مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الأحد، 12 سبتمبر 2010

الأفكار التافهة


ونقصد بها الأفكار التي لا ينتفع منها الإنسان، لذا نسميها فارغة أو تافهة। ويوضح القديس " باسيليوس الكبير" أنَّ مثل هذه الأفكار، تنشأ من كسل الفكر غير المنشغل بالله، بسبب إهمال الإنسان لكل ما هو روحيّ। أمَّا خطورة الأفكار التافهة فتكمن في أنَّها تقف كحجاب أسود، يمنع الأفكار الروحية من التدفق لعقولنا، فنسقط في الخطية، وهي تمهد وتفتح الطريق للشيطان وتعطيه فرصة لكي

يلقي في عقلنا المتكاسل بذار الأفكار الشريرة، ولهذا يقول السيد المسيح: " وَفِيمَا النَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُّوُهُ وَزَرَعَ زَوَاناً فِي وَسَطِ الْحِنْطَةِ وَمَالقديس غريغوريوس اللاهوتيّ:" إذ فيما نحن فارغين يزرع فينا الشرير بذاره لكي يكون إهمال الخير بداية للشر، كما أنَّ بداية الظلام هي انحسار النور"।ضَى




أسباب الأفكار التافهة
بالإضافة إلى ما سبق تأتي الأفكار التافهة من عدة نوافذ أُخرى، منها ما هو داخليّ وما هو خارجيّ:


الحواس
فمن خلال الحواس الخمس تقتحمنا أفكار تافهة كثيرة وذلك عندما نسمح لعيوننا أن تنظر بشهوة، أو لآذاننا أن تسمع النميمة والكلمات البذيئة والنكت القبيحة والأغاني المثيرة، أو لأفواهنا أن تنطق بالكذب أو الحلف، وأيدينا أن تسرق أو تضرب، وأُنوفنا أن تتنسم روائح قد تجذبها للشهوة... فمثل هذه الأفعال تتسبب في جذب الأفكار الشهوانية وتملكها علينا، ولهذا يقول إرميا النبيّ: " لأَنَّ الْمَوْتَ طَلَعَ إِلَى كُوانَا دَخَلَ قُصُورَنَا لِيَقْطَعَ الأَطْفَالَ مِنْ خَارِجٍ وَالشُّبَّانَ مِنَ السَّاحَاتِ " (إر21:9)، والكوى تعني الحواس الخمس।


الخيال
وهو يتلقّى ويسجّل كل الصور والأحداث التي تدخل عبر الحواس الخمس، أيّ من الأشياء التي تُلمَس وتًُذاق وتُشَمّ وتُسمَع وتُرى। ويسمّى الخيال حساً داخلياً، لأنّه يُصوّر لنا الأشياء بشكل واضح مثل الحواس الخارجية، ولهذا يُعد الخيال مركزاً أساسياً من مراكز العقل، قد يفيد الإنسان أو يضره لو طاش في ما يفوق قدراته! إذاً، من الخيال تتولّد الأفكار السيئة في النفس فتجعلها تحسّ بهذه الأفكار وكأنَّها حاضرة فعليّاً، وتُصّور عقليّاً في الذاكرة، بسبب ما قد تلقته من حواس الإنسان الغير منضبطة।


الأهواء

وهي أحد أسباب الأفكار التافهة، ولهذا يُسمّي الأنبا إسحق الأهواء " مغتصبين " لأنّهم يهاجمون النفس من الداخل ويُثيرون الأفكار الشهوانية। وهناك ما يُعرف بأهواء العقل وهى كما يرى القديس غريغوريوس السينائيّ: عدم الإيمان، التجديف، الذمّ، الثرثرة، محبة الكبرياء॥ أمَّا الأهواء الشهوانية فتتمثل في: الفسق، الزنى، الإثم، الطمع، الفساد، الفجور، محبة اللذة، الإدمان،

محبة الذات॥ وفيما يخص أهواء الغضب نجد الآتي: الغضب، المرارة، الصياح وارتفاع الصوت، الوقاحة، الانتقام॥ من هذه

الأهواء في النفس تتولّد الأفكار السيئة، لهذا السبب قال القديس غريغوريوس السينائيّ: " الأهواء هي سبب الأفكار"।


الشياطين
هم سبب أساسيّ للأفكار السيئة، فمن المعروف أنَّ الشيطان " قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ " (يو44:8)، فمنذ أن خلق الله الإنسان هو قائم يُحاربه بكل جهده، عسى أن يُلقي البشرية كلها تحت حكم الموت، فهو الذي أسقط أبوينا- آدم وحواء- وتسبب في طردهما من الفردوس، وجلب بذلك الشقاء على البشرية كلها। وهو الذي استطاع بمكره أن يُسقط أنبياءً وقديسين وأشخاصاً قد حل عليهم روح الرب مثل: داود النبيّ وشمشون الجبّار وشاول الملك॥ فهو لا يقف ساكتاً أمام أيّ إنسان يحيا مع الله، ويسعى لعمل الفضيلة، بل يُحاربه ويُسمّى هذا بـ " حسد الشيطان "।


وقد وصفه مُعلّمنا القديس بطرس الرسول بعبارة بليغة قال فيها: " إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِساً مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ " (ابط 5 :8)، فالشيطان معروف بقوته الهائلة لأنَّه قبل سقوطه كان أحد الملائكة " الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً " (مز103 :20)। ويُعتبر الخِداع

هو المبدأ الذي تنطوي عليه كل حيل الشيطان ، فهو مُحتال في تزييف الحقائق، وكون الشيطان وجنوده أرواح خفية سريعة التنقل من مكان لآخر، لِذا يُحاربون بطرق وأساليب خفية وإيحاءات داخلية ويهمسون بكل الأفكار السيئة ، لتحويل الفكر إلى كهف لصوص ومغارة قذرة للأهواء، إنّهم يملأون الفكر بأوثان الزنى والنجاسة।


وعن طريق الوساوس يسعى الشيطان زعزعتنا أو شغل أفكارنا في أشياء سلبية، لكي يعوق تقدمنا الروحيّ، وفي الحياة الروحية يُحارب كالآتي: كل فضيلة تعملها سيحاول الشيطان: إمَّا أن يُشكّك فيها، أو يُحاربك بالرذيلة المضادة لها ، فإن كنت مُحباً للعفة يُحاربك بصور النساء !! وإن كنت تُعطي الفقراء وتسعى لخدمتهم يحاول منعك أولاً، فإذا فشل يتّهمك بأنّك تبحث عن المجد الباطل، وإن تحدّثت عن خبرة روحية من خبراتك لمنفعة غيرك بتواضع، يوهمك بأنّك تبحث عن الشهرة ومديح الناس॥


الطبيعة الفاسدة
ونقصد بها وضع الطبيعة البشرية الشهوانيّ الناتج عن الخطيئة الجدية، فبعد السقوط فقد العقل ذاكرته البريئة وفكره النقي، ولهذا

بينما يفكّر الإنسان بالخير فإذا به يتشتت مباشرة فيفكّر بالشر। ولهذا السبب قال القديس غريغوريوس السينائيّ: " إنَّ مصدر أفكارنا وأساسها هو حالة ذاكرتنا، فالذاكرة كانت أصلاً بسيطة ومركَّّزة، لكن كنتيجة للسقوط فسدت قواها الطبيعية، لقد خسرت رباطة جأشها بالرب وصارت مركبة بدل البساطة، وأصبحت منهمكة في أعمال مختلفة بدل من التركيز "।

الأحد، 22 أغسطس 2010

أهمية وخطورة الفكر


إنَّ الإنسان هو شبكة فكرية تتصل بسائر أعضاء الإنسان، فلو كانت الشبكة جيدة ستُرسل أفكار إيجابية وروحية॥ فينمو الإنسان روحياً، ويتقدم في حياته العملية وتستقر علاقاته الاجتماعية، إمَّا إذا ضعُفت الشبكة وتم اختراقها بواسطة أفكار ملحدين وخطاة ومجرمين.. فبكل تأكيد سوف يُعاني الإنسان، لأنَّ ما يزرعه من أفكار سيحصده أعمال।


صنع ملفات الذاكرة
وهى من أهم وظائف الفكر، فالطفل يولد بملفات عقليّة نقية، وبمرور الوقت يُدرك ما يحدث حوله من مواقف وأحداث॥ فيبدأ العقل

في فتح ملفات ذهنية لكل ما يحدث له أو يُصيبه، فإذا شعر بالخوف فتح العقل ملفاً للخوف، وكلما تكرر المواقف تصاعدت الأحاسيس ويتراكم الخوف في هذا الملف، ولأنَّ الطفل لا يستطيع تفسير كل ما يحدث، لذلك كثيراً ما تأتي تفسيراته خاطئة، فتتكون العقد والمشاكل النفسية التي يُعاني منها عندما يكبر! ولهذا يُعطي المربيون وعلماء النفس، أهمية كبرى لهذه المرحلة من حياة الإنسان، التي فيها تتشكل نفسيته وتتكون شخصيته।


التأثير على الذهن والجسد
وذلك عندما يبث أفكار متتالية لموضوع ما، فيربطها الإنسان بزمان أو مكان أو شخصية॥ ويدعمها باعتقاد حتى تصبح حقيقة وواقعاً ينتظره، وبمرور الوقت تُختزن هذه الأفكار بعمق في العقل الباطن، وأعتقد أننا رأينا أو سمعنا كثيرين يعتقدون أنَّهم يرون المستقبل أو أنَّ المستقبل ينتظرهم بأحداث سارة، لمجرد أوهام أو أفكار مغلوطة ترسبت في عقلهم الباطن! ويؤثر الفكر على الجسد ، فهو الذي يُرسل

إشارات إلى الأعضاء يطلب منها أن تعمل هذا العمل أو ترفضه، ولهذا قرر من الآن أن تكون أفكارك بنَّاءة، لأنَّ ذلك سيؤثر على جسمك।


ويؤثر الفكر أيضاً على السلوك، فالبداية فكرة ثم إحساس يدفعك إلى تنفيذ الفكرة، فيظهر سلوكك ولهذا يوصينا مُعلّمنا بولس الرسول أن يكون لنا فكر المسيح (1كو16:2)، ليكون سلوكنا متسامحاً وليس عدوانياً.


التحكّم في المشاعر
إنَّ الأحاسيس هي رد فعل طبيعيّ لِما يحدث بداخلنا من أفكار وملفات ذهنية، فقد يتكون لديك أفكاراً بأنَّ شخصاً يُحبُّك، فإذا قابلته سوف تبتسم فرحاً وتُصافحه مطمئناً، أمَّا إذا كنت تعتقد أنَّه يكرهك، فربَّما تُُكشّر في وجهه، أو تستخدم إشارات لتتجنب الحديث معه، كخفض الرأس أو تحريكها من جانب إلى آخر إشارة إلى الرفض أو هز الكتفين وهو منظر مألوف لإظهار أنَّ الشخص لا يرى أو لا يفهم نوعية الحديث، وإظهار الأسنان يُشير إلى العداء॥


تكوين صورة الإنسان الذاتية
إنَّ كل إنسان يرسم في داخله صورة عن نفسه في جميع أركان حياته, وهذه الصورة الذاتية قد تكون من أهم أسباب نجاحه أو فشله، سعادته أو ألمه॥ وكل ذلك سببه الأفكار। فعن طريق الفكر يستطيع الإنسان أن يتقبّل ذاته أو يرفضها، أيضاً الفكر هو الذي يُشعره بقيمته وأنَّه عضو له قيمة في المجتمع، وعنده القدرة على الإنتاج والتقدم والإنجاز، كما أنَّ الفكر هو الذي يجعل الإنسان يُحِبذاته، وعندما نتحدث عن حُب الذات لا نقصد الكبرياء، بل أن يرضى الإنسان عن نفسه ويتقبّلها ويسعى بمداومة لتطويرها إلى الأفضل.


استقرار أو اضطراب الحالة النفسية
لو بحثنا عن معظم الاضطرابات النفسية التي تواجه الإنسان، سواء كانت اكتئاباً أو قلقاً أو خوفاً أو توتراً أو إحباطاً.. لوجدنا أنَّ أسبابها تبدأ أولاً في العقل عن طريق الفكر وطريقة التفكير. وليست الحالة النفسية مستقلة عن الجسد، بل هى ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً فكل ما يُفكّر فيه العقل يؤثّر على كافة أعضاء الجسم، وهذه التأثيرات تظهر على الوجه في تعبيراته، والجسم في حركاته، وقد تزداد ضربات القلب، ويرتفع ضغط الدم، وتتألم المفاصل.. نتيجة الحالة النفسية المضطربة بسبب اضطراب الفكر.

