مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الأربعاء، 23 سبتمبر 2009

فتاة اشتهت المال

يُحكى عن شابة جامعية أنَّها أحبت المال بصورة مَرَضية، حتى صار الثراء هدفها الوحيد فى الحياة، فماذا فَعَلتْ لكي تصير واحدة من الأثرياء؟
بدأت تجلس مع الشباب حتى تعرّفت على واحد، كان يملك عربة فاخرة فاعتقدت من مظهره أنَّه فتى الأحلام، الذي سيحقق لها كل طموحاتها، وتمر الأيام وتتوطّد العلاقة بينهما، لكنَّها لاحظت أن زميلها كثير الرسوب، كما لو كان لا يرغب فى التخرج من الكلية، فلمَّا سألته عن سبب رسوبه ذُهلت! إذ علمت أنَّه يتعمَّد الرسوب، لأنَّه يوزّع المواد المُخدّرة على الطلبة! وهذا هو مصدر غناه..
وبكل جرأة يعرض عليها أن تُشاركه هذه التجارة المُربحة، إن كانت تريد أن تصبح من الأثرياء! كل ما ستفعله أنَّها ستقف فى مكان ما على كورنيش النيل، فيأتي إليها شخص ويسلّمها المواد المُخدّرة، فتأخذها منه وتعطيها لبعض التجّار الذين يتعامل معهم..
فى البداية رفضت بشدة إلاَّ أنَّها تحت تأثير إغراءات المال قبلت، وبالفعل فى فترة قصيرة جداً قد صارت مليونيرة، فلمَّا اغتنت أصابها الكبرياء في مقتل، فاحتقرت زميلها، لأنَّه لم يعد يملك من المال مثلها، كما أصبح في نظرها بلا فائدة، فالنفعيون لا يعرفون من الزهور سوى رحيقها!

فلمّا رأى الشاب أنَّه قد جُرح، سعى إلى الانتقام منها رداً لكرامته، فأرسل للبوليس كل بياناتها، فتم القبض عليها وانتهت قصتها المأساوية بأن أودعتْ فى السجن!
فماذا انتفعت من حُب المال؟ المال الذي اشتهته ألقى بها في السجن، ولوّث سمعتها ، وقضى على شبابها...

هذا وقد حكى قداسة البابا شنوده، عن إنسان كان فى حياته يجمع مالاً ويكنزه، دون أن يعرف أحداً أين يخبئه، ثم مرض ولازم الفراش وفى أثناء مرضه لاحظوا عليه، أنه كان يمسك فى حرص بالوسادة التى يضع عليها رأسه، وفى ساعة موته كان يحتضن الوسادة، يحتضنها فى عنف كأنه يخشى أن يأخذها أحد منه، فتعجبوا ! وبعد موته فحصوا الوسادة وفتحوها، فوجدوا داخلها رُزمة من الأوراق المالية، هى إله ذلك المسكين، الإله الذى ظل يعبده حتى الموت!!

الاثنين، 14 سبتمبر 2009

مفهوم اللذة


لا نُنكر أنَّ اللذة شيء عظيم، والسعادة أعظم ما في الوجود، واللذة يسعى إليها الأبرار والأشرار على السواء، ولا عجب أن يتحلّى الأبرار بفضيلة تؤهّلهم إلى سعادتهم، إنَّما العجب أن يواظب الأشرار على خطاياهم بحثاً عن لذاتهم!!

أنت تبحث عن اللذة التي تقود إلى السعادة، وأنا أيضاً بل الجميع يُريدون أن يحيوا سعداء، فما من إنسان يبحث عن الألم إلاَّ المريض! ولكن أين نجد السعادة التي سعى ولازال حتى الآن يسعى إليها الكثيرون؟

الكتب السماوية تُعلن بوضوح أنَّ السعادة في الإيمان بالله والعمل بوصاياه... فنحن خرجنا من الله وستظل أرواحنا هائمة إلى أن نجد راحتنا فيه.

وعلماء النفس يقولون: إنَّها فى اتزان الشخصية، والتوازن بين قدرات الناس ومواهبهم.. ورغباتهم وطموحاتهم..

والمادّيون يقولون: إنَّ السعادة تتولّد عندما يتم إشباع حاجات الإنسان المادية وغرائزه الطبيعية كالطعام والجنس..

والفلسفة البوذية تُعلن أننا لن نجد السعادة في الحياة مصدر الآلام والأحزان، ولا سبيل إليها إلا بدخول (النيرفانا) أو النعيم، الذي لا يدخله إلاَّ من حارب أهواءه المادية، وترك المتع الدنياوية واللذات الجسدية..

والصوفية تقول: إنَّها في الاتصال الروحيّ المستمر بالله، والزهد في الماديات، والترفّع عن أغراض الدنيا الفانية.. فما هى اللذة وما هو مفهوم السعادة التي يسعى إليها الإنسان منذ أن دب بقدمية على هذه الأرض؟!

ربما يقول المرضى أنَّها في الصحة الجيدة، فيرد الأصحاء: لو كانت السعادة في الصحة لكانت الوحوش أسعد المخلوقات!


والفقراء يتوهّمون أنَّها في الغنى، لكن معظم الأغنياء عاشوا وماتوا تعساء، وقد كانت أموالهم سبب تعاستهم..

والفاشلون يقولون أنَّها في النجاح والتفوق، فيُجيبهم الناجحون: ما أبهظ الثمن الذي دفعناه من سعادتنا ثمناً لنجاحنا، لقد نجحنا ماديّاً ولكننا فشلنا روحياً!

والعُزَّاب يعتقدون أنَّها في الزواج والأولاد والدفء العائليّ، فيرد عليهم المتزوجون: إنَّ مشاكلنا أكبر من احتمالنا..

وما أكثر الذين بحثوا عن السعادة في الشهرة والسلطة والنفوذ.. وبعد أن حققوا هدفهم وذاع صيتهم كانت خيبة الأمل، فليس أشق على الإنسان في هذه الحياة من تكبير اسمه!!

إنَّ تعريفات السعادة كثيرة، وكل إنسان يستطيع أن يفهمها بحسب نشأته وتديّنه وثقافته وفكره.. ولكن أقرب تعريف لعقلي هو:

إنَّها ذلك الشعور المتصل بالمحبة والفرح والسلام.. الذي يرافق الإنسان عندما يحيا مع الله، برغم كل ما يعترض مجرى حياته من مشاكل أو أحزان أو آلام..

فنحن جُبلة الله ولن نجد راحتنا إلاَّ فيه، وبدون الله لا حياة، ولا أمل فى حياة ولا نمـو أو اخضرار.. إنَّما يعُم القحط كل حياتنا، وتظل أرض قلوبنا جرداء لا ثمار تنمو فيها، وإن أنبتت لا تنبت سوى الأشواك.

وقد يسعى البشر لتوطيد أواصر المحبّة، فيتقابلون ويتبادلون الهدايا...

ولكن مهما كانت أهمية المحبّة البشرية، فإنَّها لا تهب الناس سعادة كاملة إن لم تكن ثمرة من ثمار المحبة الإلهية، فالإنسان كثيراً ما يجد نفسه وهو مستغرق برمَّته في المحبة البشرية النفسانية، أنَّه لا يزال يعاني من آلام الوحدة، وأنَّه لم ينجح في التغلّب على القلق الناجم عنها، ومن هنا ينصرف عن هذا الحُب البشريّ بضعفه ونقصه لكي ينشد صورة أكمل وأنقى وأفضل ألا وهى: حُب الله ,

إنَّ اللذة في مفهومها في مفهومها البسيط هى حالة فرح، فكل ما تشتهيه وتحصل عليه يُولّد في قلبك لذة.

أمَّا اللذات فهي أنواع كثيرة، فهناك ما يُعرف باللذة الروحية، التي تقود إلى السعادة الحقيقية، ولا يستطيع أن يحصل عليها إنسان، إلاَّ إذا عاش مع الله حياة روحية صادقة وهناك اللذة الجنسية التي تتولّد نتيجة المؤثرات الشهوانية التي تُصادف الإنسان أو يتسبب فيها، سواء عن طريق حواسه أو أفكاره.. هذه اللذة وضعها الله في الإنسان لأجل الإنجاب وإنماء الجنس البشريّ، فإذا انحرف بها تحوّلت من وسيلة فرح إلى سبب خوف وقلق وعذاب ضمير.. فما أعطاه الله للإنسان كأداة للفرح تحوّل إلى أداة للتدمير، وذلك بسبب استخدام عطية الله الحسنة استخداماً سيئاً!

فى بداية القرن الماضي ظهر فرويد العالِم النفسيّ الكبير، فنسب كثير من الأمراض النفسية والعصبيّة والعاطفيّة إلى الكبت الجنسيّ متغاضياً عن العوامل الاجتماعية والثقافية وأساليب التربية الخاطئة.. ولهذا دعا إلى مُمارسة الجنس بحرية، كوسيلة علاجيّة للتخلّص من الأمراض التي تُصيب الإنسان!ولكن لو عاد (فرويد) هذه الأيام - وهو بالطبع لن يعود - لغيّر نظريته مرغماً وبالتالي منهجه الخاطيء في العلاج، ونسب الخوف والقلق والأنانية ومعظم المشاكل التي تعيشها البشرية اليوم ليس إلى الكبت الجنسيّ بل الفجور الجنسيّ!

