنين، كل المؤمنين، فالجميع عند الألم يلتقون! ليبقَ الألم سراً رهيباً صعب الفهم عسر التفسير!

وهى دليل على محبة الله " لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ " (عب12: 6)، ولهذا لمَّا جلد اليهود الرسل يقول الكتاب المقدّس: " وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ " (أع40:5،41).

لقد صارت جراحات المسيح، دواء شافياً لأمراضنا، مرهماً مداوياً لجراحتنا، كما قال مُعلَّمنا بطرس الرسول: " الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ " (1بط24:2).

هذا عن المؤمنين، أمَّا الخطاة فليسوا فى حاجة إلى من يجلدهم، إذ هم يجلدون أنفسهم بسياط الخطية، فهناك من يجلد نفسه بسوط الزنى والنجاسة، كالسامرية والمرأة الخاطئة وأهل سدوم وعمورة، وآخر يجلد نفسه بسوط محبة المال، كالشاب الغنى والغنى الغبى ويهوذا، وثالث يجلد نفسه بسوط العظمة والكبرياء، مثل هيرودس الملك الذى من أجل قسمه أمام الجمع أرسل وقطع رأس يوحنا، وهناك من يجلد نفسه بسوط المسكرات وتعاطي المخدرات أو السرقة أو القتل..

وكما تسببت خطايا البشر فى ربط المسيح وجلده، هكذا أيضاً الخاطيء ليس أحد أقرب منه إلى الأسر والعبودية والمذلة، مهما حاول أن يتظاهر بالحريّة والبعد عن كل مذلة وعبودية .

التعـرية

فى منظر مؤلم وبكل قسوة ووحشيّة عُري الصالبون يسوع من ثيابه، ذاك الذى صنع ثوباً من جلد لكي يستر به عُري آدم، الذي لا يزال يكسو السماء بحلة بهية من الأنوار، والأرض برداء من الأزهار.

أمَّا هو فترك لباسه بفرح عظيم ليلبس أولئك الذين خرجوا من الفردوس عرايا، لقد رأى أن يلبسهم ثيابهم ويبقى هو عارياً، لأنَّه عرف أنَّها تصلُح لآدم المفضوح المُعرَّى من ثيابه، ومن عرتهم الخطية من لباس النعمة الإلهيّة، ولكن، أليست السماء هى التى قد نسجت ثوباً من آشعة القمر وألقته على جسد خالقها فى حياته، فلماذا الآن قد حاكت من ظلمة الليل رداءً كثيفاً مُبطّناً بأنفاس الموت لتستر به أضلع المسيح؟!

وهكذا يتعرى آدم الجديد من ثياب الأرض، قبل أن يرجع إلى ملكوت أبيه، ليتشح فقط بوشاح طهره، ويتسربل بسربال محبته !!

لقد عروه من ثيابه احتقاراً (مت28:27) ، دون أن يفهموا أنَّه تعرَّى لينزع عن أجسادنا ثياب الخطية، لكى نلبس عوضاً عنها ثياب البر والخلاص.. لم يدركوا أن رب المجد لمّا رأى الإنسان قد تعرى من ثياب التواضع نزل من السماء متجسداً، وتعرى من ثياب مجده ليكسوه بتواضعه، ولمّا رآه عرياناً من ثمار المحبة غطَّاه برداء الحُب الإلهيّ!!

ولكى يزيدوه احتقاراً ألبسوه ثوباً قرمزياً لأنَّه فى نظرهم ادّعى المُلك، فكان لابد أن يلبس ثياب الملوك، فألبسوه ثوباً لون الدم ليتزين به العريس المقتول، لكن المحزن أنَّهم عادوا فنزعوا عنه الرداء القرمزيّ وألبسوه ثيابه مرة أُخرى، فكان هذا إعلاناً على أنَّهم رفضوا أن يرتدوا ثوب الخلاص، مفضّلين ثوب الخطية التى أحبّوها وفضلوا ألاّ ينفصلوا عنها.

قال أحد الآباء:
" طرحت عني اللباس المرقّع الذى كنت ألبسه وغسلت جسدي من الدخان الذى كنت حامله، وألبستنى عوضاً عنه ثياب مجدك وطهارتك وبرك ".

إكليل الشوك

الشوك يرمز للخطية التى لولاها ما كانت الأرض قد لُعنت، ولا أنبتت شوكاً وحسكاً (تك17:3،18)، فكما أن الشوك سهل الاحتراق، وعندما يشتعل يحرق كل من يقترب منه، هكذا أيضاً الخطية، كل من يقترب منها يحترق بنارها، كما أنَّها تقود إلى النار الأبدية، أليست الخطية هى التي تسببت فى إحراق سدوم وعمورة بالنار والكبريت؟! (تك24:19).

وقد تحدّث سفر الرؤيا عن البحيرة المتقدة بالنار والكبريت، ووصف عقاب الخاطيء بأنَّه " سَيَشْرَبُ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ الله " (رؤ10:14)، ويشرح كمثال لهذا العقاب عقوبة بابل الزانية فيقول: " وَسَيَبْكِي وَيَنُوحُ عَلَيْهَا مُلُوكُ الأَرْضِ، الَّذِينَ زَنُوا وَتَنَعَّمُوا مَعَهَا، حِينَمَا يَنْظُرُونَ دُخَانَ حَرِيقِهَا " (رؤ9:18) .

وكما أنَّ الشوك يؤلـم كل من يمسكه ويسبب له جروحاً بالغة، هكذا الخطية لا نجنى منها سوى الآلام والأحزان، وكما قال القديس أُغسطينوس: ما من سعادة يجنيها الإنسان من الخطية لأن آلامها تفوق أفراحها ".

وإن كانت الخطية تبدو لذيذة فى بدايتها لكن إلى حين، إذ سرعان ما تنقلب حلاوتها إلى مرارة، ويستطيع أن يتحقق من هذا كل خاطيء إذا سأل نفسه بعد كل خطية يسقط فيها: ماذا ربحت وماذا خسرت من خطيتي هذه؟ قد تربح لذة وقتية، أو تجني مالاً، أو تنال مركزاً.. لكنَّك ستخسر الله اللذة الحقيقية، الذي لذته تفوق كل لذة مهما كانت أرضية.

ولو تأملنا منظر الإكليل لرأينا أنَّه يأخذ شكلاً دائرياً، وهذا يُشير إلى أنَّ السيد المسيح قد رفع الخطية من دائرة العالم كله.

أمَّا كون الشوك أُخذ من الأرض التى لُعنت فهذا يعنى: إنَّ المسيح إنَّما جاء ليستأصل اللعنة القديمة وينزع جذور الخطية من الأرض .
ولهذا قال أحد الآباء:
" أتى ليقلع الأشواك من الأرض.. حمل لعنة الأرض بالإكليل الذى وضعوه على رأسه، الخطايا والذنوب والأوجاع والآلام والضربات.. ضُفرت بالإكليل ووضعت على رأسه لكي يحملها.. خلع بإكليله الزرع الملعون الذى للحية.. قطعوا بأيديهم الأشواك التى اضطرت أن تنقلع وصارت إكليلاً لابن الله وذلك لكي يزيلها ".