السبت، 24 يوليو 2010

أنت تفكر إذن أنت عظيم



خلق الله الإنسان ليكون سيداً، ملكاً يتربّع على عرش الخليقة، فكان لابد أن يكون هذا الملك حراً، يستعمل عقله في كل أعماله، أقواله، قراراته، اختراعاته॥ ولهذا فإنَّ التفكير بالنسبة للإنسان ليس مجرد وسيلة تقوده في أوقات كثيرة إلى السعادة، بل هو حاجة ضرورية لا تكتمل بدونها إنسانية ذلك الموجود البشريّ، الذي يفكّر ليحيا ويتقدم ويُحِب ويتزوج ويتسلّط على الخليقة

أتتذكرون قصة خلق الحيوانات والوحوش والطيور؟ أتعرفون أنَّ آدم هو الذي سمَّاها وليس ملاك أو رئيس ملائكة " وَكَانَ الرَّبُّ الإِلَهُ قَدْ جَبَلَ مِنَ التُّرَابِ كُلَّ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ الْفَضَاءِ وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى بِأَيِّ أَسْمَاءٍ يَدْعُوهَا، فَصَارَ كُلُّ اسْمٍ أَطْلَقَهُ آدَمُ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ حَيٍّ اسْماً لَهُ " (تك19:2)। إنَّها كرامة للإنسان الذي قد خُلق على صورة الله

، ليكون سيداً ومفكّراً॥ حتى وإن تعثّرت خطواته وضل الطريق المؤدي إلى خلاصه، فإنَّه لا يمكن أن يتنازل يوماً عن تلك المنحة الإلهيّة، ولهذا فإنَّ كل المحاولات التي سعت إلى سلب فكر البشر باءت بالفشل। نعترف بأنَّ الفكر هو سر عظمة الإنسان، ولهذا كان " باسكال " الفيلسوف الفرنسيّ (1643- 1662م) على صواب عندما قال: " إنني أستطيع أن أتصوّر إنساناً بلا يدين أو رجلين،
ولكنني لا أستطيع أن أتصوّر إنساناً بلا فكر، لأنَّه سيكون مجرد صخرة أو جماد! " ونحن لا نُنكر أنَّ الإنسان جزء محدود من الكون بوصفه جسماً، ولكننا نراه يحاول أن يستوعب أجزاء كثيرة من العالم من خلال عقله، وبينما نجد الحيوان مُلزَماً بالخضوع للطبيعة، نرى الإنسان يتمرّد على قيود الطبيعة، ويسعى إلى تغيير بيئته وجعلها ملائمة باستمرار لحاجاته المتزايدة ورغباته المتجددة،

ففي وسع كل منّا أن يُعدّل من تراثه البشريّ، لأننا نملك قدرات عقليّة تجعلنا نتخطى وضعنا باستمرار، ونعلو على عالم الواقع ونتحرر من قيود كثيرة عن طريق الاختراعات، ومن أين يأتي الاختراعات؟ أليست من فكر حر يبحث بمداومة عن كل ما هو جديد! حقاً إنَّ آدم خُلق من تراب الأرض،ولكنَّ الأرض نفسها لم تلبث أن أصبحت آدمية حين تدخّلت فيها يد الإنسان،
الذي سعى بفكره نحو التقدم، ورفض أن يقف موقف المتأمّل السلبيّ العاجز عن تغيير شيء في الوجود، ولهذا منذ أن وجد الإنسان على الأرض وهو يعمل جاهداً، وكأنَّما يريد أن ينفذ بحريته الفكرية إلى أعماق الوجود الماديّ بثقله وكثافته، وسواء اتَّخذ عمل الإنسان طابع الإنتاج العلميّ، أم تجلى في صورة إبداع فنيّ، أم تمثّل في صورة اختراع آليّ، أم تجسّد على هيئة اكتشاف عقليّ॥

في كل هذه الحالات يسعى الإنسان ليكون على الصورة التي أرادها له الله: سيداً على الطبيعة والكائنات الأُخرى। حتى وإن كان الإنسان مجرد نقطة صغيرة فوق محيط دائرة الكون، ويكفي لموته أن ينقطع الأُكسيجين عن خلايا المخ بضعةدقائق! إلاَّ أنَّه حامل القيم بأسرها وهو يستخدم فكره لكشف أسرار الطبيعة وتحقيق مقاصده، ويهدف من وراء سلوكه بلوغ أهداف قد تكون روحيّة أو أخلاقيّة أو اجتماعيّة...


حقاً إنّه ينظر حوله فيجد نفسه بإزاء قوة، بل قوات هائلة من المخلوقات الأُخرى، ولكنّه لا يجد صعوبة في أن يتحقق بعقله، أنّه سيد الطبيعة ويستطيع أن يُدمّرها في لحظات! وهل نُنكر أنَّ حضارات الشعوب، هى أثر من آثار الوسائل التي ابتدعها الإنسان لتنظيم عالمه البشريّ،
ونعني بها: اللغة، الآلة॥ وما هى البيئة الثقافيّة سوى مجموعة عوامل تاريخية واقتصادية واجتماعية॥ كوَّنها فكر الإنسان
ولو رجعنا إلى بداية تكوين الجنس البشريّ، لوجدنا أنَّ الإنسان كان يحيا وسط الجماعة أو القبيلة، دون أن يكون له رأي حر أو فكر مستنير، فقد كان خاضعاً للتقليد السائد،

أو رؤساء القبائل الذين سيطروا على الأفراد وتحكَّموا في عقولهم، لكنَّه لم يقف عند هذا النوع من الحياة التي لا مجال فيها لفكره، فانتقل ومعه البشرية إلى عهد التفكير، ولم يعد يرى كل شيء عادياً أو مألوفاً بل أصبح كل شيء موضع بحث، فارتفع من مستوى الحياة البدائية البسيطة ليهبط على سطح الكواكب،

ونزل إلى أسفل ليغوص في أعماق البحار ويُخرج ما فيها من ثروات.. والواقع أنَّ الإنسان منذ أن وجد على الأرض،وهو يرفض أن يقف من الكونوالناس موقف الغريب كأنَّ لا علاقة بينهما، لأنَّ الكون منذ البداية يبدو لهبمثابة مجموعة من الألغاز التي تتطلب الحل، ولهذا اتَّخذت علاقته بكل ما يحيط به طابع الحوار أو الجدل أو سؤال يبحث عن جواب.والغريب أنَّ الإنسان لا يكتفي بحمل همومه وحده، بل وهموم الناس أيضاً،


وهو بذلك يحمل عبء الماضي والحاضر والمستقبل! وهذا إنَّما يدل على مركز الإنسان في الكون ومكانته بين المخلوقات الأُخرى। وهكذا تقدم الإنسان يوم بعد يوم، وتسلل النقد إلى رأسه، ولم يعد في وسعه التخلي عن نقد كل ما في الحياة وهذا يدفعنا إلى القول بأنَّ التفكير في أوقات كثيرة لا يكون نفياً أو إثباتاً، بل هو تساؤل أو استفهام، ودليلي: إنَّ الطفل ما أن يشرع في التفكير فإنَّه لا يكف عن إثارة السؤال تِلو الآخر!

السبت، 3 يوليو 2010

العالم صديق خائن


قد يكون العالم تعمّق داخلك ولذاته تملَّكت على قلبك، وقد ظهر لك بمظهر الصديق المُحب الذي يريد إسعادك، وأنت لا تدرى أن العالم عدو شرير يريد إهلاكك، وصديق خائن يسعى لإذلالك، وإن أردت أن تتحقق من هذا، فعليك أن تسأل الذين أحبّوا العالم وأفنوا حياتهم فى । سلهم وهم على فراش الموت: أحقاً أخلص العالم لكم؟ هل أوفاكم بوعوده؟ ستجد إجابتهم مكتوبة على جبينهمبأحرف بارزة: العالم صديق خائن قضى على حياتنا! وأضاع أبديتنا! وأعتقد أنَّ هذا هو السبب فى أننا لا نري الخطاة يبكون على العالم عند موتهم، إذ كيف يبكون على من أذلهم واستعبدهم! قد يبكون على أنفسهم وجهلهم، ولكنهم لا يبكون على خائن قد غدر بهم!

يجب أن تعلم أنَّ العالم اخترع لنفسه ينابيع كثيرة، للهو والمسرات لكي يجذب الناس إليه، ولكنَّ الحقيقة إنَّ ينابيع العالم كلّها جافة، وأفضل تشبيه لها هو السراب الخادع، الذي يراه السائر فى الصحراء ماءً، وبعد أن يركض نحوه يتحقق أن ما راءه إنَّما هو وهم وخيال! هلم نتساءل:

ما الذي يجذبك في عالم الشهوات؟! وما الذي يغريك في دنيا اللذات؟ ربَّما تكون شهوات الجسد! لكنى أقول: إنَّ كل الذين سعوا وراء شهوة جسدية عادوا فارغين، ولم يجنوا سوى وجع القلب ومرارة النفس وأمراض الجسد
.. هذا بالإضافة إلى ما يجنيه البنين من سمعه ردية نتيجة خطايا الوالدين وسلوكهم المنحرف!

وربّما يُغريك العالم بصنمه الذهبيّ، الذي سجد ولايزال حتى الآن يسجد له ويخر أمامه الكثيرون، الذين أصبحت الثروة هى نقطة ارتكاز آمالهم، ولأجل المال فعلوا الشرور، وضحوا بسمعتهم وشرفهم ومبادئهم، ولهذا أسألك: ما هو الشبع الروحيّ الذي ستناله من جمع المال؟ وما هى السعادة التي تجنيها إذا اقتنيت ثروة؟ على هذا السؤال أجاب سليمان الحكيم قائلاً: " مَنْ يُحِبُّ الْفِضَّةَ لاَ يَشْبَعُ مِنَ الْفِضَّةِ وَمَنْ يُحِبُّ الثَّرْوَةَ لاَ يَشْبَعُ مِنْ دَخْلٍ " (جا10:5).

هناك أيضاً التسالي والأفراح العالمية التي ينجذب إليها الناس، كمحاولة لإدخال السرور إلى قلوبهم، وهم لا يدرون أنَّ مسرات العالم وأفراحه ما هى إلاَّ ينبوعاً جافاً ليس فيه ما يُسعد، سعى إليه سليمان من قبل، إذ بنى لنفسه بيوتاً وغرس كروماً وعمل جنّات وفراديس فيها أشجار من كل نوع.. في النهاية إذ أدرك الحقيقة قال: " فإذا فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ! " (جا11:2) إنَّ أفضل ما قيل عن شهوات العالم وملذاته أنَّها: " لا تشبع ولا تُشبع آلاماً تسبقها وآلاماً تلحقها " !

لا أظن أنَّ من أحب العالم وتمرّغ في شهواته، قضى فى وقت ما لذة لم يصحبها ألم، أو راحة لم يتخللها تعب، أو تمتع بصحة جيدة دون أن يضعفها مرض، أو فرح لم يعقبه حزن.. هذه طبيعة الدنيا: تعد براحة وسرور وتُعطي كداً وتعباً، تعد بأفراح وتُعطى أحزاناً وبلايا، تعد بالشرف والكرامة وتُعطي الذل والإهانة، وهذا ليس واضحاً من خلال معاملات العالم القاسية مع كافة البشر.

ولهذا السبب قال أحد الفلاسفة عند موت إسكندر الأكبر: " هذا الذي كان بالأمس يدوس الأرض بقدميه، الآن داسته الأرض بقدميها، بالأمس لم تكن الأرض كافية لتحقيق رغباته والآن يكفيه ثلاثة أشبار ليُدفن فيها "، وقد أشار فيلسوف آخر إلى التابوت الذهبيّ الذي وضع فيه قائلاً: " بالأمس كان إسكندر يكنز الذهب والآن قد صار مكنوزاً في الذهب "، فالمجد زال، والمُلك بطُل، والذهب قد صار له تابوتاً.

مَن مِن الناس لم تمتد يد الدنيا إليه بالأذى، ومن لم يحيا فيها قلقاً من غدرها وخيانتها، فكثيراً ما قدمت لمحبيها طعاماً لذيذاً فى الغذاء، وفى العشاء كان المر طعامهم والعلقم شرابهم، وفى الوقت الذي نجد فيه أهل العالم يعيشون فى سلام تفاجئهم البراكين والحوادث فيهلكون وتنتهي حياتهم...

هذا هو العالم وهذه هى حقيقته المرّة، والحكيم
هو من يحيا في العالم دون أن يحيا العالم فيه، فيصير مثل السفينة، لا يغرقها وجودها فى الماء، وإنَّما يغرقها دخول الماء فيها.
نستطيع أن نقول: إنَّ العالم سفينتنا وليس مسكننا! فاجعل من العالم وسيلة تستطيع من خلالها أن تصل إلى الأبدية وليس غاية، لأننا أردنا أو لم نُرد سنموت، تاركين ممتلكاتنا وأموالنا، والآن ماذا تُريد؟ أن تتمسّك بعالم فانٍ وتحدّق في تراب زائل؟! أم ترفع عينيك إلى فوق وتتأمل مجد الله وما أعده لك في السماء؟


الأربعاء، 16 يونيو 2010

علمتني سمكة - إظهار عناية الله


كثر شر الإنسان على الأرض، فماذا فعل الله؟ أهلك العالم بماء الطوفان، ولم تنجو من ذلك العقاب الإلهيّ سوى أُسرة واحدة ألا وهى: أُسرة نوح وعددها ثمانية، ومن الحيوانات والطيور اثنين من بعض الأنواع وسبعة من الأُخرى.