وإنْ اعترض البعض وقالوا هناك الجنس المأمون الذي لا يضر ولا يؤذي فهم كاذبون ومتوهّمون! أو يُخدّرون ضمائرهم السقيمة! لأنَّ الجنس قد يكون مأموناً طبياً- معقّماً من الجراثيم وخالياً من الوباء ولكنَّه غير مأمون روحيّاً ونفسيّاً بالنسبة لوجع القلب الذي يتسبب فيه، والمشاكل الروحيّة والعقد النفسيّة التي تنتج عنه..وكما قيليغفر لنا خطايانا عندما نقدّم توبة صادقة من أعماق قلوبنا، ولكنَّ الجهاز العصبيّ لا يغفرها قط !! لماذا؟ لِِما سببته الخطية من أمراض كثيرة، قد طبعت بصمتها على أعصابنا وأجسادنا.. جعلت الخاطيء منَّا يُعاني من آلامها مدى الحياة.

يقول القديس أُغسطينوس: لا شك في أنَّك تريد أن تحيا أيامك سعيداً لكنَّك لن تكون سعيداً إن لم تحصل على ما تُحِب، ولن تكون سعيداً إذا نِلتَ ما تحب، وكان هذا المحبوب مُضراً ها نحن نتساءل: هل هناك أشر وأخطر وأضر من لذة الخطية؟

فالخطية كما يراها ذهبي الفم هي الكارثة الوحيدة في العالم ولهذا يقول: ليس في العالم إلاَّ كارثة واحدة ألا وهى: الخطية، فهي المصدر الأوحد لجميـع النكبات، وهى الأُم الولود لجميع الكوارث التي تحل بالبشرية ".

ليقل لنا محبو الخطية وعشاق اللذة الوهمية، الذين يقضون لياليهم بين الجدران المُغلقة المظلمة! متناسين أنَّ عيون السماء تُحدّق إليهم، ونجوم القبة الزرقاء تفضح أعمالهم القذرة: ما هي اللذة التي يتمتّعون بها وهم دائماً في حزن وقلق...؟!

أيَّة لذة تلك التي ثمارها الخوف من الفضيحة والعار والخجل من مواجهة الناس؟! قولوا لنا لماذا تُغلقون عليكم الأبواب وتبتعدون عن أعين الناس إن كنتم بحق على صواب؟!

لقد ارتضى الخطاة أن يعيشوا في الأوكار المُظلمة، يلهون ويعبثون، ويسكرون ويُدخّنون، ويرقصون ويُغنّون، بطريقة هستيرية كالمجانين بحثاً عن لذة جسدية فانية!!

ولكن لا تتعجبوا فالطير يبدو أنَّه يرقص عندما يُذبح!! أتعرفون السبب؟ لأنَّه يتألم!! لقد ش الأعمى الذي يحيا في الكون المُضيء ولكنّه لا يرى ضوءاً ولا شمس الظهيرة، والحق إنَّ الخطية تعمي الخاطيء عن رؤية نور الحياة، لأنَّ الله نور وكل من يحيا بعيـداً عن الله حتماً سيعيش في ظلام حالك، وأيضاً سيموت موتاً روحياً، فموت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد وموت الروح هو انفصال الروح عن الله، ألم يقل المسيح: " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ، مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا (يو25:11).

فكيف يجرؤ إنسان يحيا فيالخطية أن يقول: إنّه حيلهؤلاء مجتمعهم الخاص الذي قد خلقوه لأنفسهم، وارتضوا أن يعيشوا فيه منبوذين ومحتقرين من الآخرين فأي مجتمع هذا الذي يقود إلى الذل والاحتقار.. وأهم سماته الإشباع الجنسيّ والفوضى الأخلاقية...؟!!نَّه كهف ضيق من كهوف الأودية الخالية من الفضيلة، فيه يُرددون صدى أصوات لا يفهمون معناها لتُصبح حياتهم بين شتاء قارص غطَّاهم بأوحاله! وصيف ألهب بحرارته عظامهم!أمَّا وصايا الله فلا يعرفون عنها شيئاً، ولا يعلمون متى يكون الإنسان خاطئاً!! فيعيشون بالجهل ويستوي أمامهم المُجرم والبريء، والبار والشرير،وهذا ليس بغريب لأنَّهم ينظرون بعين الشهوة، فمن على السطوح وفى الأروقة وبين الأزقة لا يرون سوى أشباح المفاسد وخيالات الانحطاط!

انظروا إليهم فلا تجدوا سوى أُناس عديمي الإرادة، لا كلام إيجابيّ في أفواههم إنَّما كلامهم عن الجنس والمتع الجسدية! ولا نية تعمير أو إصلاح في عقولهم مع أنَّ فيهم من يملك الملايين! حتى الشعور الإنسانيّ والعطف على الفقراء لا تجد في قلوبهم! وهذا ليس بغريب لأنَّ:الشهوة عمياء لا ترى دموع المحتاجين وصماء لا تسمع أنين الفقراء والمعوزين إنَّها لا ترى ولا تسمع إلاَّ ما يُثيرها فقط!!

كل العبارات التي ابتدعها الخطاة مثل: سعادة، متعة، لذة، نشوة نّي لا أظن أنَّ من يتحدى قانون الطهارة الإلهيّ يمكن أن يحيا سعيداً، يكفي أنَّ الخطية تفقد الإنسان سلامه لَيْسَ سَلاَمٌ قَالَ إِلَهِي لِلأَشْرَارَِ (إش21:57)، فهل يمكن لإنسان أن يحيا سعيداً بدون سلام؟!

حقاً إنَّ النشاط الجنسيّ هو غريزة قد وضعها الله في الإنسان لا يمكن إغفالها أو القضاء عليها، ولكن في العلاقة الجسدية الطبيعية بين الزوج وزوجته تنطلق الطاقة الجنسية لكي تربط بينهما بقوة مغناطيسية فيغمرهما إحساس عميق بالاستقرار والرضى والشبع والراحة.

أمَّا في حالة الزنى فإنَّ العلاقة الجنسية يصاحبها أيضاً متعة حسّيّة، كما قال سليمان الحكيم اَلشَّهْـوَةُ الْحَاصِلَةُ تَلُذُّ النَّفْسَ (أم19:13) إلاَّ أنَّها تكون ممزوجة بالقلق والتوتر والإحساس المرير بالذنب... مما يجعلها تفتقر إلي عمق الاستقرار والشبع الحقيقيّ! وأفضل ما يمكن أن يفعله البشر تجاهليس هو إشباعها بطريقة غير شرعية، وإنَّما بتحويلها إلي أنشطة مفيدةللإنسان وبنَّاءة للمجتمع، وهذا هو ما يُعرَفْ في علم النفس بالتساميّ.

والحق إنَّ فقراء ومرضى ومعوَّقين كثيرين، ضبطوا شهواتهم وهذَّبوا غرائزهم.. فعاشوا سعداء وأفادوا البشرية بعد أن صاروا قدوة.. والعظمة من كل ناحية، ولكنهم لم يُقدّموا للبشرية سوى صورة مُقززة للفساد والمتع الجسدية، ولذلك عاشوا في القصور كالأفاعي السوداء المتقلبة في كهوف الجحيم.

لقد صارت القصور أشبه بصحراء الموت، يُدفنون أحياء بين رمالها، أعني أموالهم وذهبهم وفضتهم وكل كنوزهم الفانية.. ومن هنا جاءت العبارة القائلةلا راحة لرأس تحت تاج ملوث بالخطيةفإذا اتّخذتَ اللذة هدفاً تسع إلى تحقيقه بكافة الوسائل وشتى الطرق... فتأكد أن حياتك على الأرض ستظل مثقّلة بالآلام، مليئة بالمخاوف، الشهوات تفسدها والشكوك تستعبدها، فالخطية هى نبع الأحزان بما تتركه في الضمير من توبيخ، وما تتركه في النفس من أثرها الدنس، وها نحن نتساءل:

ما قيمة لحياة تظل صفحة ملوثة في كتاب الوجود، لم يُكتَبْ فيها كلمة فرح أو عزاء أو سلام..؟‍‍‍! وماذا ينتفع الإنسان لو أتى من الذنوب ما يجلب عليه سخط إلى آخر الدهور؟‍!

يقول مارَ أفرام السريانيّ: اهرب من اللذة فإنَّ أثمارها الخزي، فقبل اللذة شهوة وبعد اللذة حزن، كرر الافتكار في أنَّ اللذة يعقبها حزن وخزي .