جاء المسيح وحمل شوك الخطية على رأسه لينقذنا من لعنتها، من الظاهر كان يحمل شوكاً على رأسه، أمَّا الداخل فكان يحمل خطايا ولعنات البشرية كلها، التى تجمّعت فى هذا الإكليل، وتراكمت على رأسه المقدس فى شكل أشواك.

وهكذا وضع الناس خطاياهم بأيديهم على رأس يسوع الذبيحـة الحقيقية، الذى جاء لُيذبح ويرفع خطايا العالم0

أرادوا أن يستهزئوا بملك الملوك فماذا فعلوا؟ ألبسوه تاجاً، لا من جواهر نفيسة أو معادن كريمة، بل من شوك، فصار كالوردة الجميلة المحاطة بأشواك الخطاة! وها نحن إلى الآن لا نمل من التطلع إلى جمال منظرها، أو تنسم عبير رائحتها.

وهكذا حوّل المسيح إكليل اللعنة والعار إلى إكليل المجد والبهاء، وضع إكليل شوك على رأسه، ليرد آدم إلى رتبته الأولى ممجداً ومتوجاً بإكليل النصرة والغلبة، وأيضاً ليُسقط تاج الشيطان الذى ملك على الخليقة!!

القصبة

القصبة تشير إلى المُلك والسلطان، فقديماً كان الملك يمسك فى يده قضيباً من ذهب يستخدمه فى إعلان رأيه، فقد جاء فى سفر أستير عن الملك أحشويروش:

" كُلَّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى الْمَلِكِ إِلَى الدَّارِ الدَّاخِلِيَّةِ وَلَمْ يُدْعَ فَشَرِيعَتُهُ وَاحِدَةٌ أَنْ يُقْتَلَ إِلاَّ الَّذِي يَمُدُّ لَهُ الْمَلِكُ قَضِيبَ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ يَحْيَا " (أس4: 11)، " فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ أَسْتِيرَ الْمَلِكَةَ وَاقِفَةً فِي الدَّارِ نَالَتْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ فَمَدَّ الْمَلِكُ لأَسْتِيرَ قَضِيبَ الذَّهَبِ الَّذِي بِيَدِهِ فَدَنَتْ أَسْتِيرُ وَلَمَسَتْ رَأْسَ الْقَضِيبِ " (أس5: 2).

فإن كانت القصبة ترمز إلى المُلك، فيكون وضعها فى يد المخلص (مت30:7)، إشارة إلى انتقال المُلك من أيدى اليهود إلى المسيح، وانتهاء مملكة اليهود لكي تبدأ مملكة المسيح فى الانتشار.

وقيل إن القصبة هى أفضل وسيلة لسحق رؤوس الحيات، وهذا يعني: إنَّ رب المجد قد جاء ليقتل الحية القديمة، التي هى إبليس ويشفينا من سُمها المميت، ولكى يعطينا سلطاناً أن نسحقها بأقدامنا، وتأكيـداً لهذا قال لتلاميذه بعد القيامة:

" وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئاًمُمِيتاً لاَيَضُرُّهُمْ وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ " (مر16: 17،18) .

لقد أراد الأشرار أن يستهزئوا به، ظانين أن قصبته ومملكته ضعيفة ولا قيمة لها وسوف تزول سريعاً، لكنّهم أخطأوا لأنَّ كرسيّه إلى دهر الدهور وقضيب استقامة هو قضيب ملكه (مز45 :6).

الجثو أمامه

كانت العادة القديمة أن يجرى الناس أمام الملوك، ولهذا عندما طلب بنوا إسرائيل أن يكون لهم ملك كسائر الأمم، قال صموئيل النبيّ للشعب عن الملك الذى يريدونه " هَذَا يَكُونُ قَضَاءُ الْمَلِكِ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْكُمْ: يَأْخُذُ بَنِيكُمْ وَيَجْعَلُهُمْ لِنَفْسِهِ, لِمَرَاكِبِهِ وَفُرْسَانِه فَيَرْكُضُونَ أَمَامَ مَرَاكِبِهِ " (1صم11:8)، وقيل عن أبشالوم ابن داود أنَّه " اتَّخَذَ مَرْكَبَةً وَخَيْلاً وَخَمْسِينَ رَجُلاً يَجْرُونَ قُدَّامَهُ " (2صم1:15).

أمَّا جثو العسكر أمام المسيح (مت29:27)، فكان إعلاناً عن رجوع الأمم الوثنية للمسيح، وسجودهم له عوضاً عن سجودهم للأوثان، وهذا السجود قد تحقق فى بيت لحم، عندما سجد المجوس للمسيح، وهو لا يزال طفلاً مضطجعاً فى مذود للبهائم وملفوفاً بخرق، يقول الكتاب: " وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ وَرَأَوُا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَباً وَلُبَاناً وَمُرّاً.

إن مجئ المجوس ـ وهم طغمة كهنوتية وعلماء فى الفلك ـ إلى بيت لحم وسجودهم لطفل، ليس هناك ما يدل على عظمته كسائر أولاد الملوك والأمراء، وتقديم الهدايا له يعنى:
اعتراف علماء اللاهوت القدامى بالمسيح، وجثو المعرفة أمام البراءة، وسجود الكهنة أمام الكاهن الأعظم، وارتماء الثروة عند أقدام الفقر!!

البُصق واللطم واللكم

لم يكتفِ الأثمة بما سبق من عذابات وإهانات، بل وهم يجثون أمامه كان قوم منهم يستهزئون به قائلين: " السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! وَبَصَقُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ " (مت30:27)، وهذه هى ثانى مرة يبصقون فى وجهه، وكانت الأولى فى دار رئيس الكهنة " حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ قَائِلِينَ تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ مَنْ ضَرَبَكَ؟" (مت27:26، 68) .

ويُعد البُصق من أشد أنواع التحقير، إذ يرى المرء أنَّ الوجه الذى يُبصق فيه، أكثر ازدراء من الأرض التى يبُصق عليها، وقد شكا أيوب من هذا التحقير: " أَوْقَفَنِي مَثَلا ًلِلشُّعُوبِ وَصِرْتُ لِلْبَصْقِ فِي الْوَجْهِ " (أي6:17).

ولمَّا كانت مريم أخت موسى النبى برصاء، أُعتُبر ذلك عـاراً لها، كأنَّ أبوها قـد بصق فى وجهها (عد14:12)، وكان من يرفض أن يُقيم نسلاً لأخيه المتوفي، يُعاقب بهذا النوع من التحقير فتتقدم " امْرَأَةُ أَخِيهِ إِليْهِ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّيُوخِ وَتَخْلعُ نَعْلهُ مِنْ رِجْلِهِ وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ وَتَقُولُ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الذِي لا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ " (تث9:25).