لكنَّ السمك قد نجا كله بل حصل على ما لم يحصل عليه من قبل، إذ صار كل الكون ملكاً له يسبح في مائه كما شاء، لأنَّ المياة غطّت الأرض وطافت في كل مكان، وبذلك اتّسعت دائرة السمك ويبقى السؤال: لماذا لم تحصل الحيوانات والطيور القريبة من الإنسان على هذه الميزة، في حين أنَّ السمك البعيد عنه والذي يهرب منه نجا وازداد عدده؟

قصة

هبّت عواصف شديدة فتحطّمت السفينة، ولم يكن أمامه إلاَّ أن يسبح على بعض عوارض السفينة، ليستقر فى جزيرة مهجورة، هناك ركع يشكر الله الذى أنقذ حياته، ثم قام يبحث فى الجزيرة الصغيرة لَعلَّه يجد ماءً يشربه أو نباتاً يأكله، لكنّ دون جدوى فقد وجدها قفر بلا ماء ولا طعام.. وبروح الشكر بدأ " ماثيو " يجمع حطام السفينة ليصنع كوخاً، وكلَّما مر به فكر تذمّر يرفع عينيه إلى السماء ويُصلي، وفجأة هبّت عاصفة وبروق، وإذ كان في طرف الجزيرة الآخر لاحظ برقاً من السماء يضرب الجزيرة، ثم شاهد ناراً اشتعلت في الكوخ الذى صنعه! ضربات متتالية أوقفت تفكيره ولكن عندما يتوقّف الفكر يبدأ عمل الإيمان!! تطلّع " ماثيو " نحو السماء ولكنّه لم يعرف ماذا يقول؟ فصمت قليلاً ثم قال: إلهي أعلم أنَّك تُحبني ولكن هل لي أن أسألك: لماذا سمحت بهذا! صمت الله! ولكن كما قال صفنيا النبيًَّ: " يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ " (صفنيا17:3) فبعد ساعات قليلة جائت سفينة تسأل عنه! فلمَّا سأل قبطانها عن سبب وكيفية مجيئه، أجابه قائلاً: رأينا النار المشتعلة فأدركنا أنّك تطلب نجدة! فنظر " ماثيو " للرجل وقال: " كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ " (رو28:8)، ثم رفع عينيه نحو السماء وقال مع أيوب الصديق: " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ " (أي2:24).

قصة

أقلعت الطائرة ولكن سرعان ما ارتبك المكان، فهناك مشاكل بالطائرة وعلى المسافرين ربط الأحزمة.. هكذا قالت المُضيفة!! فبدأ الاضطراب، وفجأة اهتزت الطائرة فازداد الخوف وعلا الصراخ! وكان بين المسافرين كاهناً لم يملك سوى الصلاة، وبينما الدموع تنهمر من عينيه، لاحظ فتاة صغيرة لا تبالى بشيء من حولها! لقد كانت تقرأ كتاب فى هدوء فريد!! وكلَّما كانت الطائرة تهبط تغلق عيناها ثم تفتحهما لتستكمل القراءة..

وقد كان وحصلت المعجزة واستطاع الطيّار أن يهبط بالطائرة!! فهرول الركاب بالنزول بينما أسرع الكاهن نحو الفتاة ليعرف سر شجاعتها فسألها: كيف احتفظتى بهدوئك ونحن نواجه موتاً؟! سأل الكاهن فى لهفة فردت الفتاة فى وداعة: لأنَّ أبي هو الطيّار!! وأنا مؤمنة أنَّه سيحملنى لبر الامان سالمة لأنَّه لا يسمح بهلاكي!


إنَّ عناية الله التي شملت الأسماك لازالت تشملنا، فهو يرعانا وملائكته تحيط بنا وتحمينا: " مَلاَكُ الرَّبِّ يُخَيِّمُ حَوْلَ خَائِفِيهِ وَيُنَجِّيهِمْ " (مز7:34)، وأعتقد أنَّ كثيرين يتذكّرون كيف نجَّاهم الرب من حادث مروع، أو حل لهم مشكلة عسرة بطريقة معجزية!

الخميس، 13 مايو 2010

أهمية اللقاء في حياتنا




خُلق الإنسان ليحيا في عالم ملئ بالبشر، كلٍٍٍٍ في حاجة إلى غيره، وهكذا تظل حياتنا علاقة مزدوجة قوامها الأخذ والعطاء والتأثير والتأثر، وهل نُنكر أنَّ الحديث العذب المُشجع، واللقاء الحي المُثمر، والابتسامة الصافية، عوامل من شأنها تشجيعنا وإيقاظ همتنا؟ أعتقد أنَّها وسائل إيجابية تفتح أمامنا الأبواب المُغلَّقة، فنندفع بقوة إلى تحقيق ذواتنا وتأديّة رسالتنا في الحياة।

إذن ليس الآخرون مجرد صور نتأمَّلها، أو كائنات نتحدّث فقط عن مواهبهم، أو نذكر أعمالهم، أو نصف مظهرهم॥ بل هم في الحقيقة وسائل فعَّالة لنمونا وتقدمنا وتحقيق ما نصبو إليه، من هنا كانت أهمية اللقاء البنَّاء، خاصة عندما يكون مع شخصية سويّة، تحمل مواهب روحيّة وثقافيّة॥ من شأنها إثراءنا ونمونا..

ولكنَّ العلاقات الإنسانية لا تسير على وتيرة واحدة لا تناقض فيها أو ثنائية، فقد تنسجم الطباع أو تتنافر، وتتفق المصالح أو تتضارب، وتتحد المباديء والآراء والقيم أو تتصارع، وتجتمع الأهواء والميول أو تفترق॥ وهذه عوامل قد تتسبب في صفاء العلاقات أو توتّرها॥ ولكن رغم الصدمات التي يتلقّاها الإنسان في حياته، إلاَّ أنَّه يجب أن يرفض العزلة ولا يلجأ إليها، بل يستمر في علاقاته ويُكثر من لقاءاته، لأنَّه كائن اجتماعي بطبعه، ويحتاج أن يُشبع حاجاته العقلية والوجدانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية..

نؤكد أنَّ اللقاء الحميم لا يعنى فقط المشاركة في الآراء والخبرات الشخصية فقط، بل أيضاً يمكن أن يكون وسيلة للتوافق مع الذات، فتتغير سلوكياتنا، وتتهذّب عواطفنا، وتنمو أفكارنا، وتستقر نفوسنا، فقد أكون مفرط الحساسية، منغمس في الشفقة على ذاتي دون أن أعي ذلك॥ أو مُحبّاً للمال وأميل إلى اكتنازه تحت ستار تأمين المستقبل॥ فمن خلال لقاء حميم يسوده العفوية في التعبير، يستطيع صديق أن يرصد سلبياتي ويوجهني، ويبقى لي مُطلق الحرية: أُغيّر أم لا!

ولا يقتصر اللقاء على مجرد السؤال والجواب، فمن خلال حركاتك وإشاراتك وبعض ألفاظك وردود الفعل॥ تستطيع تحليل شخصيتك واكتشاف المُختبيء في أعماقك، لذا يجب عليك أن تُفكّر في الدوافع التي دفعتك إلى هذه الردود، عسى أن تتمكّن من فهمها، أنا على يقين من أنني إذا بحثت عمَّا يكمن وراء سلوكي وحركاتي وإشاراتي.. بصورة إيجابية، أستطيع أن أقوم بتعديل في شخصيتي।

كم من مرّة سيطرت علينا أفكار سلبية فتوهّمنا أشياء خاطئة؟ ولكن من خلال لقاء صادق، فتحنا فيه قلوبنا وكشفنا أفكارنا انكشفت الحقيقة، فتبددت الأفكار الوهميّة التي كنَّا نظن أنَّها حقائق مؤكدة، وما أكثر المواقف التي فسَّرناها وقت حدوثها بطريقة، ثم بعد أيام فسَّرناها بطريقة أُخرى، عندما أفصحنا عمَّا بداخلنا لأُناس أُمناء أحببناهم وأحبونا।

وهل نُنكر أننا نحمل في أعماقنا ظلمات كثيرة، وهى تُعتم حياتنا وتُهدد حياتنا؟ ولهذا يسعى الإنسان جاهداً لكي يقترب من شخصية أُخرى، تستطيع بحكمتها وثقافتها وخبرتها... أن تُقوّى ضعفاته، وتعالج سلبياته، وتشفى أمراضه النفسية، وتضمد جراحاته الروحية، ويستطيع هو من خلالها أن يحقق ميوله ورغباته॥

هناك شك ينتاب جميع البشر حول قدرة الإنسان على حل كل مشاكله بنفسه، والواقع لو أننا اعتزلنا البشر لتآكلتنا المشاكل، وتوقّفت خبرتنا، وصرنا محدودي الثقافة التي هى رهن علاقاتنا بالآخرين ، كما أنَّ الإنسان إذا عاش وحده، فإنَّ ميوله سوف تذبل ورغباته تموت، وتتحوّل حياته إلى صحراء مقفرة।

وهل نُنكر أننا عن طريق الآخرين نتعلّم كل شيء في الحياة؟! ألست أنت وأنا والجميع ثمار لِما وضعه فينا الآخرين من علوم وغيرها؟! نعترف بأنَّ الذات لا يمكن لها أن تتحقق إلاَّ إذا سلَّمت بدور الآخرين، ولَعَلَّ هذا هو ما عبّر عنه أحد الفلاسفة حينما قال: " إنَّ الغاية الوحيدة للإنسان هى تحقيق الذات، ولكنَّ الطريق المؤدي لهذا لابد من أن يدور حول العالم، وبالتالي فهو لابد أن يمر بالآخرين "।

إنّها حقيقة، وتستطيع أن تتحقق منها لو قرأت قصص العظماء من فلاسفة وعلماء॥ فالتاريخ يحكي لنا عن معجزة الإرادة " هيلين كيلر "! التي عاشت على حاسة اللمس بعد أن فقدت حواسها الثلاثة: النظر والسمع والنطق وهي لا تزال طفلة، ولكن بفضل مُعلّمتها " آن " استطاعت أن تحصل على (ثلاث) درجات علمية، وألّفت (10) كتب، ولم تكتفِ بذلك بل تمتّعت بالحياة كالأصحاء تماماً، فركبت الخيل وقوارب التجديف، وزارت بلاد.. وأخيراً ماتت هيلين تاركة عبارتها المشهورة: إنّي عمياء لكني أُبصر، صمَّاء لكنّي أسمع، خرساء لكنّي أتكلّم।

وها (توماس إديسون) لم يستمر في مدرسته أكثر من ثلاثة أشهر، فقد طرده ناظر المدرسة لتخلّفه، وكان والده يُعامله بقسوة لِِِما يبدو منه من بلاهة، فكان يضربه باستمرار حتى أصابه بالصمم، لكنَّ أُمه الفاضلة لم تيأس فعلَّمته بنفسها، وعندما بلغ الحادية عشر من عمره، اخترع جهازاً كهربائياً لتسجيل الأصوات في الانتخابات،

ويواصل (إديسون) إبداعاته فيخترع المصباح الكهربائيّ والفونوغراف وآلة تصوير الصورة المتحرّكة، وابتكر نظام التيار المتردد والثابت وتطوير التليفون॥ وقد زادت اختراعاته عن الألف، والفضل في ذلك يرجع إلى عبقريته التي اكتشفتها أُمّه المناضلة منذ صغره، فمن خلال لقاءاتها البنّاءة بابنها استطاعت أن تُربيه وتُعلّمه، لا أن تُشبع عواطفها باللعب معه فقط كما تفعل أُمَّهات كثيرات!

الخميس، 6 مايو 2010

إنها لذة ولكنها وهمية!


كثيرون قد أحبّوا الخطية وسعوا إليها بحثاً عن المتعة الجسدية التي هي بحق لذة وهمية، فابتعدوا عن الله ولم يعملوا بوصاياه، وهم لا يدرون أنَّ لذة الخطية ما هي إلاَّ وهم كاذب وسراب خادع، يراه السائر فى الصحراء ماءً، ولكن ما أن يركض نحوه حتى يتأكد أنَّ كل ما رآه إنَّما هو وهم وخيال!

يقول القديس العظيم مارِ أفرام السريانيّ:
أين هي لذة الخطية المُسمّاة كذباً بأنَّها لذة ؟! لأنَّ ليس لذة حقيقية إلاَّ مخافة الرب ومحبته ".


لو كان في الخطية لذة حقيقية، أو أنَّها تقود إلى حياة مستقرة هادئة لسعينا إليها جميعاً، فما من أحد إلاَّ ويريد أن يحيا سعيداً، لكنّ الحقيقة إنَّ الخطية ليس فيها حياة بل موت، ولا فرح بل حزن، ولا لذة كما يدّعي الخطاة بل ألم مرير وعذاب ضمير.. والذين يقولون غير هذا هم متوهّمون وإن كانوا لا يدرون!! وأفضل تشبيه لهم هو: المجنون الذي يحتضن النار ويقول إنَّها النور!