إن أردتَ أن تعرف هل فى الخطية لذة أم لا؟ فاعمل بمشورتي، واسأل الذين لبسوا الزنى كرداء، أو أدمنوا المسكرات، أو احترفوا السرقات.. سلهم وهم على سرير المرض مطروحون، أو في سجون الحبس مُقيَّدون، أو فى الشوارع على الأرصفة مُلْقَوْنَولماذا تسأل الآخرين بل إسألْ نفسك وخاطبْ كل عضو من أعضائك قد تدنس بوحل الخطية وقل له: لقد تلذذت وتمتعتَ كثيراً.. فما هو الربح الذي ربحتَهُ من الخطية؟

أعتقد أنَّ الإجابة على مثل هذا السؤال واضحة ألا وهى: لا سعادة نلتُها ولا لذة قد ربحتُها وأنا أحيا فى الخطية إن كان لها أفراح!صدقوني لو فُتحتْ قلوب الخطاة، أو كُشفتْ أفكارهم على الملأ॥ ورأينا ما قد ترسّب في أعماقها من نتائج الخطية لصرخنا قائلين: مجنون من أضاع حياته فى أوهام الخطية।

السبت، 5 سبتمبر 2009

قصص لقديسين فضلوا الموت عن أن يتدنسوا بالخطية


يحكي لنا تاريخ الكنيسة عن أمثلة رائعة، لأبطال قديسين فضلوا الموت وتقطيع الأعضاء، عن أن يُدنسوا أجسادهم بالخطية. حتي إن الحكام الوثنيين الذين ملكت عليهم الشهوة الدنسة، كانوا يندهشون لطهارة المسيحيين والمسيحيات.


يقول القديس القيصري

" لم يكن النساء أقل من الرجال بسالة، في الدفاع عن تعاليم الكلمة الإلهية، إذ اشتركن في النضال مع الرجال ونلن معهن نصيباً متساوياً من الأكاليل من أجل الفضيلة، وعندما كانوا يُجرّوهن لأغراض دنسة، كن يفضلن تسليم حياتهن للموت عن تسليم أجسادهن".


ومن بين هؤلاء الألوف الأطهار نذكر الآتي:


++ شاب عفيف

في الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور ديسيوس، إذ فشل أحد الولاة الوثنيين في أن يثني شاباً قبطياً عن إيمانه، سلّمه إلي إحدي الشريرات لتُسقطه في الخطية، أمّا هي فطلبت أن يُرسل الشاب إلي بستان، وينصب له سريراً مفروشاً بالحرير بين الورود والرياحين وتحيط به جداول المياة، ثم أمرت أن يُربط يدي الشاب ورجليه ووسطه بمنديل من حرير، واندفعت إليه بغير حياء لتُسقطه في الخطية، فكان يُظهر لها بكل جفاء، ولكنها استمرت في محاولتها بقوة، فلمّا ضاقت به المسالك، و لم يجد وسيلة للهرب من هذا الشر، وخاف علي طهارته، ضغط علي لسانه بأسنانه وبصقه في وجه تلك المرأة الشريرة بدماء كثيرة، وإذ تملكها الرعب هربت، وهكذا حفظ طهارته، مفضلاً أن يهلك عضواً واحداً من جسده ولايترك جسمه ونفسه للهلاك الأبديّ.

++ فيرونيا

في أثناء الاضطرابات التي عمَّت مصر سنة ( 749 م )، دخل جنود مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، دير للعذارى نواحي أخميم، وبعد أن نهبوه أرادوا اغتصاب راهبة صغيرة تُدعي فيرونيا، فتنوا بجمالها! أمّا هي فاستمهلتهم قليلاً ودخلت قلايتها، وألقت بذاتها بين يدي الله باكية، طالبة الخلاص من الدنس.. وسرعان ما خرجت إليهم بحيلة ألا وهي:


أن يتركوها لعبادتها مقابل جميلاً تُعطيه إليهم تعلّمته من أسلافها، وكان هذا الجميل زيتاً تقتنيه إذا دُهن به أيّ جزء من الجسم لا تعمل فيه السيوف، ولكي تُبرهن لهم صدق كلامها دهنت عنقها بالزيت، وطلبت أن يضرب أحدهم بسيفه علي عنقها، وما أن فعل ذلك، حتي انفصلت رأس العذراء العفيفة عن جسدها، فلمّا رأي القائد والجنود هذا المنظر المرعب اعتراهم خوف شديد، وندموا علي ما فعلوا، وأسرعوا بمغادرة الدير، بعد أن تركوا ما كانوا قد نهبوه!

++ ثيئودوره

وُلِدت هذه القديسة بالإسكندرية، وعندما بلغت سن السابعة عشر من عمرها، صدرت أوامر دقلديانوس باضطهاد المسيحيين، فشكاها البعض أمام والي الإسكندرية بأنَّها مسيحية، فأحضرها الوالي وأمرها أن تبخر للأوثان وإلا فإن عقوبتها ستكون إيداعها في أحد بيوت الدعارة، لكنها رفضت كلامه وقالت له: إنّها واثقة أنَّ الرب يسوع سيخلصها، وهذا هو ما حدث بالفعل، فقد أتاها الخلاص علي يد شاب مسيحي يدعي ديديموس، لمَّا عرف بقصتها أراد إنقاذها.. فتنكّر في زي جندي، وذهب إلي ذلك المنزل الذي أودعت فيه وطلب الدخول إلي غرفة ثيئودورة، فسمحت له صاحبة البيت بالدخول، فلما شاهدته ثيئودورة ارتاعت وأخذت تبكي خوفاً من تدنيس عفتها، أمَّا هو فهدأ من روعها، وناداها وهو يبكي قائلاً: لا تخافي يا أختي المباركة، يا عروس المسيح، لقد أرسلني خطيبك لنجاتك، ثم نزع عنه الذي العسكريّ، وقال لها: خذي هذا الثوب وارتديه وأعطني ثوبك لألبسه، وأخرجي أنت وأنا أظل مكانك، ففرحت لأنّ الرب استجاب لصلواتها، وخرجت متخفية في زي الجندية وبقي ديديموس في الحجرة حتي انكشف أمره، فسيق إلي الوالي وحُكم عليه بالموت..


فلمّا عرفت ثيئودورة ذهبت إلي مكان الإعدام وأمسكت به، وقالت: إنني وافقت أن تحفظ عفتي فقط، ولكني لم أقبل أن تأخذ إكليلي ومكاني في الشهادة، فأجابها ديديموس: يا أختي لا تقابلي إحساني بالإساءة، لقد حافظت علي عفتك، دعيني الآن أنال عوض ذلك إكليل الشهادة، فنال كلاهما إكليل الشهادة بقطع رأسيهما معاً!!

++ أربسيما

اشتهي دقلديانوس الملك أن يتزوج بفتاة حسناء، فأمر أن ينطلق المصورون في البلاد، لاختيار أجمل فتاة، فلما ذهبوا كأمره وجدوا راهبة في أحد أديرة العذاري بروما اسمها أربسيما، وكانت أروع من قابلوا في جمالها، ففرح الملك جداً لمّا رأي صورتها، فلما علمت بقية العذاري اللاتي كن معها في الدير بهذه التجربة القاسية، اتفقن جميعاً علي الهروب من الدير إلي بلاد أرمينيا.


أما الملك فلمّا أرسل في طلب أربسيما ولم يجدها تضايق جداً وأرسل يبحث عنها، حتي علم مكانها فأحضروها إليه، ففرح بها جداً وأراد أن يتزوجها، لكنها رفضت بإصرار، فأحضر أمها أغاثي لتثنيها عن عزمها، ولكن أمها المسيحية التقية شجعتها علي حفظ بتوليتها، وأعطي الرب قوة للقديسة أربسيما، فطرحت الوالي علي الأرض رغم قوته فاغتاظ جداً، وأمر بقطع لسانها وقلع عينيها ثم رأسها.. وأخيراً قتل الأم أغاثي وبقية العذاري أيضاً.

++ إجنس

ولدت هذه القديسة في أواخر ( ق3) في روما من أبويين تقيين، وإذ كانت جميلة جداً أراد ابن حاكم المدينة أن يتزوجها أما هي فرفضت، فمرض الشاب فدعا أبوه إجنس وخيّرها بين أمرين إمّا أن تعبد الآلهة الوثنية وتتزوج ابنه، وإمّا أن تموت! أمّا هي فأصرّت علي إيمانها فعذّبها الوالي، ولمّا لم يفلح في إرهابها، أرسلها إلي بيت فساد، فشرع الجند يجردونها من ثيابها.


ولكن فجأة غطي شعرها كل جسدها حتي تعجب الجميع.. كما أن البيت أضاءه نور من السماء، حتي إنَّ بعض الأشرار ممن أتوا لفعل الشر مع هذه العذراء، لما رأوا المنزل مُضيئاً لم يجسروا أن يلمسوها، غير أنّ ابن الحاكم الذي كان يرغب أن يتزوجها، عندما دخل البيت ليفسدها سقط ميتاً.