لقد بصقوا فى وجه ذاك الذى بتفلته قد فتح عيني المولود أعمى (يو9)! الوجه الذى أضاء كالشمس على جبل التجلى (مت17: 2) ها هو ملطخ ببُصاق الأشرار! هذا الوجه الذى هو أبرع جمالاً من كل وجوه بنى البشر(مز45 : 2) والذى كان أبيض وأحمر كما وصفته عروس النشيد (نش5: 10) أهانه بهذه الطريقة أحط البشر.. أما هو فقد قبل بُصاق الخطاة على وجهه.. لكى لا تمتلئ وجوهنا بالخزى والازدراء الأبدى..

قال مار يعقوب السروجى:
" ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل فى وجهه ؟ كيف تجاسرت أيها اللسان أن تنضح بالبصاق ؟ كيف احتملتِ أيتها الأرض هزأ الابن؟ منظر مملوء دهشة أن يرى الإنسان الشمع يتفل فى وجه اللهيب.. وهذه أيضاً من أجل آدم حدثت لأنه كان مستحقاً البصاق لأنه زل، وعوض العبد قام السيد يقبل هذا كله !! "

وكما استهزأ الفلسطينيون وسخروا بشمشون، فعل الأشرار بالمسيح، إذ كانوا يضربونه ويطلبون منه أن يتنبأ عمن ضربه (مت26 : 68) (قض6 : 21-25).

ألم تفتح السماء أبوابها اللؤلؤية، لينزل القدوس إلى العالم الساقط، ليقدسهم ويرفعهم إلى الله قرباناً مقدساً! ألم يأتِ المسيح، ليحقق حلم يعقوب عن السلم الذى يربط بين السماء والأرض ! فلماذا ضربوه ؟ هل لأنه تجّول بينهم مشرقاً بنوره على الذين يتعثرون فى الظلمة ؟ أم لأنه ملأ أكواخ المساكين بالبركات، داعياً المتعبين والثقيلى الأحمال أن يأتوا ليريجهم ؟

الخميس، 26 فبراير 2009

الوسائط الروحية

من الاسم نستطيع أن نعرّف الوسائط الروحية بأنها: الوسائط التي عن طريقها نستطيع أن نحصل على النعم الإلهية، فالصلاة، الصوم، الاعتراف، التناول، القراءة ... كلها وسائل أعطاها لنا الله، لكى ننال من خلالها بركات روحية.


وهى بهذا تقوينا في الحياة الروحية، وتساندنا في جهادنا، لا ضد البشر والشيطان فقط، بل وضد الذات نفسها، التي هى أكبر وأخطر عدو للإنسان! فإن أهمل الإنسان الوسائط، لا يكون قد عصي الله فقط، بل وأضر بنفسه أيضاً!


إن الوسائط الروحية هى ثدي حي منه نشرب حليب النعمة الإلهية، فنتغذى وننمو، ويتقوى إيماننا ونثبت فى الإيمان والرجاء والمحبة...


ألا يحتاج الجسد إلى طعام ليحيا، ألا تحتاج الشجرة إلى ماء لتنمو؟ وهكذا الروح إن لم ترتوِ بالله من خلال وسائط النعمة، فلن تنمو فى أى شىء روحانى!


ولهذا يخطىء من يظن أن الوسائط يمكن الاستغناء عنها، أو أنها ضرورية للإنسان فى بداية حياته الروحية فقط، ألم يقل رب المجد " مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ " (يو56:6) فكيف نثبت فى الرب بدون تناول ؟! وكيف نعرف أن هذا خطأ وذاك صواب.. إن لم نقرأ فى الكتاب المقدس؟!


نستطيع أن نشبه الوسائط الروحية بالأسلاك، التى توصل إلينا تيار الروح القدس، أو النبع الذى عن طريقه يصلنا ماء الحياة العذب، فإذا قُطعت الأسلاك توقف التيار وساد الظلام، وإذا إنسد النبع لا يصلنا الماء، ونحن نعرف إنه حيث لا ماء لا حياة!


ولعل أجمل ما فى الوسائط، إنها تجعل الإنسان فى لقاء دائم مع الله، وفى مثل هذه اللقاءات الروحية، يظل الشيطان يجول هنا وهناك حائماً حول رأسك، ولكنه لا يجرؤ أن يقتحم غرفة مسكنك، وإن تجرأ فسرعان ما يتركك، لأنه لن يجد مكاناً يعشعش فيه سواء فى رأسك أو قلبك.


يقول إرميا النبي: " مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ" (إر5:17) إذن كل من يسير في طريق الروح بدون وسائط النعمة، يكون كمن يتكل على ذراعه البشري، ولهذا لم نسمع أن مؤمناً أهمل ممارسة الوسائط، إلا وفترت حرارته الروحية، وتعرّض لمحاربات خطيرة، وسقطات كثيرة لعل أهمها الكبرياء!


ولهذا فإن أول حرب يشنها الشيطان على المؤمنين، هي محاولة إبعادهم عن الينابيع الروحية، التى هى مصدر حياتهم أعنى خلاصهم، لأنه بهذا يبعدهم عن الله بصورة غير مباشرة، ويصيبهم بشلل روحي، حينئذ يستطيع أن يلعب بهم كما تلعب القطة بالفأر!


إننا نخطئ كثيراً عندما نهمل الوسائط الروحية، ونخطئ أيضاً عندما نمارسها بطريقة روتينية، جافة، إذن المهم ليس هو ممارسة الوسائط فقط، بل وأيضاً طريقة ممارستها، ولو أخذنا الصلاة على سبيل التوضيح نقول:


إن الصلاة الحقيقية هي حديث عذب مع الله، يملأ القلب بالأفراح الروحية، ويزيده شوقاً إلى الحياة السمائية، هي غذاء حي للروح، سياج لكل فضيلة، بل هي الأساس الذي فوقه تبني كل فضيلة، ولا يوجد مجرى أوسع من هذه القناة، التي تفتح لنا بسهولة باقي مجاري النعمة الإلهية.


ولكن ماذا لو تحولت الصلاة إلى مجرد ترديد ألفاظ، أو ذبذبات هوائية تخرج من أفواهنا بلا حرارة روحية ؟! أعتقد أن القديس مار إسحق كان مختبراً عندما قال: ما وقفت قدام الله لأُعد ألفاظاً، بل البلوغ إلى المساكن العلوية.


والصوم ليس هو الامتناع عن الطعام الحيواني والاكتفاء بما هو نباتي، لأن هذا لا يمكن أن يقرب الإنسان إلى الله، ولا يعطيه نقاوة تليق بخالقه كما قال القديس صفرونيوس، إنما الصوم فى مفهومه الروحي، هو منع النفس عن كل شهوة كما مُنع الجسد عن الأطعمة الحيوانية، واتخاذ أيام الصوم فترة مقدسة للصلاة والاعتراف والتناول والنمو الروحى...