فالخاطيء يتوهّم السعادة بينما الآلام تُحيط به من كل ناحية! فما من إنسان وضع عنقه تحت نير اللذة الفاسدة إلاَّ وأصبح سقيم الجسد، يذوب كالشمع بحرارة عواطفه المُقيّدة، ويضمحل على مهل أمام العاصفة كالرائحة التي ظن أنَّها ذكيّة، وفى النهاية يصرخ متألماً، ويكون صوت صراخه أشبه بصراخ الوحش الذبيح!

إنَّها حياة عاقرة تجعل الإنسان دون أن يدري يُعانق الموت الذي يظهر مرتدياً ثوب الحياة يقول مارِ غريغوريوس: حقاً إنَّ الإنسان في هذا العالم يُشبه شخصاً يرى في حُلمه لذة وعندما يستيقظ لا يجد من ذلك شيئاً وها نحن بهدوء نتساءل:

ألا يرى النائم في حُلمه طعاماً؟ بل يرى نفسه يأكل من هذا الطعام!! ولكنَّه ما أن يستيقظ حتى يجد نفسه يتضوّر جوعاً! هكذا أيضاً لذة الخطية، لا يمكن لها أن تُشبع إنساناً جائعاً أو تروى نفساً عطشانة، لأنَّها تُشبه ألوان الماء الذي يرسم بها الفنان على الجدران صور جميلة ومناظر بديعة وهو عاجز عن أن يروى به نفسه!


عجيبة هي تلك اللذة عندما تخدعنا ببريقها ولمعانها، فتجعل حياتنا كما لو كانت ليلاً أسودَ لا يحمل سوى كلام أسود وذكريات باهتة سوداء! وإن تخلل ظلامه أشعة تبدو كأنَّها مغسولة بماء السماء، فهذا في الحقيقة إنَّما هو ثوب الخِداع.

فالشعاع مُبلّل بالدماء والدموع! إنَّ اللذة مثل الشجر على الطريق، يبدو في ضوء القمر وهو مُغلّف بالثلوج كأنَّه شمعدان من البللور، تضيء فروعه وتشع نوراً من غير نار، لا شك أنَّه منظر جميل إلاَّ أنَّه لا يدوم، فالثلوج سرعان ما تذوب، والقمر هو الآخر يغيب، وتبقى الأشجار عارية ليس فيها سوى أفرع خالية من الثمار!

الأربعاء، 28 أبريل 2010

قام المسيح وحررنا من عبودية الخطية



اإن كل من رجع إلى التاريخ القديم، عرف أنَّ الخطية كانت هى السبب في كل المصائب التى قد حلّتْ على العالم.. فهى التى أفسدتْ آدم وطردتْه من الجنَّة، وجعلتْه يشعر بعُريه وملأتْ قلبه بالخوف..

وجعلت قايين يخرج
هائماً على وجهه، هارباً من مكان إلى آخَر وقلبه مضطرباً خوفاً من أن يحصد ما زرعتهيداهلولا الخطية ما أغرق الله العالم القديم بماء الطوفان، ولا أنزل ناراً وكبريتاً من السماء لكي تحرق سدوم وعمورة، ولولاها ما سقط شمشون الجبار النذير لله من بطن أُمه.. ولا سقط داود رجل الصلاة والمزاميرفي الزنى، ولا بخَّر سليمان الحكيم للأوثان
..


هى التى جعلتْ هيروديا تطلب رأس يوحنا المعمدان، وعندما أحبَّها يهوذا أسلم سيده إلى الأثمة، لأنًّه لمَّا اشتهى المال أضاع الحياة، وماذا أعطاه حُب المال؟ لم يُعطهِ سوى ثلاثين من الفضة ثمن حبل المشنقة الذي شنق به نفسه!

لقد صيّرتْنا الخطية عبيداً بعد أن كنَّا أحراراً، قيَّدتْنا بعد أن
كنَّا معتوقين، أفنتْ شجاعتنا، أضعفتْ قوتنا، فصرنا نخشى الحيوانات التي كنَّا أسياداً عليها، ملأتْنا من كل شهوة ردية، فصرنا محبين للخلاعة، نلهث وراء اللذة الممنوعة
.


صارتْ الخطية كسيف حاد فصلتْ الإنسان عن خالقه، وكحجاب أسود حجبتْ عنَّا نور شمس البر فصرنا كما قال إشعياء النبي: " نَتَلَمَّسُ الْحَائِطَ كَعُمْيٍ وَكَالَّذِي بِلاَ أَعْيُنٍ نَتَجَسَّسُ، قَدْ عَثَرْنَا فِي الظُّهْرِ كَما فِي الْعَتَمةِ "، إلى أن جاء ابن الإنسان وحمل خطايا البشرية في جسده المقدس، وحرقها على مذبح الصليب بنار الغضب الإلهيّ، وعندما نزل إلى القبر دفنها معه، ولكنَّه عندما قام خرج من القبر تاركاً إياها في أعماق الهاوية.

قام المسيح وأصبحنا أحراراً، الأمر الذي جعل مُعلّمنا بولس الرسول أن يُقدّم الشكر لله قائلاً: " فَشُكْراً لِلَّهِ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيداً لِلْخَطِيَّةِ وَلَكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا، وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيداً لِلْبِرِّ" (رو18،17:6).

ويوضّح كيفية هـذا التحرر فيقول
: " لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّأمَّا العِتق فيتم عن طريق شراء المؤمنين بثمن، تُرى ما هو هذا الثمن؟ إنَّه دم ابن الله المسفوك على الصليب! الذى أشار إليه معلمنا بطرس الرسول بقوله: عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ دَمِ الْمَسِيحِ وبما أنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ (رو2:8).


فنحن إذن مطالبون بأن نمجد اللهَ فِي أَجْسَادِنا وَفِي أَرْوَاحِنا الَّتِي هِيَ لِلَّهِ ولا نستخدم ما نلناه من حرية ستراً للشر، فيقول:لأَنَّ هَكَذَا هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ أَنْ تَفْعَلُوا الْخَيْرَ فَتُسَكِّتُوا جَهَالَةَ النَّاسِ الأَغْبِيَاءِ كَأَحْرَارٍ، وَلَيْسَ كَالَّذِينَ الْحُرِّيَّةُ عِنْدَهُمْ سُتْرَةٌ لِلشَّرِّ، بَلْ كَعَبِيدِ اللهِ " (1بط2: 15, 16).أمَّا ثمار التحرر فيوضَّحه مُعلّمنا بولس الرسول بقوله " وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ وَصِرْتُمْ عَبِيداً لِلَّهِ، فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ.

الخميس، 22 أبريل 2010

تدريب على الصلوات القصيرة

كثيرون بدأوا ولكنهم لم يكملوا! وغيرهم جاهدوا لكنهم استسلموا! أتعرفون لماذا؟ لأن البداية فاقت قامتهم الروحية، ونوعية الصلاة لم تتناسب ظروفهم، فقد يبدأ إنسان بصلاة الأجبية كاملة لكن صلاتة لا تتعدى يوما واحدا! فما هى أنسب وأسهل طريقة للمبتدئين في حياة الصلاة؟

إليكم هذا المنهج البسيط والعميق جدا


عندما يستيقظ الإنسان وهو لا يزال على فراشه يقول هذه الآية من مزاميز معلمنا داود النبي:
" يا الله إلهي إليك أبكر إذا عطشت نفسي يشتاق إليك جسدي "
فالبداية يجب أن تكون لله وليست للعالم، وعندما تكون البداية لله يسعى الإنسان وهو يعمل أن يمجد اسم الله، فإذا عرضت عليه رشوة يرفض...

أو يقول مع معلمنا داود النبي:
" هذا هو اليوم الذى صنعه الرب فلنفرح ونبتهج فيه "
لقد دخل في عهد أن يبدأ يومه بالفرح فإذا جاءته تجربة يكون مهيأ بالفرح ولا يسمح لها أن تسلب أفراحه، تخيلوا أم أخذت على نفسها عهد الفرح هل ستنفعل أو ترفع صوتها على أولادها؟

وعندما يغسل وجهه يقول هذه الآية في المزمور الخمسين:
" إنضح على بزوفاك فأطهر أغسلنى فأبيض أكثر من الثلج "
فنحن عندما نغسل وجوهنا بالماء نطلب من الرب أن يغسل قلوبنا بماء التوبة، ومن تعذبه شهواته يطلب أن يغسله بماء الطهارة..

وهو يجهز ويأكل طعامه يقول مع داود النبي:
" وجدت كلامك كالشهد فأكلته "
فالطعام يغذي الجسد وكلمة الله تغذى الروح

وعندما يبدأ عمله يقول:
" ياربى يسوع المسيح ابن الله الحي أعن ضعفى "
فنحن ضعفاء وقوتنا مستمدة من السيد المسيح، ولا ننسى أن قول الرب: " بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئا "

وإذا ووضع فى موقف يجبره على الكذب أو الادانة أو انكار المسيح يقول
" يا ربي يسوع المسيح أعن ضعف إيمانى "

وعندما تشتد عليه التجارب العاطفية يقول:
" يا ربي يسوع المسيح ارحمنى انا الخاطيء "

ولكن مهم قبل الصلاة الاستعداد وتصفية حياتك أول بأول عن طريق الاعتراف لأن الله النور لا يلتقى مع ظلمة الخطية.

لقد أردت أن أضع في أفواهكم قطع من السكر لتتذوقوا حلاوة الصلاة، بعدها نبدأ بمزمور واحد تصليه إلى أن تحفظه فتضيف الثاني وهكذا بعد فترة ستصلى بالأجبية كاملة

أنصحكم بقرأة كتاب سائح روسى على دروب الرب

الأحد، 11 أبريل 2010

بقيامته كسر شوكة الموت


يعود علينا عيد القيامة في كل عام، فيُذكّرنا بأحداث تُبهج القلوب وتُعزّي النفوس، وها نحن نتساءل: كيف سقط الموت مستصغراً عند قبر مخلصنا ؟ سؤال ما كان ممكناً أن نجد له إجابة مقنعة لولا أن قام المسيح منتصراً ن بين الأموات.

بقيامة المسيح انكسرتْ شوكة الموت وأُبطل سلطانه، فلم يعد بالشيء المُخيف كما كان بل صار شهوة المؤمنين " لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً " (فى23:1)، كما صار ربحاً كقول مُعلّمنا القديس بولس الرسول: " لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌلقد سقط الموت تحت قدمَي مخلصنا، ففقد هيبته، وضعُف سلطانه، فلم نعد نخشاه لأنَّ يسوع نزع شوكته السامة المُميتة، فمات به ولكنَّه قام منتصراً عليه!

ألم يقل معلمنا يوحنا الحبيب " وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّار؟ " (رؤ14:20)، وهكذا سيمسح الله كل دمعة من عيون المؤمنين " وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ "

لا نُنكر أننا جميعاً سنموت، وسوف تأكل أجسادنا الديدان ولكن كما وُجد قبرُ يسوع فارغ، هكذا أيضاً ستفرغ كل قبور المؤمنين، بقيامتهم من بين الأموات، وهل يمكن أن تُسلّم القبور ما استولتْ عليه من جثث لو لم يقم المسيح؟!أعتقد لو أنَّ القبر استطاع أن يضم جسد ابن الله، لباقي الأجساد الميتة لفقدت المسيحية قوتها في مهدها، ولم يبقَ لها أثر في الوجود، ولكنَّ المسيح قد نزل إلى القبر لا ليُدفن مثل الموتى فقط، بل ليدفن الموت أيضاً!قال أحد الآباء: إننا كطيور قد حبسنا الموت في فخه المخيف.

ولكن هذا الفخ حطّمه مُخلّصنا أولاً وطار منه بعد قيامته، وأصبح الفخ مكسوراً، وإن كنا نجتاز فيه إلاَّ أنَّه ليس له باب يحبسنا، ولهذا نهتف مع داود النبيّ قائلين: " نَجَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ، الْفَخُّ انْكَسَرَ وَنَحْنُ نَجونا، عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " (مز7:124). نعم لقد نجونا ولم نعد بعد أسرى أذلاّء!

وإن كنَّا نقع كأموات إلاَّ أننا ننهض أحياء، وإن كان يُغلق علينا في قبر مظلم، إلاَّ أنَّ المسيح بسلطانه يُقيمُنا، وبنور قيامته يُضيء علينا، والآن بعد أن قام المسيح منتصراً على الموت، كاسراً شوكته، هازماً سلطانه، أصبح الموت أشبه بمركبة سخّرها ابن الله لتحمل أولاده، من أرض الشقاء إلى أرض الراحة.