فلما تذلل أبوه إليها صلت القديسة فقام ابنه الميت، فانتشر خبر المعجزة!! فادّعي كهنة الأوثان أنّ إجنس ساحرة!! وطلبوا قتلها، أما الوالي أمام صخب الناس ترك الأمر لوكيله، الذي استحضر إجنس وعذبها، وأخيراً أمر بقطع رأسها فنالت إكليل الشهادة، من أجل حفظ طهارتها وعفتها.

الجمعة، 7 أغسطس 2009

سـمات الديانة المسيحية


ظهرت المسيحية وهى تحمل سمات لم تعهدها ديانة من قبل، فخيّمت بسموها على معاهد العلم والفلسفات وقصور العظماء والأغنياء، وأكواخ الصغار والفقراء.. فبهرت الجميع ببريق تعاليمها، وأثّرت عليهم بعظم مبادئها.. وأصبح لها سمات فريدة ميّزتها وساعدت على انتشارها، لعل أهمها الآتى:

العمومية

إن الديانة المسيحية تستطيع أن تنمو فى كل مكان وزمان، فترقى بجميع الأفراد والطبقات، متمشية معهم فى تطورهم وتجديدهم.

قد تنتشر ديانة لأن شعوباً كثيرة، ترى فيها منهلاًُ عذباً لارتشاف الإثم واستباحة الشر، بل وقد ينتشر دين ما على إثر ثورة قام بها أتباع هذا الدين، فأرغموا أعدائهم بعد تعذيبهم على قبول مبادئ دينهم الجديد، إلا أن مثل هذه الأديان سرعان ما تعجز بعد إنحسار موجة ثوراتها، عن الوقوف أمام عظمة الحق وجلال العدل، فلابد من أن يأتى الوقت الذى فيه تنكمش إلى حيث كانت قبل أن تنتشر.

أما المسيحية فسارت إلى الأمام ولازالت تسير، وها نحن نتساءل: أين الديانة المسيحية من ديانات العصور القديمة؟ كان الإله " زفس " لا يُعرف خارج حدود بلاد الإغريق، ولم يكن " جوبتر" له قيمة خارج أسوار روما، ومن العبث أن يعبد الهندى " براهما " بعيداً عن الهند، لأن هذا ينجس جسمه.. فإذا عاد إلى وطنه يجب أن يتطهر من نجاسته!! أما المسيحية فهى تعلّم بوجود إله محب هو أب لجميع البشر، وتبشر بإنسانية عامة، ووحدة مقدسة، ومحبة سامية.

الروحانية

لم تعرف الديانة القديمة إلا بمعابدها، وطغمات كهنتها، وتعقّد مراسيمها وطقوسها، أما الديانة المسيحية فيهمها الجوهر لا الشكل، وتهتم بالروح لا المادة، بالسمائى لا الأرضى، ولذلك فصلت المسيحية الدولة عن الكنيسة، فأعطت " ما لقيصر لقيصر وما لله لله " . فى العصور القديمة انتشر السحر والتنجيم والخداع والتدليس فى الهياكل الوثنية، فكان من يرغب دراسة الأدب القديم.. ذهب إلى أماكن أُخرى غير المعابد، فهناك فى أروقة أثينا وروما، وعلى مسافة بعيدة من الهياكل والمعابد، كانت حكمة سقراط وأفلاطون وأرسطو.. وهذا ما دعا أحد أفاضل اليونان أن يقول: تهبنى الآلهة الحياة والجاه، أما الروح الهادىء القنوع فهذا من شأن نفسى، أما المسيحية فهى ديانة روح وحق وحياة... والكنائس مقدسة، والتعاليم سامية لأنها إلهية..

التجديد
بظهور المسيحية ظهرت حياة جديدة وتعاليم جديدة، فامتزجت التعاليم الدينية بالمبادئ الأخلاقية والأدبية.. وأخذت من المزيج رحيقاً حلواً استعذبته شعوب الأرض.

ونحن لا ننكر مكانة الفلسفات القديمة ودور رجال الفلسفة فى الأدب والفضيلة، ولكن لم يرضَ المثقف يوماً الاقتراب من الجاهل، ولا الكبير من الصغير، ولا الغنى من الفقير، فالقانون الأدبى اليونانى كان يفرق بين الطبقات، فلا تتعجب إن قرأت عن كلسس Celsus - وهو أحد كبار رجال الأدب القديم - يطعن فى الآداب المسيحية بقسوة، لأنه وجد جماعة المسيحيين تتكون من رجال أُميين وعبيد وعمّال.. ليسوا أهلاً فى نظره للجلوس فى معهد علمى والتكلم باللغة اليونانية.

ولكن شكراً لله الذى جعل من الأُمى الجاهل، والعبد الذليل، والعامل الحقير.. عالماً حراً ماهراً.. فقد زوّد الجميع بقانون أدبى عملى، عجزت عن تطبيقه مجامع العلوم القديمة ومعاهد الفلسفة اليونانية!

ويبدو التجديد واضحاً فى مفهوم الحب! فعند قدماء اليونان والرومان، كان الحب يعنى التمرغ فى حمأة الإثم والتفرغ للشهوات الدنيئة. أما المسيحية فجعلت المحبة جوهر حياتنا، وأساس علاقتنا بالله، ودعامة الحياة الأُسرية.. بعد أن توجتها بالرحمة والتضحية..

التسامح

لم تنتشر المسيحية بقوة السيف والنار، ولم تجبر أحداً على اعتناق مبادئها وتعاليمها، بل انتشرت على أيدى رسل بسطاء، معظمهم صيادين.. ولكنهم قد اشتهروا بالرأفة والرحمة..

قديماً نصح ميسيناس- رجل روما الفذ- الإمبراطور أُغسطس، أن يتسامح فى كل أمر ماعدا الدين، فلا يصرّح لدينانة أجنبية بالدخول فى مدينة روما العظيمة، وفى نبذة تاريخية يقول شيشرون: " يجب ألا يُسمح لأحد أن يتعبد لآلهة لم يعترف بها القانون الرومانى "، ولكن مصالح أولئك وغيرهم قد باءت بالفشل، فظهرت المسيحية دون أن يعترف بها القانون، ولم تكن هناك سلطة بشرية تحميها، فقوة إلهنا الحى، وسمو تعاليمه هى التى جعلت المسيحية تكتسح بتعاليمها معاهد العلم، والمعابد..

وإن كانت الديانات القديمة استرضت الآلهة بالقرابين الحيوانية، فالديانة المسيحية كانت ولازالت قرابينها الثمار القلبية، والأعمال الروحية، فقام المسيحيون يكرسون قلوبهم وأجسادهم وأرواحهم " ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ " (رو1:12).

الأربعاء، 5 أغسطس 2009

قصة انتشار المسيحية


لما بدأ المسيح يكرز بالإنجيل، اختار من بين أتباعه إثني عشر رجلاً، ودعاهم رسلاً (لو6 :13) لأنه أراد أن يرسلهم إلى العالم، ولما أكمل عمله وقام من بين الأموات وكان على وشك الصعود، سلّم إليهم مأمورية الكرازة, ووكل إليهم أن يتلمذوا جميع الأمم (مت28 :19) ويشهدوا له إلى أقصاء الأرض (أع1 :8).

ولأن الإنسان ضعيف ومعرّض للزلل، أمرهم أن يمكثوا في أورشليم حتى يُرسل إليهم الروح القدس ليقوّيهم ويذكّرهم بالحق، ويعصمهم من الخطأ في تبليغ الرسالة, ويعدّ لهم القلوب, وامتثالاً لأمره (لو24 :49) (أع1 :5) مكثوا في أورشليم منتظرين إتمام الوعد.

ففي ختام خمسين يوماً من قيامته، كان الرسل مع جماعة من المؤمنين يبلغ عددهم (120) يصلّون ويسبّحون الله, وإذا بصوت كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت حيث كانوا جالسين, وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أُخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا (أع2 :1-13) كما ملأهم الروح القدس بالمحبة والإيمان والشجاعة ومعرفة الحق.. (يو14 :26).

ومن ذلك الوقت لم نسمع أنهم بشروا في بلاد أجنبية بعد درس لغاتها, لأن الله قد أعطاهم قوة التكلم بالألسنة (أع2 :3،4)، كعلامة على أن روح الله يعينهم على الكرازة بأية لغة أينما ذهبوا, وأن بعضاً من الرسل إن لم نقُل كلهم أيدهم الله بالمعجزات الباهرة (أع3 :1-11) إلا أنهم عملوا هذه المعجزات باسم المسيح، وليس بقوتهم ولا تقواهم (أع3 :12).

وبعد ذلك ببضعة سنوات، اهتدى بولس إلى الإيمان بالمسيح بمعجزة عجيبة (أع 8) وأرسله المسيح رسولاً، وأيده بالمعجزات كباقي الرسل (أع14 :8-10).