تذكّر قول قداسة البابا شنوده الثالث: إن الصوم ليس علاقة بين اثنين: الإنسان والطعام ، بل علاقة بين ثلاثة: الإنسان، الله، الطعام ...

ماذا ينتفع الإنسان لو صوّم بطنه عن الطعام، ولم يصوّم قلبه عن الحقد والغيرة.. أو لسانه عن النميمة والإدانة...؟ أعتقد أن مثل هذا الصوم يُعد باطلاً، ولهذا يقول البابا أثناثيوس الرسولى: " إننا مطالبون أن نصوم لا بالجسد فقط، بل وبالروح أيضاً "، قد نكون على صواب إن قلنا: روحيات بلا أخلاقيات هي وثنية لا مسيحية.

ألم تسأل نفسك مرة: لماذا نتعرض أثناء الصوم لمحاربات كثيرة ؟ أليس لأننا نكتفي بحرمان الجسد عن بعض الأطعمة، ولم نعطِِِ للروح فرصة التحرر من شهواتها، نحن لا نتعرض لمحاربات كثيرة فقط، بل لسقطات ما أكثرها! ولهذا بعدما ينتهى الصوم ونفطر نبدأ مرحلة النهم كما لو كنا فى سجن وخرجنا! فهل مثل هذا يُعد صوماً يقبله الله ؟ إن كان هذا صوم فما هو الكبت ؟!

أيضاً القراءة، فى الكتاب المقدس، أو كتب الآباء، أو الكتب الروحية.. ليست هى مجرد وسيلة لجمع أو تحصيل المعلومات، فالكمبيوتر يستطيع أن يمدك بكل ما تريد من معلومات، إنما الهدف الأسمى للقراءة، يجب أن يكون تحويل المعلومات إلى حياة، واتخاذ المعومات مادة للصلاة والتأمل وشغل الفكر بالله...


إن الهدف الحقيقي من قراءة الإنجيل هو أن نغذى حبنا للمسيح، وأن نشغل قلوبنا بآيات مقدسة للدخول في الصلاة، ولكي يزودنا الكتاب المقدس بالإرشاد فى حياتنا الشخصية والروحية..لأن وصايا الله مدرسة، قد أُرسلت إليها لتجلس على مقاعدها، وتتعلم من حِكمها دروساً تحكمك إلى الأبد، فلا تتركها قبل أن تتخرج وتحصل على شهادتك منها.. هى منجم جدرانه مرصعة بالأحجار الكريمة، فلا تخرج دون أن تحصل على عينات ثمينة منه.. حديقة يتمشى الرب فيها، وأشجارها محملة بالبر والسلام، فلا تترك هذه الجنة دون أن تجنى أثمارها!


ألم يقل معلمنا داود النبى: " مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي " (مز103:119) إذن فالوصية لم تعطَ للإنسان إلا لراحته، ومن هذا المفهوم يستطيع أن يحيا سعيداً إن أراد وعمل بها، فالله قد وضع وصايا كثيرة، ووصاياه ليست ثقيلة، إن أطاعها عاش فى سلام، وإن خالفها عاش فى ألم وشقاء.


والحق إنني لا أكتب مجرد نظريات فلسفية، تصلح أن تكون مادة للنشر، إنما أكتب عن خبرة شخصية عشتها، إذ تعلمت كثيراً من كتب قرأتها، وأرسل لي الله رسائل من خلال آيات إنجيلية أو كتب روحية..


فقد مرت علىّ فترات شعرت فيها بأني مكتف بما أنا عليه من ممارسات روحية، ولكن حدث بينما كنت أقرأ في كتاب أن وجدت عبارة بلغة تقول: إذا شعرت أن نموك قد توقف فأعلم أنك في حاجة إلى مساعدة آخرين! فما أن طلبت المساعدة، حتى مارست أضعاف ما كنت أمارسه من صلوات وقراءات..


كما أن التناول يجب أن يكون بإيمان كامل، أن الخبز يتحول إلى جسد المسيح وهكذا الخمر إلى دمه الذكي الكريم، وإلا شابهنا الوثنين!! ولو أننا نتناول خبزاً وخمراً فما الذي دفع بولس الرسول أن يقول: " أَيُّ مَنْ أَكَلَ هَذَا الْخُبْزَ أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ، يَكُونُ مُجْرِماً فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ " (1كو27:11 )!


وهل يُعقل أن الكنيسة تقيم الصلوات والتسابيح من نصف الليل - كما فى الأديرة - وتعلّم الناس وتهيأهم للتناول عن طريق الرسائل والإنجيل والعظة، ثم تعطيهم فى النهاية خبزاً وخمراً! أليس في استطاعة كل إنسان أن يأكل خبزاً ويشرب خمراً في بيته!

الأربعاء، 25 فبراير 2009

النـســك الـروحــى

لقد ضل كثيرون بسبب عدم فهم هدف النسك أو كيفية الوصول لحياة نسكية متزنة، يستطيع الإنسان من خلالها أن يحيا مع الله، وفى نفس الوقت يحافظ على جسده الذى هو عطية صالحة من خالقه.


يجب أن نعرف أن كلمة نسك " قبطية " اللفظ، وتكتب هكذا " NICWK نى سوك " وهى تعنى: قطع كل ما يعوق مسيرتنا الروحية عن طريق قمع شهوات النفس والجسد، وبالمقابل ممارسة كل ما يقربنا من الله... ويُعد الجانب الأول وسيلة للوصول إلى الثانى الذى هو الهدف.


ولهذا يختلف النسك فى المسيحية، عنه فى الديانات الأُخرى، ففى البوذية توجد ممارسات كثيرة، تُميت شهوات الجسد وتسيطر على غرائزه، ولكنها لا تقربهم إلى الله، والسبب ببساطة: إنهم لا يعبدون الله، بل آلهة أخرى، فماذا انتفعوا من ممارستهم...؟!


نؤكد أن النسك شئ غريزى فى الإنسان، ولكنه غريزة متقطعة، فقد آكل لحوماً ثم سرعان ما أملها فألفظها.. ومن ثم فإن النسك لا يمثل غاية فى ذاتها، فهو يحتاج لتقويته إلى بعض الغايات الأُخرى الجذّابة.


ولهذا فإن النسك الذى لا يقرب الإنسان إلى الله هو وثنية لا مسيحية، وكل الذين أُصيبوا بمسة عقلية بسبب نسكهم، هم مرضى نفسانيين وإن ارتدوا زى العقلاء، فما أكثر الذين يرتدون ثياب الملائكة وهم ذئاب خاطفة!


ويميز الأدب الرهبانى بين النسك الإلهى والنسك الشيطانى، فالأول يتصف بالتعقل والاعتدال، بينما الثانى نسك بلا تفكير ولا تعقل ومغالى فيه.. وهو لذلك لا يقود إلى نقاوة القلب، بل إلى الذاتية الشيطانية هنا يظهر دور المرشد والإفراز الذى يسميه القديس نيلوس السينائى " ملكة الفضائل" ألم يقل الأنبا بيمن مرة لأنبا إسحق: " لقد تعلمنا ألا نكون قتلة للجسد بل قتلة للشهوات ".