الأحد، 4 أبريل 2010

الأحد: يوم الاحتفال بالعيد


إنَّ يوم قيامة المسيح هو يوم الشروق العظيم، شروق ابن الله القائم منتصراً من الأموات بين ظلام الأشرار المنافقين.. وهو يوم الحياة لأنَّ فيه قد قام الحيُّ الذي ذاق الموت بالجسد وأحيا معه الأبرار.. يوم فرح السمائيين والأرضيين، إذ فيه تم الصلح بعد أن كانوا متخاصمين!

يقول مار يعقوب السروجيّ :
اليوم هو البكر لأنَّ فيه قد قام البكر من بين الأموات، لكي يرفع جنس أُمه إلى مكان أبيه، اليوم هو حامل كل البشارات لأنَّه عزى التلاميذ الحزانى، اليوم اجتمع الخراف المبددون لأنَّ الراعي قام وهرب الذئاب، في هذا اليوم نسأل: أين شوكتك يا موت أين غلبتك ياهاوية؟

كان اليهود يُقدّسون يوم السبت (خر20: 8-10) ولكن بالرجوع إلى التاريخ القديم، نرى أنَّ الذين قد اعتنقوا المسيحية من اليهود في القرون الأولى تحوَّلوا من تقديس يوم السبت، وأخذوا في تقديس يوم الأحد مع الذين آمنوا من الوثنيين، الأمر الذي يدل على أنَّهم كانوا يعلمون علم اليقين أنَّ المسيح قد قام

قال القديس برنابا:

" إننا على العكس من اليهود نُقدّس اليوم الثامن، أو بالأحرى يوم الأحد " ، وبابياس يقول: " إننا نحفظ يوم الأحد بدل من يوم السبت لأنَّه يوم القيامة ".وقد أُطلق على الأحد " يوم الرب "، وهى تسمية مسيحية مأخوذة عن سفر الرؤيا، حيث رأى يوحنا الحبيب رؤياه في ذلك اليوم فقال: " كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ " (رؤ10:1).

كما أنَّ إعلان ربوبية السيد المسيح من خلال قيامته المقدسة في " أول الأسبوع " (مر2:16)، كان هو السبب في إطلاق " يوم الرب " على اليوم الأول من الأُسبوع الذى يُكتب باللغة القبطية " ويُنطَق: كيرياكي ".

أمَّا تاريخ يوم الأحد، فيبدأ بقيامة السيد المسيح، التي بشهادة الأناجيل تمتْ فجر الأحد، وأول احتفال بيوم الرب تم في الأحد الأول بعد القيامة، يقول القديس يوحنَّا الإنجيليّ " وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ لَهُمْ سلاَمٌ لَكُمْ " (يو20: 19).

وقد نالوا في يوم الأحد عطية الروح القدس كما جاء في سفر الأعمال: " وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَصَارَ بَغْتَةًمِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ.. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ " (أع2: 1- 41).

ومنذ العصر الرسوليّ وإلى الآن، لايزال المسيحيون يُقدّسون هذا اليوم العظيم، الذى خصصوه للعبادة بكل فرح وشكر كما أمرت الدسقولية .ففى سفر أعمال الرسل، نقرأ عن اجتماع القديس بولس الرسول، مع المؤمنين في ترواس أول الأُسبوع (الأحد) وذلك لكى يكسروا الخبز: " وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزاً، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ وَأَطَالَ الْكَلاَمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.." (أع7:20)، وفى الرسالة الأولى لأهل كورنثوس يقول: " فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لِيَضَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عِنْدَهُ خَازِناً مَا تَيَسَّرَ حَتَّى إِذَا جِئْتُ لاَ يَكُونُ جَمْعٌ حِينَئِذٍ " (1كو2:16).

وهكذا صار يوم الأحد ركيزة الأُسبوع وبدؤه، منه ننطلق وإليه نعود، ويوم لقاء المؤمنين حول سر الإفخارستيا، ويوم لقاء الرهبان والنسّاك في الكنيسة، كما ورد في تقليد القديسين باخوميوس ومقاريوس..

ولدى اعتناق الملك قسطنطين المسيحية، وإعلانها ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية، قرر أن يكون يوم الأحد يوم راحة، لكي يتحرر المسيحيون من أعباء العمل، وذلك لكي يتفرغوا للعبادة باستعداد روحيّ وجسديّ، والاحتفال بذكرى قيامة الرب مع الإفخارستيا التي توحّد أجساد المؤمنين في جسد واحد ألا وهو: جسد المسيح.

ولأنَّ الأحد هو يوم قيامة الرب، الذى يجب أن نفرح ونُسر فيه (مز24:118)، لذلك منعت الكنيسة الصوم الانقطاعيّ فيه، فقد جاء في قوانين الرسل: " إذا وجد أحد الإكليروس يصوم الأحد أو السبت، ما خلا السبت الكبير الذي للبصخة فليُقطَع، وإن كان علمانياً فلا يُقرَّب " .وفى هذا اليوم المُقدّس لا يجوز عمل ميطانيات، فقد جاء في قوانين ابن العسال: " ولا يكن في أيام الآحاد والأعياد المجيدة سجود لأنَّها أيام فرح ".

اعتراض

لقد صرَّح السيد المسيح بأنَّه سيكون في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍلأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ هَكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ " (مت40:12)، في حين أنه دُفن يوم الجمعة وقام يوم الأحد، مما أدى إلى اعتراض البعض قائلين:إنَّه لم يمكث في القبر سوى يوم واحد ألا وهو: يوم السبت، وجزء من يوم الجمعة الذى دُفن فيه، وقام باكراً يوم الأحد..

الـــرد

اعتاد كتبة الكتاب المقدس، أن يطلقوا الجزء على الكل أو على اليوم، وهم في الحقيقة يُريدون جزء منه فقط، فعلى سبيل المثال: طلبتْ أستير الملكة أن يصوم قومها ثلاثة أيام، لكي تدخل إلى الملك (أس16:4)، في حين أنَّها في اليوم الثالث وقفتْ أمام الملك (أس2,1:5).

يوسف الصديق أمر بحبس إخوته ثلاثة أيام، ولكنَّهم في اليوم الثالث وقفوا أمامه وقد خاطبهم (تك42،18:17).

وعندما أتى يربعام والشعب إلى رحبعام، طالبين أن يخفف عنهم نير أبيه قال لهم: ارجعوا إليّ بعد ثلاثة أيام، فذهب الشعب (1أى5:10)، لكنَّهم جاؤا إليه في اليوم الثالث (1أى12:10).كما أنَّ العقل بل الشرع من عادته إطلاق اسم الكل على الجزء، مثل مَنْ يقول: رأيتُ فلاناً وهو لم يرَ منه إلاَّ لباسه فقط، أو بعض أعضائه الدالة عليه.

وعلى الرغم من أنَّ المقابلة تمتْ في جزء من المدينة إلاَّ أنَّه يقول: لقد رأيتُه في مدينة القاهرة أو الإسكندرية..وقد يقول قائل: لقد قابلتُ اليوم صديقاً لي في اليوم الفلانيّ، وجلستُ معه يوماً.. ولا يشترط في ذلك أن تكون المقابلة طالتْ إلى يوم كامل، فربَّما كانت عدة ساعات.

هذا بالإضافة إلى أنَّ المسيح لم يقل: إنَّه يبقى في باطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ كاملة، بدليل أنَّه قال أكثر من مرَّة: إنّه في اليوم الثالث يقوم (مت21:16)، فلو أنَّه مكث في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ كاملة لكانت قيامته في اليوم الرابع لا الثالث كما وعد.ولمّا كان اليوم أو جزء منه، يُحسب في العادة يوماً، فإنَّ المسيح وقد أسلم روحه الإنسانية في الساعة التاسعة من نهار جمعة الصلب، ومكث في القبر يوم السبت بأكمله، وقام باكراً يوم الأحد، فإنَّ فجر الأحد يكون هو:اليوم الثالث الذي قام فيه السـيد المسيح كما قال.

السبت، 3 أبريل 2010

شهود مـوت المســيح

شهود كثيرون


انطلقت أرواح المصلوبين الثلاثة المعلقين على الجلجثة، ولف الصمت الربوة الحزينة، وخلا الجبل من البشر، هدأ كل شئ، لا صوت إنما حركة الطبيعة وحدها هى التى يُسمع صوتها، ضباب كثيف كأنه أشباح هائمة، برق ورعد، زلازل واضطراب عظيم قد سرى فى المدينة المقدسة.. لقد تكلمت الطبيعة لتؤكد حقيقة الصلب، وما أجمل الطبيعة عندما تتكلم، فهى دائماً صادقة ولا تعرف الكذب الذى أصاب البشر!


إن حقيقة الصلب حقيقة مؤكدة، أما الشهود فكثيرون، ففى وسط الجو المظلم الذى غطى سماء الجلجثة، حيث خرجت ضجة الشعب كصوت البحر المضطرب يصرخ " أُصلبه أُصلبه " خرجت أصوات الشهود ترتل أُنشودة الحب الإلهى، وإن كان الترتيل يغلب عليه نغم الحزن! فمن عالم الطبيعة، ستشهد الشمس التى أظلمت، والصخور التى تشققت، والأرض التى تزلزلت، والقبر الذى وضع فيه مخلصنا..ومن عالم النبات، ستشهد الشجرة التى أخذوا منها خشبة الصليب المقدس، والقصبة التى وضعوا عليها الإسفنجة المملؤة خلاً ليسقوه، ونبات الزوفا..

ومن البشر سيشهد بيلاطس وهيرودس واليهود الذين حاكموه زوراً وصلبوه، وسمعان القيروانى الذى حمل صليبه، والعسكر الذين اقتسموا ثيابه، والجندى الذى طعنه بالحربة فى جنبه، والنساء اللواتى كن حاضرات، ويوسف ونيقوديموس اللذان كفناه، واللص اليمين الذى آمن به على الصليب، وقائد المئة والذين معه ..

ستشهد أيضاً الخمرة الممزوجة مراً التى قُدمت له وقت عطشه، والدم والماء اللذان خرجاً من جنبه عندما طُعن بالحربة، وحجاب الهيكل الذى انشق، وأجساد القديسين الذين قاموا من الأموات..

ونظراً لكثرة شهود الصلب، سوف نتحدث عن بعض منها، لا لتأكيد حقيقة الصلب، فحقيقة الصلب مؤكدة، وإنما لدراسة الظروف التى صاحبت موت المسيح وتفسيرها.

الشمس المظلمة


عندما ولد المسيح ظهر نور غير عادى فى صورة نجم لينبئ المجوس بميلاد المسيح (مت2 : 2) ولذلك كان لائقاً أن تظهر ظلمة غير عادية لتنبئ بموته لأنه هو نور العالم (مت27 : 45) الذى جاء ليشرق بنوره على الجالسين فى كورة الموت وظلاله ( مت 4 : 16).

لقد أخفت الشمس أشعتها، وكأن الأرض لا تستحق بعد نورها، وابتدأت السماء أمام أنظار الجميع تكسوها ظلمة حالكة، ليس فوق جبال اليهودية فقط، بل فوق الأرض كلها، وهل كان ممكناً أن تُرسل الشمس أشعتها وشمس البر خالقها على الصليب عريان!

لم تستطع الشمس أن تنظر عرى خالقها فحجبت نورها حزناً، وهكذا القمر لم يرسل هو الآخر ضوءه، لأن نور العالم رُفع على الصليب، العالم المادى فى حالة حزن، وها هو يرتدى ثوب الحداد الأسود، لأنه لم يرَ من قبل شراً هكذا، أما الإنسان الذى كان أولى بالحزن ، فلم يحزن، وإن كانت قلة قد بكت، إلا أن بكاءها أشبه بنقطة ماء سقطت فى بحر سرعان ما تلاشت.


قال مار يعقوب السروجى

" أظلمت الشمس وهرب النور وانتهى الشعاع، لبس الجو لوناً مكمداً بألم عظيم، الشمس والقمر انحجبا كسام ويافث لئلا ينظرا نوحاً مفتضحاً، قالت الشمس كيف أُشرق على الخليقة وشمس البر العظيم على الصليب ! وبأى وجه يُظهِر النهار نوره وسيده عارٍ بين اللصوص ! صار الظلام باباً أخفى العريان خلفه، حتى لا يرى الصالبون النجسون عُرى سيدهم ! "


إن هذا الظلام ليس إلا إعلاناً على رفض اليهود حياة النور، لأنهم أحبوا الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة (يو3 : 19) ولأنهم رفضوا أن يخلعوا عنهم أعمال الظلمة ويلبسوا أسلحة النور (رو13: 12) صاروا مثل اللصوص الذين يسرقون فى الظلام (أى 24 : 16) وقد انطبق عليهم قول الكتاب:

" اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ" (جا2 : 14)، " أَيْضاً يَأْكُلُ كُلَّ أَيَّامِهِ فِي الظَّلاَمِ " (جا5 : 17) أما نهايته فإنه " يَذْهَبُ وَاسْمُهُ يُغَطَّى بِالظَّلاَمِ" (جا6 : 4) .