وساعد الروح القدس الرسل في مناداتهم بالإنجيل وكتاباتهم, وعصمهم من الخطأ, وأرشدهم إلى الحق الذي أراد الله إعلانه للناس, فما كرزوا به، وما كتبوه، ليس كلامهم بل كلام السيد المسيح (مر13 :11) (يو14 :26) وعليه فجماعة الرسل صادقون في دعواهم بالرسالة من الله (1كو1 :1) (غل1 :1).

ثم إن قوة الله وفاعلية الحياة المقدسة، التي عاشها المسيح على الأرض، ظهرت تمام الظهور بكرازة الرسل لأنه لم يمضِِ وقت طويل حتى إن أُلوفاً كثيرة من اليهود (أع2 :41 و4 :4)، بل من نفس الكهنة اعتنقوا المسيحية (أع6 :7 و21 :20)، كما آمن من الأمم جماهير كثيرة انتقلوا من الظلمة إلى النور.

ومن المعلوم أن المسيح نهى عن استخدام الأسلحة لنشر الدين, ولذلك قال لبطرس عندما جرد سيفه ليدافع عنه " رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ لأَنَّ كُلَّ الذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (مت 26 :52).

وليس بفصاحة الكلمة جذب الرسل الناس إلى الإيمان بل كانت كرازتهم بسيطة معنىً ولفظاً (1كو2 :1-5) ولما كتبوا البشائر والرسائل, لم يستعملوا لغة عالية لا يفهمها إلا العلماء, بل كتبوا ما كتبوه بأبسط العبارات، مما يستطيع أن يفهمه الناس بغير عناء، لكى يحصلوا من أقرب طريق على رحمة الله فتُستأثر قلوبهم إلى الخلاص.

ثم إن الإنجيل لا يشجّع أحداً على إشباع شهواته الجسدية " أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ كَغُرَبَاءَ وَنُزَلاءَ أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الجَسَدِيَّةِ التِي تُحَارِبُ النَّفْسَ" (1بط2 :11), ولا يوهمه أنه بمجرد اعترافه بالمسيحية ينجو من عقاب الدنيا والآخرة مع إصراره على خطاياه (مت2 :21) (يو8 :34).

ولم يشتغل الرسل بين المتمدّنين فقط, بل اشتغلوا في كل البلاد.. وظهرت نعمة الله للعيان في تحويل الأشرار إلى صالحين، فكان المهتدون منهم يبثون بشرى الخلاص وأما اليهود الذين لم يؤمنوا فكانوا أول المقاومين للذين آمنوا, ثم نسج على منوالهم بعد ذلك الوثنيون, وأخذوا يضطهدون المسيحيين بقساوة بربرية.

ولكن رغم الاضطهاد العنيف، تقدمت المسيحية بالصبر والمحبة واللطف.. فخشَ أباطرة الرومان من سطوة الإنجيل على الوثنية التي يدينون بها, فأثاروا على المسيحيين اضطهادات عنيفة وابتدأت هذه النكبات في زمن الملك نيرون, الذي أعدم الرسولين بطرس وبولس, وأحرق كثيرين أحياء وجعل من أجسادهم مصابيح ومشاعل لإنارة بساتين قصره ليلاً!!

وكان الرومان في ذلك الوقت يتعبدون للأوثان ولملوكهم الأشرار!! وقد سعوا أن يستميلوا مواطنيهم المسيحيين إلى تلك العبادات المحرّمة، ولكنهم لم يفلحوا, فهجموا عليهم وساقوهم إلى قبورهم بميتات شنيعة، واستولوا على أملاكهم.

ويرجع الصدام بين المسيحية وروما، إلى أن الرومان لم يفهموا معنى قيام مملكة الله على الأرض، وظنوا أن المسيحيين يطمعون في إقامة ملكوت سياسي.

كما يبدو أن المسيحية استفزت كبرياء الرومان بدعاواها الغريبة فى ذلك الوقت، فقد نادت أن العالم سيحترق بنار ليفسح الطريق لسموات جديدة وأرض جديدة، وأن مدينة روما لا بد أن تسقط، وأن ملكاً سيأتي من السماء له يخضع المسيحيون، وأنه في وسط الخراب القادم سينعم المسيحيون بالسلام.

وبطريقة ما كان المسيحيون لا يتساهلون مع الديانات الأُخري، فالمسيحية لا تتساوي مع أي ديانة، بل هي تسمو فوق كل الديانات، وبدت هذه الروح كأنها عدائية، أضف إلى ذلك انعزال المجتمع المسيحي، فلم يكن مسموحاً لأي وثني مهما بلغ من الورع، ومارس تطهير النفس، عن طريق التصوف وطقوس ديانته القديمة، أن يكون عضواً في الكنيسة المسيحية ما لم ينبذ تلك الأشياء العزيزة عليه.

وكان المسيحيون يجتمعون ليلاً في اجتماعات سرية، وقد اتهمهم أعداؤهم بأنهم يرتكبون أبشع الجرائم في تلك الاجتماعات مثل إقامة ولائم للفسق وغير ذلك من الرذائل وكان كل ذلك لانعزالهم.

أضف إلى ذلك العناد الذي قابل به المسيحيون مطالب الإمبراطورية، وكان ذلك مثيراً جداً للحكام الرومان، وقد بدت شجاعة الشهداء أمام أعدائهم كنوع من التعصب العنيد وقد أشار الامبراطور أوريليوس إلى المسيحية مرة واحدة بتلك العبارة: عناد محض!!

ولم يقنع المسيحيون بالانسحاب من الممارسات الوثنية بل هاجموا الديانات الوثنية بشدة، لأنها تعاليم شياطين، وعبادة الإمبراطور نجاسة، ومن ثم وقعوا تحت طائلة الاتهام بعـدم الولاء للإمبراطور، والإجـرام في حقه، وهزأوا من القول بأن عظمة روما ترجع إلى احترامها للآلهة!!

وهكذا ظهـر المسيحيون ملحـدين من وجهة نظر الوثنيين، وحيث أن الديانة كانت مسألة ترتبط بسلامة الدولة وخيرها، فإن الإلحاد يمكن أن يستجلب غضب الآلهة على الدولة، فإذا مابدأت المصائب والكوارث تنهال على الامبراطورية، حتى ألقوا باللوم على المسيحيين، فقد أصبح المسيحيون هم كبش الفداء، عندما تقع الكوارث، فإذا حدثت مجاعة أو قام زلزال أو انتشر وباء، أو أي كارثة قومية، ترتفع الصرخات مطالبة بالقاء المسيحين إلى الأسود.

إلا أن هذه الاضطهادات المروّعة، لم تستطع أن تزعزع أساس المسيحية الصلد، الذي ثبت بقوة أمام هجمات الإمبراطورية الرهيبة كالجبل الراسخ, لأن ذراع القدير كان يحميها، وعنايته تشملها، وحقَّت عليها نبوة المسيح: " عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت16 :18).

وفضلاً عن كونها لم تتزعزع، امتدت وأزدهرت في وسط هذه البلايا, إلى أن تحوّلت معابد الأوثان في كثير من البلاد إلى كنائس مسيحية.

ومع أن المسيحيين قد غلبوا بصبرهم ولطفهم حتى عظمت طائفتهم, إلا أنهم لم يقاوموا مضطهديهم، ولم يرفعوا في وجوههم سلاحاً لا هجوماً ولا دفاعاً, سوى سلاح الصبر والإيمان !!

الثلاثاء، 23 يونيو 2009

الإنسان والدين واللـه


نشهد فى هذا العصر محاولات كثيرة فاشلة، تحاول أن تُقيم نظرية متكاملة عن السعادة، خالية من النبض الإلهى! لأن كثيرين قد رفضوا الدين كدستور نافع للحياة، وقد نسوا أو تناسوا أن الإنسان قد خرج من الله، وستظل روحه هائمة إلى أن يلتقى بالله، كما قال القديس أُغسطينوس.

ولكن يبدو أن العلم وما فجّره من اكتشافات جعلهم يبحثون عن ماديات، متجاهلين قدرة خالقها! ولهذا أصبحنا نرى كل شئ يتحسن: المسكن، المأكل، الأدوية، وسائل الاتصالات، سُبل الرفاهية... نعم كل شئ يتحسن من حولنا إلا البشر! الذين أصبحوا مجرد تروس فى آلة الحياة الكبرى، وقد زادهم التقدم غروراً وكبرياءً، فأقاموا الطبيعة معبداً، والعلم إلهاً، وجدفوا على الله وأنكروا حقه عليهم!!

ولو أنهم تعمقوا قليلاً لوجدوا أن الله داخل فى كل شئ وخارج عن كل شئ، ومن يهاجمه يؤكد حقيقة وجوده، ومن يتشكك بوجوده كمثل سمكة تشكك بوجود الماء من حولها، غير مدركة أن عدم وجود الماء يعنى موتها! وها نحن نتساءل:


إن كان الله غير موجود فلماذا يهاجمونه؟! هل يوجد غير المجنون يصارع كائنات وهمية؟ أيستطيع إنسان أن يسمى ابنه الله ؟ فإن كان اسم الله يرهب البشر، أفليس هذا دليل لا على وجوده فقط، بل وعلى جبروته أيضاً!