قديماً كان الرهبان يُدعون " نساك "، وقد كانت هذه الكلمة تُستخدم فى الأدب اليوناني - عادة - للإشارة إلى الإنسان الذى يتدرب أو يمارس إحدى الفنون.


ولهذا تأتى كلمة نسك " أسكسيس Askesis " فى اللغة اليونانية بمعنى: تلين الشئ بالتمرين، وكذلك العمل فى مادة خام لاستخراج أفضل ما فيها.


فالنسك إذن فن، بل فن الفنون، وذلك عندما يكون وسيلة لا غاية، من خلالها يصل الإنسان إلى قلب الله، وليس إلى المجد الباطل أو حب الظهور.


يجب أن نعرف أن جهادنا النسكى، هو ضد شهوات الجسد، وليس ضد الجسد نفسه كما يظن البعض، ولهذا يقول بولس الرسول: " فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ كَمَا الرَّبُّ أَيْضاً لِلْكَنِيسَةِ " (أف29:5).


إذن فالنسك جهاد ليس ضد الجسد بل لأجله، فقد قال أحد الآباء: " أُقتل الشهوة الجسدانية لكى تقتنى جسدا ً" فإن فهمنا النسك كجهاد ضد الوجه القبيح للنفس، فإنه فى هذه الحالة لا يكون استعباداً للذات، بل الطريق المؤدى إلى الحرية الحقيقية.


وهو بهذا يكون مطلوباً من كل المسيحيين، فالراهب كالمتزوج من جهة وسائل الخلاص، فكلاهما يكره الخطية ويبتعد عنها بنفس القدر، إذن جوهر الحياة النسكية: كالعفة وممارسة الفضائل، والطاعة، والمحبة، لا يخص الراهب وحده بل كل المسيحيين!


لكننا نعترف بأن متطلبات الحياة النسكية المستمرة والحياة الاجتماعية، أمران يصعُب على كل إنسان أن يجمع بينهما، ولهذا عندما انتشرت المسيحية كان النسك مجرد قاعدة يتبعها الفرد، وهو يعيش بين رفقائه، ثم بدأ الناسك يفرز نفسه جزئياً عن مجتمعه وسكن فى قريته أو مدينته منفرداً، ثم فى مكان بعيد فى البرية، ليتفرغ للصلاة الدائمة، التى لا تكتمل إلا من خلال السكون.. وأخيراً عندما جذبت شهرة الناسك عدداً من الناس الذين يريدون الاحتذاء به، وجد نفسه رأساً روحياً لمجموعة من النساك، وكان هذا نواة الحياة الرهبانية، التى أسسها أنبا أنطونيوس.


يمكن تشبيه النسك بعمل دودة القز، التى تنسج خيوط كفنها وقبرها بفمها، ثم تدفن ذاتها فى ذلك القبر، إلا أنها سرعان ما تصبح فراشة تخترق قبرها وتفلت من قيودها وتحلق فى الفضاء، والعجيب أنها بعد أن أصبحت فراشة اكتسبت جمالاً فريداً، لم تستطع أن تتمتع به وهى دودة داخل الشرنقة.


وهكذا أيضاً الإنسان، بنسكه المتزن يزداد جمالاً روحانياً، ويتحرر من قيود ورباطات شهواته، ويستطيع من خلال ممارساته الروحية أن يتأمل فى السمائيات.. ويتعامل مع الناس ببساطة الأطفال..


أيضاً الحطب الطرى عندما يوضع فى النار، فإنه فى البداية يصبح أسوداً، ثم يبدأ بالبكاء حيث يفرغ كل ما فيه من ماء دمعة دمعة، ولكنه لا يلبث أن يصبح شبيهاً بالنار المحيطة به،ولكننا نخطئ كثيراً عندما يقتصر نسكنا على قمع شهوات الجسد فقط، تاركين شهوات النفس ترمح فى أرضنا وتفعل بنا ما تشاء، فماذا ينتفع الإنسان المتكبر من صومه؟!


ولهذا نجد لدى الفلاسفة القدامى ما يُعرف بالتصوف الأخلاقى، إذ كانوا يعتقدون أن كمال الإنسان لا يتحقق إلا عندما يصل إلى الحرية الباطنية، التى تقوم على اللامبالاه إزاء أى متعة - فردية كانت أم جماعية - لأن هذا يتيح للنفس ألا تتأثر بظروف العالم الخارجى المتقلبة، ولا يجعل الإنسان عبداً، سواء لغيره، أو لعادة ذميمة تتسلط عليه.


وقد مارس الفلاسفة القدامى هذا النوع من التقشف الأخلاقى، ومعلموا الآداب جعلوه محور تعليمهم!


وفى القرن الثانى الميلادى أوجزت جماعة مسيحية عُرفت باسم الغنوسيون - أو العارفين كما يترجم اسمهم- مجمل تعاليم التصوف فى ما قد دعوه بالأختام الثلاثة ألا وهى:


" ختم الفم " ضد الطعام والشراب و" ختم الجسد " ضد الرفاهية، و" ختم الحشا " ضد العلاقات
الجنسية.


إلا أن النسك لكى يستمر، لابد أن تصاحبه حالة فكرية، يكون فيها الإنسان لديه رغبة حقيقية لممارسة النسك، لأن التعلق يكون بالفكر، والزهد فى المتعلقات يرجع أيضاً إلى طبيعة الفكر، فمن المعروف أن ما يرفضه الفكر لا يُحب الإنسان عمله أو اقتناءه..


كما أن الفكر هو الذى يقوى الإرادة، التي تساعد الإنسان أن يبتعد شيئاً فشيئاً عن الأمور الزائلة، إلى أن يصل إلى حالة يكون فيها الفكر خالياً من كل طمع، فى الأشياء التي شاهدها وسمع عنها.


هناك ثلاثة أشياء تجذب الفكر وتأسره وهى: المال، الشهرة، المرأة، وكلها تعوق النسك !!


ويُعد العمل والصلاة هما جناحى الحياة النسكية، فعلى الأول نُقشت الآية " أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (فى13:4) وعلى الثانى " وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئا ًفِي الأَرْضِ " (مز25:73).

وإن كانت الصلاة تمثل أو تُشبع جانب الروح، فإن العمل يمثل جانب الجسد، وكلاهما يتمان فى وقت واحد وانسجام تام.


فالجسد يشارك الروح فى خبرتها الروحية، وفى تذوقها للأمورالإلهية، فتصير حركاته تعبيراً عن السمو والرفعة، فتراه هادئاً ، وديعاً ، مسالماً...


وكأن الإنسان عندما يحيا مع الله، يصعد على أجنحة نسكه المتزن من الأرض إلى السماء، ليُمسح على جبينه مسحة روحية، ثم يعود إلى الأرض مرة ثانية ليحيا، لا كإنسان بل كملاك يرتدى زى إنسان!