فيا أيها النهار لماذا هربت واختفيت؟ لماذا خفت وأظلممت؟ وأين هو نورك أيتها الشمس يا ذات الإشراق والإشعاع؟ من أعماك؟ لماذا انطفأت؟ هل حقاً كنتِ حزينة على صلب خالقك؟ أم كنت تبكتين الخطاة الذين أنكروا خيراته وإحساناته؟!


حجاب الهيكل المنشق


كان الحجاب يفصل بين القدس وقدس الأقداس، الذى لم يكن ممكناً أن يدخله أحد إلا رئيس الكهنة وحده مرّة واحدة فى السنة، ليكفر عن نفسه وعن جهالات شعبه ... فلما مات المسيح، إنشق الحجاب إلى اثنين من فوق إلى أسفل (مت27 : 51). وهذا إنما يشير إلى الآتى:


الحزن


قديماً عندما كان يسمع إنسان خبر موت أحد أقربائه أو أصدقائه كان يمزق ثيـابه، كما حدث مع أيوب الصديق الذى مزق جبته ما أن سمع خبر موت أولاده (أى1 : 20).


فإن كان تمزيق الثياب من علامات الحزن الشديد، يكون إنشقاق حجاب الهيكل إشارة إلى حزن الهيكل على صلب المخلص، وكيف لا يحزن الهيكل والكاهن الأعظم مقدم الذبائح يُذبح ويُقدم كمحرقة على مذبح الصليب!


إنتهاء النظام الموسوى


كان الهيكل معداً لتقديم الذبائح، التى كانت ترمز إلى المخلص الذبيحة الحقيقية، فلما أتى المرموز إليه وذُبحت الذبيحة الحقيقية على الصليب بطل الرمز فانشق الحجاب إلى اثنين، ليعلن ظهور الحمل الحقيقى الذى جاء ليرفع خطايا العالم..


وعندما قال السيد المسيح قبل صلبه أنه ابن الله (مر14: 61-63) مزق رئيس الكهنة ثيابه.. وقد كان هذا العمل تأكيداً لزوال الكهنوت القديم لابتداء كهنوت العهد الجديد، ولم تعد الحاجة بعد إلى هيكل، الذى بدأ خرابه بانشقاق حجابه إلى اثنين، وإنتهى بالهدم على يد تيطس الرومانى سنة (70م ).


إتمام السلام


كان الحجاب يحجب رئيس الكهنة وهو فى قدس الأقداس عن الشعب .. فلما انشق أصبح من السهل أن يرى الشعب رئيس الكهنة بلا حجاب، بل وكل ما فى الهيكل أصبح منظوراً، وهذا إنما يشير إلى أن المسيح رئيس كهنتنا الأعظم أوجد لنا سلاماً بيننا وبين الله .. لقد كان الضمير مثقلاً بآلام كثيرة من شدة الخطية، ولكن لما انشق الحجاب إذ تم الفداء ، صار لنا سلام فياّض، وأصبح لنا الحرية أن ندخل إلى قدس الأقداس ونرى كل ما فيه.


شق الخطية


تسلطت الخطية على البشرية آلاف السنين، إلا أن المسيح له المجد الذى وقف مرة يقول لليهود : "من منكم يبكتنى على خطية " (يو8: 46) استطاع أن يشقها بموته، ويكسر شوكتها بصليبه، ويحررنا من سلطانها، أتى إلى عالمنا قدوساً طاهراً بلا عيب، وحمل عقابها فى جسده ومات على الصليب ليُميت سلطانها.. غلبها وداس عليها فأصبح من السهل أن نتركها وننتصر عليها.

زلزلة الأرض


وكما أظلمت الشمس ولم تعطِ ضوءها ، حزناً على صلب خالقها شمس البر، الذى يضئ المسكونة كلها ببهاء مجده، هكذا الأرض أيضاً تزلزلت (مت27:51) معلنة حزنها وعدم رضاها، عما فعله الساكنون عليها بصلبهم مخلص البشرية، الذى جاء ليصلح السمائيين مع الأرضيين بدم صليبه، ويحّول الأرض الملعونة إلى أرض طاهرة، بسقوط دمه الطاهر عليها .

لقد جاءت الزلزلة علامة واضحة، تعلن عن سلطان المصلوب وجبروته، فهو ليس ضعيفاً كما ظن اليهود، إنما هو الذى " أُسُسُ السَّمَوَاتِ ارْتَعَدَتْ وَارْتَجَّتْ، لأَنَّهُ غَضِبَ" (2صم22: 8) وفى نفس الوقت شهدت ببراءة المصلوب وشر صالبيه، كما أنها حددت مستقبل العالم القديم، أنه معد للدمار وأنه سوف يطرأ عليه تغيير عظيم.


ويخيّل إلىّ أن يهوذا أسرع بالصعود نحو الكواكب، فضعفت أجنحته وهبطت به إلى الهاوية، فحدثت ضجة أو زلزلة عظيمة ليس لها مثيل ضاعفت من زلزلة الأرض ، أو كأن أنفاس الملائكة هيجت نسمات الليل فانقلبت ريحاً شديدة لتمزق الخطاة وتجرفهم كالغبار إلى أعماق الهاوية.


لقد تزلزلت الأرض كأنها خافت أن تفتح فمها لتقبل دم المسيح الأثمن من دم هابيل، الذى عندما قبلته لُعنت من أجله (تك4: 11، 12) وكأنها استعدت لفتح فمها، لابتلاع أولئك العصاة المتمردين الذين صلبوه، كما ابتلعت من قبل بنى قورح من أجل جريمة أقل من هذه (عد 16).


تشقق الصخور


أراد اليهود تفتيت الصخرة الروحية على الصليب، فتفتتت الصخور الحجرية لتعلن سخط الله على الأشرار، وفى نفس الوقت كانت وعظاً وإنذاراَ لليهود ومن معهم، الذين أظهروا بأعمالهم أن قلوبهم أشد قسوة وصلابة من الصخور، فالصخور لانت وأما قلوبهم فلم تلن، وعنادهم لم ينثنِ ! ولهذا قال أحد الآباء: " وأما تشقق الصخور فقد كان لتبكيت الذين قلوبهم لحمية كما يزعمون، وكيف الصخور لقتله تشققت وهم الذين يقرأون الناموس لم تلن قلوبهم ولم تتخشع ليغفر لهم بكثرة تحننه ".


لقد صرخت الحجارة حزناً على خالقها، ومن شدة صراخها تشققت، لعل الشعب الذى لم يؤمن يخزى ويتوب عن شره.. أحست الحجارة بالظلم الذى حل بالمسيح أكثر من اليهود قساة القلوب، الذين سوف يفتشون قريباً عن نقر فى الصخور وشقوق فى المعاقل، وذلك لكى تخبئهم عن وجه الجالس على العرش (إش2: 11) (رؤ6: 16)، وهنا نتذكر قول السيد المسيح للفريسيين: " إِنْ سَكَتَ هَؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ ! " ( لو19: 40).


ولكن شكراً لليهود فقد شقوا يسوع صخرتنا الروحية، لكى نختبئ فى شقوقها، كما اختبأ موسى فى شق الصخرة فى حوريب .. فنرى من هناك مجد الرب كما رآه هو (خر33: 22) ولكى تفيض من شقوقها ينابيع مياه حية نشرب منها فلا نعطش إلى الأبد.

قيل عن حمامة المسيح إنها اختبأت فى محاجئ (مخابئ) الصخر (نش2: 14) أى احتمت فى جراح الرب يسوع الصخرة المنشقة.


تفَتّح القبور وقيام أجساد القديسين


كانت القبور أيام السيد المسيح، عبارة عن حفرة فى الأرض، أو صخرة مسدودة بحجر مثل القبر الذى دُفن فيه المسيح وتفتح القبور بعد حادثة الصلب (مت27: 52) يعنى: إن المسيح بموته أبطل سلطان الموت، وبقيامته أعطانا عربون القيامة الأبدية، فلم يعد للموت سلطان على القديسين، ولا للقبور قوة أن تغلق أبوابها على أولاد الله، أما قيامة أجساد القديسين، فكانت من المعجزات التى تمت بعد أن أسـلم المسيح روحه، ولعل الهدف منها هو الآتى:

توبيخ اليهود


فقد قال أحد المفسرين : إنهم عندما دخلوا أورشليم بعد قيامتهم وتعرفوا على أقاربهم، كان الأحياء يسألونهم عن حياتهم وعن الموت والأموات.. أما هم فكانوا يسألونهم عن الذى حدث منذ ثلاثة أيام... ما الذى عملتموه ؟ فكان الأحياء يقولون: لم نفعل شيئاً .. فيقولون: أما عرفتم أن الأرض ارتجت وتزلزلت أساساتها ، فيقول الأحياء: إن رجلاً ضالاً صُـلب بيننا، فيقولون لهم: الويل لكم فإن الذى أدعيتهم أنه ضال هو الذى أقامنا بقوة لاهوته وأمات الموت ودحض الهاوية..

إثبات حقيقة قيامة المسيح


فالسيد المسيح لو لم يقم من الأموات ما كان أقامهم من الموت إذ كيف يقيم الميت ميتاً ؟ أما السبب فى أنهم دعوا قديسين ، هو إيمانهم بالسيد لمسيح قبل صلبه وقبل موتهم فلابد أنهم عاصروا المسيح والدليل: إنهم تعرفوا على الأحياء.

يُقال إنهم مكثوا فى أورشليم ثلاثة أيام لم يأكلوا خلالها شيئاً وبعد أن بشروا فيها عادوا إلى الفردوس الذى كان السيد المسيح قد فتحه وأدخل معه اللص اليمين


اللص اليمين


ثلاثة صلبان رُفعت على الجلجثة فوقها ثلاثة أجساد عارية، مزقها الجلد والضرب والجوع والعطش، وغمرها الطين والدم والدموع ، ثلاثة أجساد بشرية لا فرق بينها، فكلها ملطخة بالألم والجروح، وكلها تنزف الحياة قطرة قطرة، صليبان صُلب عليهما لصان ورب المجد كان فى الوسط فتم قول الكتاب " وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (إش53: 12).

كان يجب أن يحمل صليب يسوع بارباس، لكنهم اختاروا يسوع ليصلبوه، أما بارباس المدان فأطلقوه، لكن يسوع نهض وأما ذاك فقد سقط، لقد تحرر بارباس من قيوده ومشى مع الجمع وراء صليبه، وإذ لم يقدموه ضحية أو تقدمة للفصح ، إلا أنه كان رجلاً حياً يسير إلى قبره، وقد كان الأليق به أن يهرب إلى الصحراء حيث يحترق العار بأشعة الشمس، ولكنه مشى مع الذين أطلقوه ليلعن يسوع الذى على كتفية يحمل جريمته !


لقد صار يسوع بين اللصين كراع وسط خراف ضالة! وقد استطاع أن يعلن لنا أنه ديان العالم، ولهذا يقول مار يعقوب السروجى" هو الديان، فقد اختار أن يظهر الحكم على الجلجثة فأقام الخراف عن يمينه والجداء عن يساره".


فى نظر الناس كان المصلوبون بمثابة ثلاثة مجرمين، حكمت عليهم محكمة البشر بالموت، موت العبيد وقطّاع الطرق، موت الخونة وعتاة المجرمين، ولن تكف محاكم الدنيا عن إصدار أحكامها بالإعدام والقتل على الأفراد والجماعات، وحتى فى الموت عند بنى البشر ألوان ودرجات، موت للنبلاء والشرفاء، وموت للصعاليك والمجرمين !


أما اللصان فكان كلاهما يجدفان عليه فى أول الأمر (مت27: 44)، ولكن أحدهما وهو اللص اليمين لم يعد كذلك، بل آمن بالمصلوب رباً وإلهاً أما الآخر فظل أثيماً كما هو، رافضاً الخلاص إلى النهاية، ولما كانت يداه ورجلاه موثوقة كان يضرب بلسانه مجدفاً " إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا "، لكنّ الآخر كان ينتهره قائلاً " أمّا نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس فى محله، ثم قال ليسوع أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك، فقال له يسوع بنغمة مفعمة بحلاوة الغفران، ولاحت على وجهه أشعة شبيهة بذلك النور الذى ينبثق من أجفان الأطفال " الحق أقول لك إنك اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو23 : 39ـ43).

أية قوة أنارت هذا اللص حتى آمن بالمسيح ؟ أو من أعلمه أن يعبد هذا المحتقر الذى كان مصلوباً معه ؟ لا نعرف على وجه التحقيق، ما الذى كان له التأثير المبارك على هذا اللص، محوّلاً قلبه بهذه الصورة الفريدة وهو الذى قبل ذلك اشترك فى حملة التعيير ضد يسوع، ربما صلاة رب المجد يسوع المؤثرة فى طلب الغفران لقاتليه، فاعتقد اللص أن الذى يغفر لقاتليه لا يمكن أن يكون قد ارتكب ذنباً يستحق عليه الموت ! ولابد أنه كان يرغب فى حياة التوبة.. ولهذا عندما كشف الله له القناع، استخدم هذا النور لمنفعته وفائدته، فقد استطاع من خلال هذا النور أن يرى مجد الفادى وسط الظلام الذى كان يحيط بالصليب ! ولهذا لم يقل اللص يا معلم أو يا سيد، ولكنه نادى المسيح بلقب الجلال " يارب " وبذلك أعلن للواقفين أن هذا الذى يظهر كالدودة التى داستها الأقدام هو ملك المجد السماوى!