ولكن الإنسان لقساوة قلبه وكبرياءه لايرى الله، فصار كالأعمى الجاهل الذي يرفض وجود الشمس لأنه لا يرى فى حين أن حرارتها هى أعظم دليل على وجودها، فإن كان لا يرى الضوء أفلا يشعر بالحرارة!!

لقد نادى " نيتشه " الفيلسوف الألمانى الملحد بأن الله قد مات!! ولكنه لم يقدم طريقة تؤدى إلى خلود الإنسان، وقد تجاهل إن كل ما فى العالم وسائل يخاطبنا بها الله، لكي يؤكد لنا حقيقة وجوده ولكننا لا نسمعه بسبب ضجيج الأفكار، وهيجان الرغبات، وثورة الشهوات، ولو كان لدينا حواس روحية مدرّبة، لكنا نراه فى لمعان النجوم، ونسمعه فى إيقاعات نبضات قلوبنا، ونشعر بوجوده فى كل نسمة هواء من حولنا..

وليس من الصحيح تأكيد وجود الله لمجرد أن بحاجة إليه، فقد تكون الحاجة إلى الله حالة مرضية، مثلما يحتاج الشخص البالغ المريض إلى لعبة صغيرة لينام!! ولكن إن شعر الإنسان بحكم طبيعته، بالرغبة فى الله وبضرورة وجوده، فالأمر هنا مختلف، ففى الطبيعة تمثل الحاجة والرغبة الفطريتان دليلاً على وجود ما من شأنه أن يُرضيهما.

فالطيور المهاجرة تشعر بالحاجة إلى الأراضى الاستوائية، وهذا الشعور هو دليل على حقيقة وجود تلك الأراضى، كما أن حاجة الإنسان إلى الماء والطعام دليل على وجودهما.

إن العالم محدود، إذن لا يمكن له سوى أن يُشبع الجانب المحدود فى الإنسان، وهكذا سيظل الإنسان يبحث عن غير المحدود وإن كان لا يدركه! وكأن الإنسان اختار لنفسه أن يعيش أسيراً فى حلقة مفرغة، حُكم عليه فيها بالجوع والعطش إلى الأبد! إلى أن يجد الله الذى خلقه ولن يستطيع أن يحيا هادئاً بدونه!

وإليك بعض الأمثلة:


نعلم جميعاً أن الإنسان مائت، لأنه كائن مخلوق له بداية، وكل ما له بداية له نهاية أيضاً! لكنه لا يقبل الموت كحقيقة مؤكدة، وإلى الآن يحلم بظهور مادة تجدد شبابه وتُطيل عمره، وتحقق له أعظم أحلامه ألا وهو الخلود! ولأنه عاجز عن تحقيق هذا الوهم يسعى إلى التخليد بوسائل أُخرى قد تكون: عائلة يكوّنها، أو مملكة يحكمها، أو كتاب ينشره، أو أولاد يحملون اسمه... ومن هذه الوسائل وغيرها يُعلن الإنسان أنه يطمع فى لخلود، لأن ما يريده هو الوجود الدائم وليس المحدود!


ولو تأملنا سعى البشر وراء شهوات الجسد لوجدنا أنه سعى وراء غير المحدود، ولنأخذ حب المال على سبيل المثال فنقول: في البداية يحاول الإنسان تأمين مستقبله وهو في هذا لم يخطئ ، ولكن ما أن يزداد غناه فسرعان ما يزداد الطمع بالمال، إلا أن سُلم الطمع لا نهاية له، فماذا يفعل الإنسان؟ يظل يرتقى درجاته إلى أن ينتهى وجوده التافه، الذى لم يكن سوى فراغ محض!

ويتجلى العطش إلى غير المحدود بكل وضوح فى العلم، ولهذا نجد العالم أو الباحث... ما أن يقدم للبشرية اختراعاً، فسرعان ما يبحث عن غيره، وهكذا الفنان والكاتب والشاعر... يسعى كل منهم إلى إبداع ما هو أسمى باستمرار.

فالإنسانية كلها لا ترضى بتراثها سواء العلمي أو الفكري... بل تسعى بمداومة إلى حقيقة أفضل وجمال أروع! ولذلك نرى تاريخ الشعوب حافل بالثورات، ملئ بالانقلابات، وهذه كلها إنما تدل:


ليس فقط على مطامع الإنسان وسد حاجاته الاقتصادية وإشباع شهواته الجسدية فقط، بل وتؤكد أيضاً حنين الإنسان الدائم إلى كل ما هو أفضل، واشمئزازه المستمر من واقعه الذى بمداومة يرفضه، ولهذا لا يمكن أن يبقى على ما هو عليه، لأنه دائم التفكير فى عالم جديد، وباستمرار يتصور أشكال مثالية للحياة، معيداً الكرة بعد كل فشل.

هنا تظهر فكرة التقدم، التي هي أعظم دليل على أن الإنسان، يميل فى كل لحظة لتجاوز نفسه باستمرار، واندفاعه للأمام بحركة لا تتوقف والسبب: إن غير المحدود يجتذبه باستمرار وهو لا يرتاح إلا إليه.

ولو تأملنا في طبيعة البشر لوجدنا أن معظم الناس لا ينجحون في جذب الجانبين: المحدود وغير المحدود معاً، ولهذا فإن اليأس كثيراُ ما يتملك على البشر كنتيجة طبيعية للفشل المتكرر في حياتهم، وما اليأس إلا علامة تؤكد ضعف الإنسان، واحتياجه إلى قوة أعظم منه، تستطيع أن تعالج ما فشل فيه، وما عجز عن تحقيقه.

أما النفوس اليائسة، الحائرة، فلن تحقق استقرارها إلا من خلال علاقة إيمان بالله، هنا يظهر الجانب الإيجابي لليـأس، إذ يجعل الابن المتمرد على الله، يعود إلى ذراع أبيه السماوي مرة أُخرى.. وهكذا فإن العنصر الأبدي الذى زرعه الله فينا، يجعلنا ولو في بعض الأوقات نشعر باليأس، ويتملكنا القلق، إلى أن ندخل أخيراً بيتنا الحقيقي، ونحيا مع الله الذى أحبنا وبذل ذاته لأجلنا.

ألم تسأل نفسك مرة: لماذا عندما يقترب الإنسان من الله يبتعد تلقائياً عن العالم بكل مادياته وشهواته ولذاته..؟ أعتقد أن الاقتراب من اللا محدود يجعل الإنسان لا يبالى بكل ما هو محدود، والحياة مع الخالق تجعل الإنسان لا يتعبد للمخلوق، ألم يقل داود النبي: " َمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئاً فِي الأَرْضِ" (مز25:73)!

الأحد، 7 يونيو 2009

الكتاب المقدس كلمة الله


من أين جاء الكتاب المقدس؟ نحن نفكر في العادة بأن الكتاب المقدس هو كتاب ذو جزأين وهما العهد القديم والعهد الجديد، ومن الصواب أيضا أن نقول: إن الكتاب المقدس هو موسوعة من الكنوز الروحية، وفى اختصار لاحظ الجوانب الستة الآتية فيما يتعلق بالكتاب المقدس.

الوقت

كم يبدو غريباً إذا عرفت أن المدة التي استُغرقت في كتابة الكتاب المقدس، تصل إلى(1600 عاماً )! غير أن الوحدة والتجانس فيه، تُعلن تأثير الله المستمر في توجيه قطعة أدبية متكاملة الجوانب، رغم هذه السنين الطويلة.

الكتّاب

حوالي (40 كاتباً ) اشتركوا في تدوين الكتاب منهم: رعاة (عاموس)، وحكماء (سليمان)، وملوك (داود)، وفلاحين (ميخا)، وصيادين سمك (بطرس)، وأطباء (لوقـا)، ودارسين (بولـس)، ورجال دولـة (دانيال)، وجابي ضرائب (متى)، وكهنة (إشعياء)...

وعلى الرغم من طول الزمن الذى استغرق عملية تدوين الكتاب المقدس، والخلفيات المختلفة، والثقافات المتعددة، ومفردات اللغة المتباينة... إلا أنه يبدو كقطعة واحدة، وهذا أعظم دليل على أنه كتاب سماوى.

اللغة

على الأقل ثلاثة لغات استُخدمت في كتابة رسالة الله للبشر: العبرية وهى اللغة الأولية للعهد القديم، واليونانية وهى اللغة الأساسية للعهد الجديد، والتى كانت في القرن الأول للميلاد هي اللغة الدولية للعالم القديم، وقد استُخدمت الآرامية في بعض أجزائه من كلا العهدين القديم والجديد، وقد كانت اللغة الأولية لعالم الكتاب المقدس لمدة حوالي مائتي عام (500 – 300 ق. م).