قد نكون على صواب لو قلنا: إن الجسد هو أداة للروح، فكل طاقات الجسد تساهم فى انطلاق الروح، وأى إهمال له يحد من حركتها وقوة انطلاقها.


فإذا تثقل الجسد بالطعام والشراب، عجزت الروح عن القيام بواجباتها! فتضعف الصلاة وتفتر، وتنحجب التأملات.. ولهذا يقول القديس بولس الرسول: " لَكِنَّ الَّذِينَ هُـمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَـدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ " (غل 24:5).


إلا أن صلب الجسد لا يعنى قتل أنفسنا بقتل كل نشاط الجسد، بل رفض كل شهوة خسيسة، وكل فعل وضيع يحط من شأننا كأولاد لله، فالجسد ليس شراً ولهذا نذله ونعاقبه على جرم ارتكبه، فالله خلقه حسناً كسائر المخلوقات الأُخرى.


إنما استعمالنا الخاطئ له، هو الذى يدنس الجسد، ويجعله وسيطاً للشر، فقد أبسط يدي للإحسان وأُقدم كل ما هو صالح للآخرين، وقد أصفع بها وجه أخي صفعة قاتلة، فالاستعمال الأول يقدسها بينما الثانى يدنسها.


ألم يقل معلمنا بولس الرسول: " لاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْـمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَـلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِـكُمْ لِلَّـهِ كَأَحْيَـاءٍ مِـنَ الأَمـْوَاتِ، وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بـرٍّ لِله " (رو12:6)، فأعضاء الجسد التى كانت قبلاً آلات للإثم، يطلب الرسول أن نقدمها آلات بر لله، إنها أدوات تُستخدم فى الخير كما فـى الشر !

ولكن من أين جاءت تلك النظرة الخاطئة للجسد ؟! لنرجع إلى عصور ما قبل المسيحية، لنعرف أن الفلسفات القديمة كانت ترى فى الجسد شراً!


وقد تبعتهم جماعة الأسينيين اليهودية، التى عاشت فى عزلة عن العام وكره شديد له، معتبرين العالم شراً يجب اجتنابه والابتعاد عنه!


وقد نادى الغنوسيون بأن الجسد شرير لأنه مادة !! ولذلك يجب أن يُقمع ويُرذل ويُحتقر.. فمنعوا الناس من الزواج وذلك من أجل كبت غرائز الجسد، وحرّموا أكل أطعمة كثيرة.. وهذا واضح من قول معلمنا القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: " مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أطْعِمَةٍ، قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ " (1تيمو3:4)! ولكنهم سرعان ما خرجوا بمعتقد أخلاقى آخر يتعارض مع هذا المعتقد تماماً فقالوا: بما أن الجسد شرير فلا يهم ما يفعله به الإنسان، إذن ليُشبع كل إنسان شهواته وبشراهة!


وفى أيام الرسل كانت هناك جماعات من أتباع هذه الفلسفات، يجولون فى مختلف الإمبراطورية الرومانية، مرتدين ثياباً خشنة، وحاملين

أكياس متسولين وعصى من شوك، مرددين على مسامع الناس أخلاقياتهم الهزيلة، وللأسف الشديد التهب بعض المسيحيين غيرة واندفاعاً لهذا النوع من السلوكيات!


ونحن لا ننكر أن الرسل عندما انطلقوا للكرازة، كانوا يتجولون بشكل مماثل، متحررين من كل الأمور الدنيوية، وكانوا يكرزون بنكران الذات، إلا أن البعض لم يميزوا بين جوهر كرازة الرسل وهو (التجرد فى سبيل الملكوت) وتعاليم أولئك الفلاسفة وهو (رذل العالم عن كره)!


أما فى ما يخص الزواج، ففى الفلسفة الرواقية نجد تركيزاً على أهمية العقل والوعى لدى الإنسان، فى حين أن العلاقات الجنسية كانت تُدعىالشلل العقلى، ولهذا يجب الامتناع عنها لأنها تحرم الإنسان من وعية الكامل.


ولكن المسيحية نادت بأهمية وقدسية الزواج، وقد اعتبرته سر من أسرار الكنيسة المقدسة، يحصل من خلاله المؤمن على نعمة روحية.. ألم يقل معلمنا بولس الرسول: " هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ " (أف 32:5)!!


أما كون المسيحيون فى بداية نشأة المسيحية، قد قبلوا العزوبة، وكرسوا البتولية نمط حياة، أو حبذوها، على مثال سيدهم ومعلمهم المسيح، فهذا فى الحقيقة إنما يرجع لسببين:


الأول: التحرر فى سبيل الكرازة بالملكوت.

الثاني: اعتقادهم قرب نهاية العالم.


هذه بعض تعاليم الفلاسفة فماذا عن تعاليم المسيح ؟


إن من يتأمل حياة المسيح، يرى أنه عاش الحياة بعد أن حررها من آلامها، فكانت حياته بسيطة لا يشوبها الطمع، أو يرهقها الجشع، أو تمزقها الأنانية، عاش على الكفاف شبعاناً قنوعاً، وقد رضي بالقليل، لأنه امتلك غنى النفس، ولهذا تمتع بالحياة كأنه يملكها كلها.


فاستنشق الهواء الصافي بين الحقول، وقضى وقتاً فى البساتين يتأمل جمال منظرها، ويتمتع بعبير رائحتها، وكم جلس تحت كروم العنب يتأمل فى ذاته الكرمة الحقيقية.


وطالما جلس على شواطئ صور وصيدا.. كانت عيناه تلتقى بنجوم السماء وهى تسبح فى المياه..


وما كان أحب إليه من الجلوس على قمم الجبال، كأنه حلقة الوصل بين السماء والأرض...


ولهذا أوصي تلاميذه بالتحرر من كل قيود الحياة، إن كانوا يريدون أن يدخلوا الملكوت، فكل ما يبعدنا عن الله، وكل ما يستعبدنا، وكل ما يلهي قلوبنا عن حب الله.. يجب بحسب تعاليم السيد المسيح يجب رفضه ونبذه.


ولكي نكون أقوياءً وأسياداً وأحراراً، يوصينا السيد المسيح بأن نبغض، أي نرفض أي شئ، أو شخص.. يحاول أن يستعبدنا أويقف حجر عثرة فى طريق خلاصنا (لو7: 26،27).

السبت، 21 فبراير 2009

لماذا التــوبــة ؟


التوبة هى عودة إلى صباح أول يوم،عندما انبثق النور من الظلمة (تك3:1)، هى رجوع إلى الأحضان الأبوية مرة ثانية، لكى يحيا الإنسان مع الله هادئاً، مطمئناً كطفل رضيع لا يجد راحته إلا بين ذراعى أُمه! أو قل هى ثورة الإنسان ضد الشر داخل النفس..