لقد صرخ اللص وتضرع فى ثقة كاملة لكى يذكره الرب فى ملكوته، فياله من بشير للمسيح فى ظلمة ليل الآلام، ياله من نجم ساطع يرشد كل الذين يريدون ميناء الراحة فى بحر الحياة العاصف، ياله من إيمان جديد يعطينا برهاناً جديداً على أن أعمق أسرار السماء تتكشف لأى إنسان تنبه ضميره فجأة وأحس بحاجته للخلاص ولو كان يلفظ آخر أنفاس حياته !!

أنت بحق سارق ماهر أيها اللص، استطعت أن تسرق الجوهرة الثمينة، ولكن هذه المرة بإيمانك وليس بمكرك وخداعك.. لقد تعودت النهب والسرقة ويبدو أنك لم تشبع بما سرقت فجاهدت لتسرق الملكوت العالى الذى لا يقدّر بمال.. لم يكفك غنى العالم الذى سرقت ونهبت منه الكثير، فسعيت لتسرق الحياة الجديدة التى غناها لا يحد ، وها أنت قد نلت.

أنت لص وسيظل هذا الاسم يتبعك حتى وأنت قائم فى الخزانة العظيمة، يحيط بك الذهب والمعادن الكريمة من كل ناحية.

فطوباك ثم طوباك أيها اللص الطوباوى، وطوبى للسانك الحسن المنطق، الذى به تأهلت بالحقيقة لملكوت السموات وفردوس النعيم.

قائد المئة والذين معه


كان قائد المئة على رأس قوة من الجنود لحراسة الصليب (مت 27: 54) والجنود يكونون عادة قساة القلوب ولا تتأثر مشاعرهم كسائر البشر، لا بعوامل الخوف ولا بعوامل الشفقة، وكانوا رومانيين أى وثنيين لا يعرفون الكتب، ومع هذا آمنوا واعترفوا بألوهية المسيح وببنوته لله ! فكيف آمن الوثنيون، الذين لم يكونوا بعد يعرفون النبوات، ولم يتتلمذوا عند قدمى معلمى اليهود ؟ لابد أنهم رأوا فى يسوع شيئاً فريداً لم يروه فى أحد من قبل، تُرى ما هو هذا الشئ ؟ لنبدأ القصة:


بعدما ارتفع ابن الإنسان فوق خشبة الصليب، وبعد أن سُمّرت يداه ورجلاه فى وحشية وقسوة، وتفجرت الدماء من كل أنحاء جسده ، ظل المصلوب يحمل ابتسامة على شفتيه المغطاتين بالدماء، ونظرات الحب تشع من بريق عينيه، وكلمات الصفح تخرج من شفتيه، يغفر لصالبيه، يشيع الأمل فى اللص اليمين، يحن إلى أمه ويطلب من يوحنا أن يرعاها.. كل ذلك أثار دهشة القائد ، فآمن أن المصلوب ليس إنساناً عادياً بل شخصاً يفوق البشر أو أحد أبطال الأساطير التى سمع عنها ! فنطق بلهجة عسكرية رومانية وكأنه يؤدى للقائد العظيم تحية الوداع الأخير ، وقال " حقاً كان هذا ابن الله " (مت27: 54) فكانت هذه العبارة أعظم تحية يقدمها قائد رومانى لقائد آخر يشعر بعظمته، وسموه، ونبله، فى الحياة وفى الموت.


نه اعتراف بأن المصلوب لم يكن إنساناً كباقى البشر، أو نبياً مثل الأنبياء الذين قتلتهم روما، ولكنه شخص آخر غير كل هؤلاء.. فالقائد لم يؤمن بقوة المسيح التى انبثقت منه فى عنفوان شبابه، ولكنه آمن بالقوة عندما انبثقت منه فى وقت ضعفه، وقد تخلى عنه الأحباء والأصدقاء، وحين أُحيط بالأعداء والحاقدين من كل ناحية، وحين رأى الموت يسعى إليه على طريق ملئ بالأشواك، ولم يفقد هذه القوة النابعة من كيانه!

لقد التفت القائد إلى أعماق المتهم ، إلى كلماته ، إلى نظراته، إلى صلاته، لقد أيقن أن المصلوب وإن كان إنساناً بالجسد، إلا أنه يحمل فى كيانه البشرى طاقة إلهية لا تُرى، إلا لمن كان له بصيرة روحية، وقلب خاشع ملتحف بالنور.. وهكذا آمن بالمسيح حين رآه يتشح بالجلال فى مواقف المذلة والهوان ! ويتشح بالنبل والسمو وقد أحاطت به كلاب الحقد والتعصب والكراهية ! وحين رآه يتدفق حباً وقد غلب بحبه كل قوى الأعداء ! ورآه يفيض نوراً ومن حوله تتكاثف الظلمات!


لا ننكر أن اليهود قد رفضوا الاعتراف ببنوه المسيح لله ، لكن الله لا يترك نفسه بلا شاهد، ففى الوقت الذى رفض فيه اليهود الاعتراف بألوهية المسيح وبنوته لله، وكانوا يعيرونه بأنه لا يمكن أن يكون ابن الله لأنه لم يستطع أن ينزل من على الصليب (مت26 : 63 ، 64 ) نرى قائد المئة والجنود الذين معه يقدمون هذه الشهادة وهى خلاصة الإيمان المسيحى: حقا كان هذا هو ابن الله.

يقول الأنبا بولس البوشى

" القائد والجند الذين معه لما نظروا الآيات الكائنة مع الزلزلة التى حدثت عند إسلام الروح خافوا جداً وخشعت قلوبهم، وبفعل المصنوعات استدلوا على الصانع وقالوا : " حقاً كان هذا هو ابن الله ".

الثلاثاء، 30 مارس 2010

عـبد يغـدر بمولاه

يهـوذا

العبد هو يهوذا الإسخريوطيّ، الذى اختاره المسيح ليكون له تلميذاً، وقد غمره بمواهبه وإحساناته، وأعطاه سلطاناً كسائر التلاميذ.. فصنع المعجزات مثلهم وأخرج الشياطين، وفى نفس الوقت كان كارزاً بين اليهود، ومُعلّماً للخطاة، مع أنَّه كان فى الداخل بعيداً عن تعليم المسيح!

عهد إليه المسيح بمهمة ألا وهى: أمانة الصندوق، فصار مُدبّراً للمال، وليّاً على الفقراء والمساكين، وإذ كان طمّاعاً نهب ما كان يوضع بالصندوق، ولهذا السبب انتقد مريم عندما سكبت الطيب على قدمي يسوع فى بيت سمعان الأبرص (يو12: 6)، معتبراً نفسه من المحسنين، المدبّرين، فكان يتظاهر بأنّه يهتم بالفقراء، وهو يسعى لإهلاك أب الفقراء والمساكين.

لا نُنكر أنّه كان موضع ثقة التلاميذ، والدليل أنَّ ليلة التسليم عندما أعلن المسيح عن مُسلّمه، لم يخطر على بال أحد منهم أنّه يقصد يهوذا (مت21:26)، فكيف إذن سقط هذا النجم العظيم؟! كيف الذي وعظ الناس بالمسيح يسلم المسيح؟! والذي وهب النظر للعميان هو نفسه يُصاب بعمى القلوب؟! وكيف الذي أخرج الشياطين يدخله الشيطان؟! لماذا تحوّل الحمل إلى ذئب وبدأ يعض راعى الخراف؟!
محبة المال أصل الشرور

لابد أنَّ خطية كان يهوذا يخفيها فى قلبه، وهى التى دفعته إلى ارتكاب هذا الفعل الأثيم، لقد كانت محبة المال تملأ قلبه وهى التى جعلت الثلاثين من الفضة أفضل عنده من المسيح، ألم يقل بولس الرسول: " مَحَبَّةَ الْمَالِ اصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ الَّذِي اذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا انْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ " (1تى10:6).

إنَّ حُبّه الفضة جعله يبيع خالق الفضة، باع المجد الذى ليس له ثمن، وهو لا يدرى أن هؤلاء الأشرار لم يعطوه إلاَّ ثمن حبل المشنقة!! لأن المسيح لا يُقدّر بمال، وهكذا نسى يهوذا أننا " لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ وَوَاضِحٌ انَّنَا لاَ نَقْدِرُ انْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ " (1تى7:6)، وأنَّ " التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ " (1تى6:6).

ولم يخطر على باله أنَّ المال ليس سوى ينبوع من الينابيع الجافة الكثيرة، التي اخترعها العالم لنفسه اللهو وللمسرات.. وهو أشبه بالسراب الخادع، الذى يراه السائر فى الصحراء ماءً، وبعد أن يركض نحوه فسرعان ما يتأكد أن ما رآه إنَّما هو وهم وخيال!

قال أحد الأثرياء:
" بالأمس كنت غنياً بسعادتي واليوم فقيراً بمالي، ما كنت أحسب أنَّ المال يطمس عين نفسى ويقودها إلى كهوف الجهل، ولم أدرِِ أنَّ ما يحسبه الناس مجداً كان لي جحيماً، أهذا هو المال؟! أهذا هو الإله الذى صرت كاهنه؟! من يبيعنى فكراً جميلاً بقنطار من الذهب؟! من يأخذ قبضة من الجواهر بدقيقة محبة؟! من يُعطيني عيناً ترى الجمال ويأخذ خزائنى؟! ثم قام من مكانه ولمَّا وصل إلى قصره نظر إليه وأشار بيده نحوه كأنّه يرثيه وكل ما فيه وقال بصوت عالٍٍ: أيها الشعب السالك فى الظلمة، الراكض وراء التعاسة، المتكلّم بالحماقة، متى تأكل الشوك وترمى الثمار والزهور إلى الهاوية؟! متى تسكن الوعر والخرائب تاركاً بستان الحياة؟! لماذا ترتدي الثياب البالية وثوب البر قد حِيك من أجلك؟! لقد انطفأ سراج الحكمة فاسقه زيتاً، وخرّب اللصوص كرم السعادة فاحرسه، أوشكت خزائن راحتك على الإفلاس فانتبه!! ".

إنَّ حياتنا أيها الأحبّاء ليست فى امتلاء خزائنا بالأموال، ولكنّها فى امتلاء قلوبنا بالسلام الروحانيّ، سلام الله الذي يفوق كل عقل، والمال لم يكن فى يوم وسيلة للحصول على هذا السلام، لأنّه لا يمس إلاَّ الحواس الخارجية فقط، وأمَّا الحواس الداخلية فلا يستطيع أن يصل إليها، ماذا جنى عخان بن كرمى من حُبّه للمال؟ لم يجنِ سوى السرقة، وماذا فعلت به السرقة؟ قادته إلى المـوت رجماً بالحجـارة (يش25:7)، وأيضاً جيحزي تلميذ إليشع النبيّ، لم ينل من الاختلاس سوى مرض البرص (2مل27:5).

تتحوّل الحياة إلى سجن إذا غلّف المال جدران بيوتنا، عندئذ يكون المال هو السلسلة التي تربطنا فتحرمنا الخروج من منازلنا، خوفاً من أن يأتى لصوص ويسرقوا أموالنا! حياتنا على الأرض رغم قصرها إلاَّ أنّها نقطة البداية للحياة الأبدية، والمال ليس هو النبع الذى منه ينطلق النهر بين الجبال والصخور وعلى السهول.. حتى يصب فى بحر الأبدية، إنَّما القداسة هى النبع الذي منه تنطلق المياه ولا تكف عن الجريان حتى تصب فى بحر الأبدية.

شهوات أُخرى

كان حُب المال هو الباعث الأقوى لخيانة يهوذا، لكنّه لم يكن الحافز الوحيد، وإلاَّ ما اكتفى أن يأخذ من اليهود ثلاثين من الفضة ثمن تسليمه ليسوع، بل لانتهز الفرصة ليأخذ مبلغا أكبر، ولكان أفضل له أن يبقى أميناً للصندوق يختلس منه ما شاء، لكنَّ الحقيقة إنَّ شهوات أُخرى كانت تتأجج نيرانها فى قلبه، فلابد أنَّه ظن أنَّ المسيح قد جاء ليُقيم مملكة أرضية كسائر الممالك، فطمع كما طمع يعقوب ويوحنا ابنا زبدي فى منصب رفيع (مت21:20)، فلمَّا خاب أمل يهوذا عرض عنه ونفر منه، وتحوّل من تلميذ له إلى عدو ضده.