وهنا نلاحظ أن الأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس استخدموا لغات حية، كانت أكثر شيوعاً في الاستخدام والتخاطب والفهم في أيامهم، ولم يستخدموا أية لغة خاصة كما نجد في بعض الديانات!! وذلك سهّل ترجمة الكتاب المقدس لكل لغات العالم، وسهّل انتشاره بين الناس، وجعل منه الكتاب الأول فى كل زمان.

الصور الأدبية

كثير من الصور الأدبية والأساليب البليغة، استُخدمت في الكتاب المقدس، فهناك قوانين مختلفة منها مدنية وجنائية وأخلاقية وطقسية.. وأيضاً يوجد شعر وتاريخ وأمثال وفلسفة وتاريخ ورسائل شخصية وعقائد وذكريات ومذكرات يومية..

المكان

في أماكن كثيرة فى ثلاث قارت: أسيا وإفريقيا وأوربا، تمت الكتابة الفعلية للكتاب المقدس، فمثلاً كتب موسى في صحراء سيناء، وأملى الرسول بولس رسائل في سجن روما، وأنشد داود المزامير على تلال فلسطين، وكتب يوحنا من جزيرة بطمس، ورأى دانيال رؤى وهو في السبي ببابل، وتنبأ إشعياء في المدينة المقدسة أورشليم.

الموضوعات

إن الكتاب المقدس يُعطى ثروة موضوعية لا حصر لها، شاملاً: المشاعر والعواطف والمشاكل وجوانب تخص جميع البشر، فالقارئ المثقف يجد عناوين متنوعة كالسلالات والأخلاقيات، ونصائح في تربية الأطفال وجغرافية وتاريخ ومبادئ قيادة، ومعارك ومآسي وصداقات وصلوات...

ولا يمكن توضيح هذا إلا بأن الكتاب المقدس موحى به من الله، والكلمة التي ترجمت " موحى " في الكتاب المقدس (2تيموثاوس3: 16 ) هي الكلمة اليونانية التي معناها الحرفي (الله يتنفس) وهذا يعنى أن الأصل الإلهي في داخله، معطياً إياه حياة.

عصمة الكتاب المقدس

هل حدث تغيير في الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم؟ أستطيع بكل ثقة أن أقول " لا " لعدة أسباب منطقية:

عندما يُعطى الله الإنسان كتاباً من عنده، فهل تظن أنه لا يستطيع المحافظة عليه من عبث البشر؟! أعتقد أن من ينادى بتحريف الكتاب المقدس هو إنسان يهرطق، لأنه ينسب الضعف إلى لله!! ويشكك في قدرة الإله القدير، وهذا يعنى: إن الإنسان أقوى من الله، ويستطيع أن يعبث بكتابة!! وها نحن نتساءل: من الذى زوّر أو قام بتحرّيف الكتاب المقدس؟ وأين؟ ولماذا؟ أنت تعرف أن الكتاب المقدس قد تُرجم من البداية إلي لغات عديدة، وانتشر في القرن الثاني الميلادي في كل ربوع الأرض، فمن الذي بمقدوره أن يصل إلي كل النسخ بلغاتها المختلفة، فيجمعها ويخفيها.. ثم يقوم بنشر الكتاب الذى من صنعه؟؟

وتذكّر أن العهد القديم الذي لدى المسيحيين وإلى الآن يطبعونه، هو نفسه كتاب اليهود، وأنت تعرف العداء القائم بينهما، فكيف اتفقوا على تزويره؟ وما هى الأسباب التي دفعتهم للاتفاق على تزويره؟ وهل يزوّر الإنسان لكى يصبح غنياً أم فقيراً ؟ فلقد كان كل العالم ضد المسيحيين الأوائل! الذين كانوا أقلية قليلة لا تُذكر، وقد استُشهد منهم كثيرون، وهم يدافعون عن دينهم السماوى، متمسكين بكتابهم المقدس الذى هو دستورهم، فهل يدافعون عن كتاب كاذب قاموا هم بتزويره؟! أعتقد لو أنهم كذبوا على الناس وضللوهم، فمن المستحيل أن يكذبوا على أنفسهم ويموتوا من أجل قضية ألفوها!!!

وهل تعرف أنه يوجد الآن أكثر من (24000) مخطوطة أثرية للكتاب المقدس، ترجع تواريخ كتابتها إلى القرون الأولى للمسيحية، وأنه لا يوجد اختلاف واحدة منها وبين الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم؟

إن أسهل شئ ممكن حدوثه هو، أن يتهم إنسان أخيه الإنسان بأى تهمة يريدها، ولكن من الصعب إن يثبت بالأدلة والبراهين إدعائه (فالبينة على من إدّعي).

صمود الكتاب المقدس

لم يلقَ كتاب آخر مثلما لقيه الكتاب المقدس من إضطهاد وافتراءات.. فقد حاول كثيرون أن يحرقوه ويمنعوه منذ أيام أباطرة الرومان حتى الحكم الشيوعي في العصر الحاضر! حتى قال فولتير- الملحد الفرنسي المتوفي عام 1778م- إنه بعد مائة سنة ستكون المسيحية قد أُمحت وصارت تاريخاً !! ولكن ماذا حدث ? مات فولتير، وزاد توزيع الكتاب المقدس في كل أحاء العالم? ولم تمضِِ خمسون سنة على وفاة فولتير حتى استعملت جمعية جنيف للكتاب المقدس مطبعته ومنزله لطبع ونشر الكتاب المقدس!

وفي عام 303م أصدر دقلديانوس أمراً بالقضاء على المسيحية! بإحراق الكنائس، والكتب المقدسة، وحرمان كل مسيحي من الحقوق المدنية!! ولكن الإمبراطور الذي خلفه على العرش كان قسطنطين الذي أوصى يوسابيوس بنسخ خمسين نسخة من الكتاب المقدس على نفقة الحكومة!!

عندما حاول أحد ملوك فرنسا أن يضطهد المسيحيين في دولته، قال له محارب قديم من رجال الدولة: إن كنيسة اللّه هي السندان الذي أبلى كل المطارق، ولقد حاولت مطارق كثيرة إيذاء الكتاب المقدس ? فبليت هي وبقي هو! ولو لم يكن هذا هو كتاب الله لدمّره البشر منذ زمن طويل.

نعترف بأن ملوك وأباطرة وأمراء وحكام... حاولوا أن يمدوا أيديهم إلى الكتاب المقدس بالأذى? فماتوا هم وبقي هو حياً!! وما أكثر الذين أعلنوا آلاف المرات موت الكتاب المقدس? لكنهم ماتوا والكتاب السماوى ظل حيّاً!!

ويبقى السؤال: لماذا لم يحدث أن كتاباً آخر لقي كل هذه الغربلة والطعنات? أي كتاب من كتب الفلسفة لقي ما لقيه الكتاب المقدس من تجريح? أليس صمود الكتاب المقدس أمام موجات الاضطهاد العنيفة يؤكد أنه كتاب سماوى! أليس سر بقاءه إلى الآن دليل على أنه من عند الله! أعتقد أن الملايين الذين يقرأون الكتاب المقدس، لو لم يجدوا فيه سعاداتهم وخلاصهم وحلول لمشاكلهم.. ما قرأوه أو درسوه.

وهل ننكر أن الفلسفة ظلت قرون طويلة بمعزل عن ديانة الجليلي المصلوب، الذى فى نظرهم كان يمثل الضعف لا القوة، الجهل لا الحكمة، التضليل لا الهداية.. ولكن ما أن انتشرت المسيحية ورسخت كقوة دائمة في الفكر الانساني، تنازلت الفلسفة وألقت بتاجها تحت أرجل مؤمنين بسطاء، لا يملكون بريق الكلمة بل قوة الروح.

وهكذ أخذ الفلاسفة تعاليم وأقوال المسيحية في الحسبان، وبعدما اكتشفوا ضعف أفكارهم ومعتقداتهم بدأوا في إصلاح أنفسهم، ودراسة هذا المعتقد الجديد، الذى لم يؤلفه إنسان وفقاً لأهوائه الخاصة، وأمنوا أن السيد المسيح صنع بالضعف ما هو أعظم من القوة!! فإلى كل الذين يقاومون كلمة الله نقول:

إن وضع أكتافنا في عجلة لنمنع دوران الشمس،

أسهل من أن نوقف طبع وتوزيع الكتاب المقدس

الخميس، 28 مايو 2009

الدين والديانة


ليس أصعب على الباحث من تعريف الدين تعريفاً عاماً يشمل كل الأديان والمعتقدات، وترجع الصعوبة الناشئة من تعريف الدين تعريفاً جامعاً، هي أن لكل دين نواحي خاصة به، سواء كانت في الشعور أو الاعتقاد أو طرق التعبد..

كما أن البعض يريدون بالدين: الأنظمة والتقاليد الموروثة، ويقصد به آخرون العبادة والطقوس، ويطلقه البعض على الإلهام والشعور..