التوبة هى أن ننظر لا إلى الوراء بأسف شديد، بل إلى الأمام فى رجاء عظيم، لا إلى أسفل فنرى تقصيرنا، بل إلى أعلى لنرى محبة الله، هى أن ترى لا فشل اليوم، بل نجاح المستقبل بفضل النعمة الإلهية، وبهذا المفهوم تكون التوبة: ليست مؤقتة بل حياة مستمرة.


ولو أننا تأملنا فى كلمة توبة " ميطانيا Metanoia " لوجدنا أنها تعنى " التغيير" فأنا آخذ حياتي الملوثة، وأقلبها رأساً على عقب، كما تقلب كيساً لكى تفرغ كل ما فيه من قاذورات، ومن الأشياء القديمة أصنع ما هو جديد!


والحق إن التغير الذى يشمل الفكر والقلب والإتجاه... يؤدى بالضرورة إلى تغير أسلوب الحياة، وهل يتوب إنسان دون أن يصنع أثماراً تليق بالتوبة ؟! فالتوبة إذن تُعيد تشكيل الإنسان من جديد، لأن أعمال الإنسان يمكن تركها كما هى، ويمكن وضعها فى فرن عالى الحرارة، وتحويلها إلى سبائك فولاذية ملتهبة!


إذن فالماضى البالى، الذى يشبه صفيح قد أصابه الصدأ، يستطيع الإنسان بإرادته إعادة صنعه وصهره وسبكه فى عمل جديد مفيد، وهذا هو الرجاء الذى فتح لنا المسيح بابه إلى نهاية الدهور.


فى التوبة سر طفولة رائعة، لأن الإنسان بالتوبة يغوص إلى عمق قلبه، ويلمس قاع بؤسه، ويشعر بالندم تجاه ما ارتكبه من ذنوب، وهو بهذا يولد من جديد!


والحق إن اعترافات كثيرين لا تجدد فيهم شئ، لأنها بلا توبة صادقة، فيخرجون من الاعتراف كما دخلوا، وينزلق تحليل الكاهن على رؤوسهم كما ينزلق الماء على ريش البط! ولهذا يجب على الإنسان أن ينزل إلى أعماقه ويحاسب نفسه بدقة، وذلك لكى يعود إلى الله عودة كاملة لا نصف عودة!


إن مشكلتنا أننا نجرى ونلعب فى المناطق الوسطى، فلسنا أمواتاً ولا أحياء، ولا حارين أو باردين، بل فاترين، ولهذا فإن الله مزمع أن يتقيأنا من فمه (رؤ16:3)!! أقول هذا لأن هناك صوراً كثيرة من صورالتعبد لشهوات الماضى، فقد يتوب الإنسان، ولكنه بالفكر يُشبع نفسه من لذات مر عليها الزمان وانقضت، وهو لا يدرى أن هذه الذكريات، التى يرتد إليها ليست سـوى ذخيرة حية تقتله! أو حبلاً قوياً يربطه، ويحد من حركته فى كل من الحاضر والمستقبل.


فليس من الحكمة أن ننفخ فى مثل هذا الرماد من جديد، وقد يكون من علامات الرجولة والنضج أن يدير الإنسان ظهره لماضيه، وذلك لكى يتجه ببصره فى ثقة وأمل نحو المستقبل، أما إذا ظل أسير ماضيه، فإنه سيحيا إلى الأبد كعصفور داخل قفص، لا هو قادر أن ينعم بالسعادة لأنه محبوس، ولا قادر أن ينال حريته لأنه أيضاً محبوس!


ولكن الماضى لا يموت فهو يتتبعنا ويلاحقنا باستمرار فليس فى وسعنا أن نشهد آثامنا، وكأنها لا تمت إلينا بصلة، فيجب أن نعترف بأن وجه الماضى القبيح هو وجهنا! هنا تظهر أهمية التوبة، لا فى أنها تمحو الخطايا من الوجود، بل فى أنها تغفرها، وهى بهذا تعطينا فرحاً وعزاءً وسلاماً.. يجعلنا نتخطى حزن الخطية المرير، ولا نخجل من ماضينا الأثيم.


ألم يضع القديس العظيم أُغسطينوس سيرته، بكل ما تحمل من ضعفات وعثرات... على صفحات كتاب أسماه: " اعترافات.." فالضعيف قد صار قوياً! وما هو سر قوته؟ إنها التوبة التى بها نستطيع أن نحوّل ماضينا المظلم إلى سطور من نور ونور!


فإذا افتقدك الماضى، فلا تدعه يعمى عيني نفسك بدخانه الكثيف، بل فتش عن سبب اشتعال النار، وكيف كانت بدايتها، ومن أين كانت تتغذى، ولا تتركها تتسلط بحرارتها عليك، ثم إشعل أمامها نار الروح، هنا تظهر حكمة الإنسان، فمن المعروف أن كل توبة يقدمها الإنسان تسبب له قفزة وارتفاعاً كالكرة، التى ما أن تسقط على الأرض فسرعان ما تصطدم بها لتقفز إلى أعلى.


ولكن الإنسان كثيراً ما يعجز عن القفز، لأنه يرفض أن يسقط إلى عمق ذاته ليعرف حقيقة نفسه، وهو بذلك لا يمكنه أن يتجدد أو يسمو! وها نحن نتساءل: كيف استطاع اللص اليمين أن يمحو آثامه؟ لقد تمكن من ذلك بواسطة ديناميت التوبة، الذى به فتت جبل ثقيل من على كتفه!


وأمام هذا الصفح العجيب الذى منحه المسيح للص مجاناً وفجأة قد يعترض بعض السطحيين أو غير المؤمنين قائلين " هذا ظلم "!! فيجيب السيد المسيح لا، بل " هذا عدل "، لأنه وإن عجز الإنسان عن محو أفعاله وجرائمه.. فهو على مستوى النية الحسنة يستطيع أن يحول طريقه، وأن يضفى على حياته بُعداً جديداً، حتى لو كان فى آخر نسمة من حياته، وأعتقد أن اللص اليمين لو كان قد عاش لصار من أعظم القديسين، هذه هى التوبة: أن يختار الإنسان لنفسه صورة جديدة.


ولكن لماذا التوبة؟ ألا يوجد طريق آخر نتقابل فيه مع الله سوى هذا الطريق؟ يجب أن نعترف بأن الله نور ونار والخطية ظلام وبرد.. فهل يمكن أن تقوم شركة بين النور والظلمة ؟! كيف يمكن للحياة والموت أن يلتقيان؟!


والحق إن الخطية هى موت بكل ما تشمله كلمة موت من معنى، وما التوبة إلا سفينة من ذهب بمجاديف من فضة وأشرعة من حرير.. تنقلنا من موت الخطية إلى الحياة مع الله، ألم يقل معلمنا بطرس الرسول: " ًأَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضاً التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ! " (أع11: 18).


بدون توبة لا حياة، ولا أمل فى حياة، ولا نمو أو إخضرار، فقد قال رب المجد يسوع: " إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ " (لو13: 3).


كما أن التوبة تسبق الأسرار المقدسة، فبعدما وعظ بطرس الرسول الشعب يوم الخمسين، " نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَسَأَلُوا بُطْرُسَ وَسَائِرَ الرُّسُـلِ مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ ؟فقال لهم بطرس الرسول : " تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْـرَانِ الْخَطَايَا فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع 2: 38) ألم يشترط الله التوبة كأساس لمغفرة الخطايا " فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ " (أع3: 19).


وقديماً قال صموئيل النبى للشعب: " تَقَدَّسُوا وَتَعَالُوا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ " (ا صم 16: 5).


وفى العهد الجديد يقول بولس الرسول"لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَـهُ وَهَكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِـدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَة ًلِنَفْسِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَد الرب مِنْ أَجْلِ هَذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ" (اكو11: 27- 31).


يُحكى عن الإمبراطور ثيئودوسيوس: إنه سفك دماء كثيرة عندما أجرى مذبحة على شعب تسالونيكى، فلما تقدم للمناولة بعدها، رفض القديس أُمبروسيوس أسقف ميلان أن يناوله، فاعترض الإمبراطور على هذا الحرم قائلاً: لماذا أًرفض بينما داود زنى وقتل والرب لم يرفضه؟! فالتفت القديس نحوه وقال: لقد شابهت داود فى جريمته ولكنك لم تشبهه فى توبته!


يقول أحد الآباء

" إن نفوسنا شبيهة ببئر عميقـة، مليئة من المياه الموحلة التى كلما نزحناها ظهرت الميـاه الباطنية الصافيـة فى القـاع.. "


وهكذا نحن أيضاً، كلما جاهدنا، من أجل تنقية قلوبنا بالتوبة، ظهر الله داخل نفوسنا، ولا ننكر أن الله لا يقوى على احتمال النفس الدنسة، بل يتقيأها ويدفعها إلى الخارج مثل البحر الذى لا يطيق بقاء الأقذار فى جوفه، بل يدفعها إلى البر بعيداً عنه.


ولعل أهم بركات التوبة، إنها تُخرج الإنسان من قوقعته الذاتية الصلدة، وتجعله لا يدنس الآخرين، بل يهتم بهم، ويقدسهم ككائنات سامية، قد خُلقت على صورة الله كما خُلق هو، وهى بذلك تكون عكس الخطية، التى تجعل الإنسان كما لو كان يحيا فى جزيرة عدد سكانها شخص واحد، وينظر للآخرين كآلات، تحقق له رغباته المادية والشهوانية.


ولكن هذا ليس بغريب، لأن الشهوة عمياء لا ترى، صماء لا تسمع، خرساء لا تتكلم، الشهوة تريد شيئاً واحداً: أن تتحقق! وهى بهذا تجعل الشهوانى يحيا فى وحدة باردة، مملة، وتجعل من قلبه صحراء قفراء، وإن أنبتت لا تنبت سوى الأشواك، وعلى حين أن المحبة تعنى البذل والعطاء إلى أبعد الحدود نجد أن الشهوة تعنى السلب لآخر قطرة من الدماء.


ويؤكد الفيلسوف أفلاطون، إن الإنسان لايدرك الحقيقة الكاملة، إلا بتمزيق القيود والسلاسل.. التى تربطه بالعالم الأرضى الفانى، وفك حصار الشهوات التى تحجب عنه عنه طريق كشف الحقيقة، ولكى يُقرّب هذه الحقيقة لتلاميذه، أعطاهم تشبيه الكهف، فقال لهم:


إننا أشبه بأُناس قُيدوا بالسلاسل فى جدار كهف مظلم، فعاشوا لم يروا من الحياة سوى الظلال التى ترتسم على الجدار، وذلك من خلال فتحة الكهف المواجهة له، فهم يرون ظلالاً لأشخاص وأشياء.. يعتقدون أنها هى الحقيقة لأنهم لايرون سواها، ولكن ماذا لو استطاع أحد هؤلاء أن يفك قيده ويتسلل من الكهف؟ أعتقد أنه سوف يرى الناس على حقيقتهم، وليس من خلال الظلال، التى يظن عن غير وعى إنها هى الحقيقة!!


وعلى المستوى النفسى يحتاج كل إنسان إلى آخر، يصغى إليه بلطف ويرشده، ولعل السبب فى أن كثيرين يشعرون بالانعزالية هو: إنهم لا يجدون أُذن عطوف، ولو وجدوا من يتفهم مشاعرهم ويقرأ أفكارهم.. لاستطاعوا أن يتخلصوا من كبت شديد تراكم على مر السنين.


ولو تأملنا المراحل المختلفة التى مر بها عالم النفس الشهير" فرويد Freud " لوجدنا أنها انتهت إلى الإنصات للمرضى، فبعد أن استخدم العلاج بالكهرباء والمنومات ووسائل أُخرى.. لجأ إلى التفاعل العاطفى، وببساطة بدأ ينصت لمرضاه وهم يحكون له مشاكلهم.


فإن كان الله يعرف احتياجتنا النفسية، ورتب لنا سر عظيم هو " سر التوبة والاعتراف " فلماذا لا نستفيد منه؟! لماذا نذهب إلى الأطباء، وندفع أموالاً قد تفوق طاقتنا؟! أليس أفضل أن نذهب للطبيب بعدما يفشل الكهنة!


أما التوبة الصادقة فهى التى تكون مصحوبة بالندم، فما هو الندم وما الفرق بينه وبين عذاب الضمير؟ إن الندم هو إقرار بالخطأ وفى نفس الوقت تخطيه، فالندم محاولة لتجاوز الماضى، وذلك بالنظر إلى الأمام والتطلع نحو المستقبل..


أما عذاب الضمير، فهو أسف على ماضٍٍ سئ، ولكنه أسف لافائدة منه ولا فاعلية له، هو تألم يجعل الإنسان يقول بمرارة: " آه لو لم يحدث هذا ولكن يا للأسف لقد حدث!! " ولهذا فإن عذاب الضمير هو أسف على خطأ بدون رجاء.


أتذكرون يهوذا الإسخريوطى! لقد اعترف علناً أمام رؤساء الكهنة والشيوخ بجرمه قائلاً: " أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً "، كما أنه طرح الفضة فى الهيكل وانصرف، ولكنه فى النهاية " مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ " (مت27 :3-5).


- إن عذاب الضمير يوجهنا نحو الماضى الأليم،
أما الندم فيوجهنا نحو المستقبل المشرق المنير.

- عذاب الضمير يجعلنا ننظر إلى فشل اليوم،
أما الندم فيجعلنا ننظر إلى نجـاح المستقبل.


نستطيع أن نقول:إن التوبة تؤكد لنا أن كل شئ قابل للإصلاح، فأنا لست مسمراً فى ماضٍ إلى الأبد، بل يمكنني أن أصلحه وأتجاوزه، وفى هذا تكمن البشرى العظيمة، وقد أعلن المسيح أُن الفداء أمر غير مستحيل، والمستقبل مفتوح، والإنسان ليس حبيس خطئه أو ماضيه.