وفوق هذا الاختلاف يدمج بعضهم الأساطير بمفهوم الدين، لأنهم وجدوا فى الأساطير المختلفة شيئاً من فكرة الدين.. فما هو الدين بحسب مفهومنا؟

تعريف الدين

إن كلمة " ديانة " في اللغـة العربية مشتقة من الفعل " دان " أي " خضع أو أطاع "، فإذا قيل: فلان دان بالمسيحية، يكون المقصود خضع لها وأطاع تعاليمها.

وقد تأتي ديانة أيضاً من دان أي " اقترض " ، لأن الإنسان مدين لله بوجوده وحياته..

أو تأتي بمعنى : " الحساب أو المحاكمة أو الجزاء "، فإذا قلنا " يوم الدين "، يكون المقصود بها " يوم الحساب "

وفي اللغة اللاتينية نجد أن كلمة " دين " تكشف عن علاقة الفرد بالله من خلال قواه النفسية الثلاث ألا وهى: العقل والوجدان والإرادة.

فالأديب شيشرون يرى: إن أصل كلمة ديانة " Religion"، والمشتقة من " Re-ligere " تعنى: " أعاد القراءة " أو " قرأ ثانية "، لأن الإنسان المتدين يكرر باستمرار تلاوة الواجبات والوصايا المفروضة عليه من الله.

وهي هنا تشيد بالعقل، الذي يسعى إلى اكتشاف معنى الوجود، ويقرأ واقع الحياة قراءة إيمانية، والله هنا هو موضوع الدين، فهو المطلق، والقيمة والهدف والمعنى والعمق..

ويرى القديس أُغسطينوس أن أصل " Religion" هو " Re-eligere " أي " اختار ثانية "، فالدين هو أن يختار الإنسان الله من جديد، بعدما ابتعد عنه بهفواته أو تمرده أو عصيانه، وهذا الاختيار يتم بإرادة الإنسان الكاملة وبملء حريته، فهو هنا يركز على الإرادة الحرة.

ويقول الأديب " لاكتانس Lactanc" : إن أصل كلمة Religion هو Re-ligare ومعناها " ربط " أو " تكوين علاقة " لأن الدين هو الرابط الذي يجمع بين الله والإنسان إنه ربطاً مبنياً على المحبة، فالله محبة وكل ما يصدر عنه أو يخرج منه إنما هو حب ويدعو إلى الحب، والإنسان مخلوق على صورته، فالعلاقة هنا وجدانية.

مفهوم الديانة

أما الديانة فيمكن تعريفها بأنها: مجموع الواجبات، التى يقوم بها الإنسان خلال علاقته بالله، وهذه الواجبات يمكن حصرها فى أربعة:

فالله خالق الإنسان فهو إذن السيد، ويترتب على ذلك أن يعترف الإنسان بسيادة الله وسلطانه المطلق عليه، ويسمى هذا " واجب العبادة ".

كما أن الله يحفظ الإنسان ويعينه في أعماله، فكل ما للإنسان من خير هو مدين به لله، ويترتب على ذلك واجب ثانٍٍٍٍ ألا وهو: أن يحب الإنسان الله وأن يشكره، ويسمى هذا " واجب الشكر".

ومن المعروف أن الله يدبر الإنسان لأنه مصدر حياته، وهذا يعنى أن الإنسان يجب أن يطلب من الله ما هو بحاجة إليه، ويسمى هذا " واجب الصلاة ".

وأخيراً، إن الإنسان كثيراً ما يُخطئ إلى الله، ولا يجوز أن يدع الله الإنسان حراً في أن يخطئ إليه من غير عقاب، ويترتب على ذلك أن يستعطف الإنسان عدالة الله، وأن يلتمس رحمته، ويسمى هذا " واجب الاستغفار".

مضمون الديانة

لو أننا قابلنا الديانات، لنستخلص الجوهر المشترك بينها لرأينا أن الديانة تتألف من ثلاث عناصر رئيسية وهي:

المعتقد

وهو مجموعة حقائق أساسية لا غنى عنها ولا بديل لها، يجب على الإنسان معرفتها والتصديق بها، فوجود الله، وأنه أسمى من الإنسان، وأنه في هذه الدنيا واهب النعم، وسيكون بعد ذلك دياناً لنا، وأن المسيح هو ابن الله الذى ظهر فى الجسد، وقد مات على الصليب من أجل خلاص جنس البشر... بعض حقائق لابد لكل إنسان من الاعتقاد بها، لكي يُحسب متديناً، وهو بمعرفته إياها يكرم الله بفهمه.

يقـول " هوتشارلس جور Charles Gore " الأستاذ المتخصص فى عصر الرسل: إن تصور المسيحية الأولى على إنها طريق للحياة بدون عقيدة لاهوتية أمر ليس فيه انصاف، ولا تؤيده الأسانيد التاريخية.. لقد وجد من منذ البداية إيمان عام واحد، كثيراً ما أشار إليه العهد الجديد تحت اسم " التقليد " (1كو2:11) و" الإيمان المسلم مرة للقديسين " (يهوذا3).

الوصايا

وهى مجموعة من الواجبات الضرورية، فمعاملة الناس بالعدل والمساواة، وإكرام الآباء والأمهات، وعدم اشتهاء ماللغير، وعدم القتل والسرقة .. هي نذر يسير من الوصايا التي لابد لكل إنسان من السير بموجبها أو العمل بمقتضاها.. لكي يصير متديناً، وهو بمراعاته إياها يكرم الله بإرادته.

أما الوصايا الإلهية لم تُعطَ للإنسان إلا لراحته وسعادته، فالكلمات الإلهيّة المكتوبة، إنّما جاءت لعلاج ضعفنا البشري، وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إن نعمة الله كانت كافية أن تعمل في قلوبنا ككتاب حيّ نقرأه، لكنّنا إذ لم نتجاوب مع نعمته التزم من أجل محبّته أن يقدّم كلمته مكتوبة.

ويرى القدّيس أُغسطينوس: إن الله قدّم لنا كلمته المكتوبة كمصابيح مضيئة تشهد للنهار الأبدي، قدّمها من أجل ضعفنا لتنير لنا نحن الذين كنّا " قَبْلا ًظُلْمَة ًوَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ " (أف8:5).

العبادة

وهى تشمل مجموعة من الطقوس تعبر عن روح الديانة ومعتقداتها، يجب معرفتها وإتمامها فالإنسان أياً كانت ديانته يتقرب إلى الله، بواسطة طقوس ورموز معينة، يتممها وسطاء، وبممارسة الإنسان لهذه الطقوس يكرم الله بعاطفته.

والحق إن أى ديانة تريد أن تغور فى أعماق النفس البشرية يجب أن تكون ديانة طقسية تُقدم المعانى الروحية فى مظاهر مادية، تجتذب انتباه الحواس وتهبها عزاء.. وهل ننكر أن الكنيسة منذ أن نشأت وهى تسير وفق نظم محددة وطقوس خاصة؟

الإنسان المتدين

أما الإنسان فلكي يكون متديناً، ينبغى أن يمارس الواجبات الأربعة السابقة، كما يتعين عليه أن يتمم شروطاً نذكر منها ثلاثة فقط:

الأول: أن يقبل الديانة كعلاقة شخصية مع الله، إذن كل ما يقدمه من واجبات يؤديها لله فإذا قدّم صدقة لفقير، فلايصح أن يفعل ذلك بعامل الشفقة على القريب أو بعامل حب الإنسانية فقط، بل لأن الله قد أمر بالعطاء " بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيّاً لَكُمْ " (لو41:11)، وإلا كان عمله بشرياً لم يُطيّب بالطيب الإلهي.

الثاني: أن يخرج من دائرة النظريات إلى دائرة العمل، فلا ينبغى أن نُحب الخير فقط بل يجب أن نمارسه أيضاُ، فالإيمان بدون أعمال ميت، ولهذا يقول معلمنا يعقوب الرسول: " إنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: امْضِيَا بِسَلاَمٍ اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟ هَكَذَا الإِيمَانُ أَيْضاً، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ " (يع2: 15-17).

الثالث: أن تتسم حياته بالروحانية، فلا يمكن أن يكون إنساناً باراً مالم يكن عابداً حقيقياً بالروح لله، ولهذا يوصى معلمنا القديس بولس الرسول أهل رومية قائلاً: " غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاِجْتِهَادِ، حَارِّينَ فِي الرُّوحِ، عَابِدِينَ الرَّبَّ " (رو11:12).

وقد وبخ رب المجد يسوع خادم كنيسة لاودكية لأنه كان فاتراً " هَكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِداً وَلاَ حَارّاً، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" (رؤ16:3).

والحق إن العبادة الشكلية، هى بمثابة نزع الروح من الجسد، ولا تقود الإنسان إلا إلى الكبت، الذى يعد خراب للشخصية، ونحن نعرف خطورة الضجر على الإنسان، ونعرف أيضاً كم أثر الفتور والاستهتار على المؤمنين بالسلب! ولهذا لا نتعجب إن صام إنسان صوماً روتينياً! ثم بعد انتهاء الصوم مارس حياة النهم حتى سقط فى خطايا بشعة..