هذا وقد علل القديس يوحنا الحبيب مسلك يهوذا البشع بعبارة بليغة قالها وهى " دخله الشيطان " (يو13: 7)، ويؤكد هذا ما قاله يسوع: " أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاِثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ! قَالَ عَنْ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ لأَنَّ هَذَا كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُسَلِّمَهُ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ " (يو70:6،71).

لقد نظر يهوذا إلى ممالك الأرض الواسعة، ومدن داود وسليمان الرائعة، واشتهى أن يشهر سيفه مع سيوف التلاميذ لينتصر المسيح، ويكون له مكان على عرش فى إحدى الولايات، فما أروع المملكة فى الصباح وهى ترتدى ثوبها الفضيّ، وما أبهاها فى المساء وهى تتزين بزيها الذهبيّ، أمَّا خاتم المُلك فما أجمله بين أصابع الأمراء، وتاج العرش ما ألمعه على جباه الولاه.

ولكن يهوذا لم يخطر على باله أن وراء ما ينظر ملكوت أسمى يحكمه من غدر به! وهل يمكن لمن يحوط الأرض بجناحيه أن ينشد ملجأ فى عش مهجور؟! أم هل يرتفع الحي ويتشرّف بواسطة لابسي الأكفان؟!

إن مملكة المسيح ليست من هذه الأرض، وعرشه لم يُبنَ على جماجم الموتى، أمَّا رأسه فلم ترغب سوى تاج الأشواك، وعلى كل الذين يرغبون مملكة أُخرى غير مملكة الروح، أن ينحدروا إلى مقابر أمواتهم حيث يعقد ذوو الرؤوس المتوّجة منذ القديم مجالسهم فى قبورهم، ليعطوا مجداً لعظام جدودهم وآبائهم!

فلا عجب إن تخيل يهوذا نفسه أميراً، يُعامل الرومان بقسوة مثلما عاملوا اليهود، خاصة وأن يسوع قد تكلم عن مملكته، فاعتقد أنه اختاره قائداً ولذلك تبعه برضى، ثم اكتشف أنه لم يأتِِِ ليؤسس مملكة أرضية، أو أن يُحررهم من ذل الرومان واستعبادهم، لأنَّ مملكته لم تكن سوى مملكة القلب، ولهذا يُخيل إلي أنَّ روح يهوذا كانت تتمرر وقلبه يتحجّر، عندما كان يسوع يتكلم عن المحبة والرحمة وفضائل الروح! لأنَّ ملك اليهود الذي تمنّاه تحول فى نظره إلى عازف على القيثارة لكي يسكّن حِدة أفكار البشر!

لا نُنكر أنَّه أحبّه ولكن مثل غيره من النفعيين، ولأنَّ من طبيعة النفعيّ أن يتنقل من شخص إلى آخر حسبما تقتضى المصلحة، كان ولابد ليهوذا أن يبتعد عن المسيح، ولكنه نسى أن الأنانيّ يعيش على حساب نفسه قبل أن يعيش على حساب الآخرين!! فلمَّا رأى أن يسوع لم يحرك يداً لتحريرهم من ذلك النير، ملأ اليأس قلبه وتبددت جميع آماله، فقال فى نفسه: إنَّ من يقتل آمالي ويُبدد أحلامي لابد أن يُقتل!

الإ علان الرهيب

ورغم قصد يهوذا الشرير لم يهمله المسيح، بل نبّهه مرات، فعندما جلس الرب على المائدة ليأكل الفصح مع التلاميذ، طرح خبر موته هناك على المائدة، فقال بنبرات المحبة المتناهية والحزن الشديد " الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِداًمِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي "، فدخل الألم قلوب التلاميذ وأرعبهم وبدأوا ينظرون بعضهم لبعض ويستفسرون الواحد تِِلو الآخر " هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ ؟ ".

تُرى من يسقط من عدد التلاميذ ويفسد حسن التلمذة؟ من ذا الذي يترك صحبة الشمس المضيئة ويسير فى الطريق المملوءة غيوماً وظلاماً؟ من هو الخروف الذي حّول نفسه وصار ذئباً، وبدأ يعض راعى الخراف الصالح الأمين؟ كل هذا ويهوذا صامت ولا يريد أن يكشف عن نفسه، بل يلف نفسه بعباءة ثقيلة من الخِداع والرياء!

ويعود الرب ويُحدد ما يعنيه بأكثر توضيح " الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي "، ثم يعلن الويل على ذلك الإنسان الذي سوف يرتكب هذه الجريمة الشنعاء، فقد كان خيراً له لو لم يولد (مت25:20،26).

وتزداد حيرة التلاميذ! وينظر بطرس إلى التلميذ الذى كان يسوع يُحِبّه، إلى يوحنا الحبيب الذى كان يتكئ على صدر المسيح وقت العشاء، ويُشير له أن يتقدم إليه ليسأل عمن يتكلم، فيتقدم التلميذ البسيط المملوء حُبّاً، ويقع على صدر ابن الله ليسأله: " يَا سَيِّدُ مَنْ هُوَ؟ " فيُمزّق الرب آخر جزء من القناع الذى كان يخفي وجه الخائن ويقول: " هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ " (يو26:13).

كان من الممكن أن يعدل يهوذا عن شره، بعد سماع تلك الكلمات ويستشفع سيده فيغفر له، ولكنَّه بكل وقاحة ومكر يسأل: " هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟ " متجاهلاً ما درسه، ومتناسيّاً أنَّه أمام العين التي لا تنام، أمَّا المسيح فلم يوبّخه ولم يقل له: ماذا تقول يا عبد الفضة يا عميل الشيطان؟ ألم تعلم إنّي أراك وأنت تتقدم إلى رؤساء الكهنة وتساومهم على تسليمي؟ ألم أسمعك وأنا غائب وأنت تقول لهم ماذا تعطوني وأنا أسلمه إليكم.. وإنَّما أجابه ببساطة ووداعة قلب: " أَنْتَ قُلْتَ " (مت25:26)، وفى تلك اللحظة تغلّبت على يهوذا إرادته الشريرة، وانتهى يوم خلاصه، وابتعدت عنه ملائكة السلامة فى حزن شديد، وقد دخله الشيطان بانتصار عظيم.

أخيراً قال له يسوع: " مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ " (يو27:13)، وبهذا القول أراده أن يعرف أنّه عالم بكل نواياه السيئة، لكنَّ الأحد عشر لم يفهموا هذا القول " لأَنَّ قَوْماً إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئاً لِلْفُقَرَاءِ " (يو13: 29).

فخرج يهوذا وعلى وجهه تتراقص أشباح الموت متهللة، وتنبعث من عينيه نظرات موجعة تتكلم عن مستقبل مر، ومن صدره تخرج ظلمة حالكة، وأفعمت رائحة أنفاسه الهواء بالخيانة، ومنذ تلك اللحظة أصبحت غرفة حياته خالية إلاَّ من التراب، صفحة خالية من القيم، ترسم عليها الرياح خطوطاً تمحوها الرياح وتتلاعب بها العواصف!

خرج اللص وكان وقت خروجه ليلاً، ليلاً فى الخارج وليلاً فى داخله، وأصـبح هذا المخلوق التعـس بجملته أداة طيّعة تحت يد شيطان الظلمة، مهيأ لارتكاب أبشع جريمة عرفتها البشرية، خرج ليعود، ولكن هذه المرّة معه جمع من المجرمين يحملون السلاح لكي يقبضوا على يسوع.

إنَّ كل الإنجيليين يصفون حادثة الصلب بساعة الظلمة، إلاَّ واحداً وهو القديس يوحنَّا الحبيب، فهو يرى ساعة الصلب، هى أسمى درجات الإشراق فى الظلمة الحالكة، أما الساعة المظلمة فى نظره فهى خيانة يهوذا لسيده، ولهذا قال: " فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ وَكَانَ لَيْلاًً " (يو27:13ـ30)، فالقديس يوحنَّا لم يذكر الظلمة عند الصلب، وذلك لأنَّ آلام المسيح هى الجانب الجوهرى للنور.

القبض على يسوع

لم يكد رب المجد يفرغ من صلاته فى بستان جثسيمانى، حتى ظهرت مصابيح، تتلألأ بأنوارها من خلال الأشجار التى قد خيّم عليها الحزن، وها جماعة من سافكى الدماء المدججين بالسلاح من سيوف وعصى تقترب فى اتجاه وادى قدرون، وكأنَّهم خرجوا ليقبضوا على لص أو زعيم متمردين (مت26: 47)!

وهكذا تراكضوا مسرعين وقـد اشرأبت أعناقهم بتشوق، لكى يحظوا بنظرة من الذي فى نظرهم قد كفر! وشارك الأرواح الشريرة على بث السموم والعلل الجَهَنَميّة فى فضاء قريتهم! ألم يتهموه مرَّة قائلين: " هَذَا لاَ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ " (مت24:12).

وكان يتقدم الجمع رجل بوجه عابس، وعلى ملامحه شجاعة مصطنعة، يتسلل بين الأشجار والحيرة تتلاعب بعواطفه، مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخريف! إنّه يهوذا ابن الهلاك، ذلك الشقيّ الذي يتغطى برداء التلميذ كما يتغطى الأفعوان السام بجلده الأملس اللامع، المرائيّ الذي يخفى نفسه فى زى الرسول كما يختفى الخنجر الملوث بالدماء فى جرابه الذهبيّ، لقد كُملت الخطية فيه، وأصبح الآن يبغض يسوع بمرارة كما تبغض الظلمة النور!

سألهم رب المجد: " مَنْ تَطْلُبُونَ ؟ " فقالوا: " يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ "، فلمَّا قال لهم: " أَنَا هُوَ" سمعوا صوتاً صارخاً كما لو كان خلرحاً من أحشاء الليل! وضجة هائلة منبثقة من قلب النهار! ولهذا " رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ " (يو4:18-6)، وكأن وميضاً من البـرق قد صعقهم! أو وجّهت الشمس أشعتها برعب على الظلام فبددته! أو كأن بحر النيران اشتعل ليحرقهم! أو نسمة من القدير طوّحت بهم! فوقف يسوع ولم تتغير ملامحه، بل ظل مرفوع الرأس كالبرج أمام الزوبعة، وسالت على شفتيه ابتسامة محزنة وهو يشفق على الجمع الثائر، الذي كان أشبه بآلة قوية عمياء، فى يد مبصر ضعيف يلطمهم ويسحق الضعفاء منهم!

لمّا سمع الرجال هذا الكلام اقشعرّت أبدانهم، وارتجفت أيديهم كالأغصان اليابسة أمام الريح، وصارت ثيابهم مبللة بعرق الخوف كأنَّها خارجة من نهر الاوحال، كأنَّ عذوبة صوته قد انتزعت الحركة من أجسادهم، وأيقظت الميول السماوية الساكنة فى أعماق قلوبهم، ولكنهم عادوا فانتبهوا كأنَّ صدى صوت قيصر قد دوى على مسامعهم، وذكّرهم بالمهمة البشعة التى بعثهم من أجلها.

لقد أسقطهم الرب على وجوههم، لَعَلَّهم يحسّون بتأثير أُلوهيته غير المُدركة، وكأنَّما أراد أن يترك للعالم دليلاً عملياً، أنَّه قد صار ذبيحة ليس تحت ضغط أو إكراه بل بمحض إرادته، فياله من جبروت عظيم، فبعبارة واحدة خرجت من شفتيه ترنّحت عصابة الجناة وصارت طريحة الأرض عند قدميه، لأنَّ ليس للرمل الضعيف قوة أن يقف أمام الريح العاتية!!

أمثال هؤلاء الرجال يُخيّل إلىّ أنَّ أُمهاتهم قد حبلت بهم فى خريف السنة، وولدتهم فى العواصف الشريرة، وفى الرياح الهوجاء يعيشون يوماً ثم يهلكون إلى الأبد! لأنَّهم لم يتكلموا بغير الشر عن البار، وكانت ألسنتهم كالسهام المسمومة!
إننى أشفق عليهم وعلى كل الجمع الثائر ضد يسوع، ولكنَّ الشفقة لو أحاط بها أسف جميع الملائكة، فهى لا تحمل لهم نوراً، ونحن نعرف الأقزام الذين يتحاملون على من تلمس رؤوسهم العروش، ونعرف ما يقوله القش الحقير عن أرز لبنان الشامخ العظيم!

وبعد أن قام الجميع بسماح من الرب، ووقفوا أمامه مرّة ثانية كرر نفس السؤال: " مَنْ تَطْلُبُونَ ؟ " وفى هذه المرّة كان سؤال سُخريّة، فلمَّا قالوا يسوع الناصريّ، أجاب يسوع: " قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ " (يو7:18،8)، وقد دل هذا على إخلاصه الكريم ومحبته العظيمة لتلاميذه، فبينما يسوع يمضي إلى الصليب، لم ينسَ أن يحمى تلاميذه من العاصفة التى كانت تقترب منهم، وهذا ليتم قوله: " الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداًً " (يو9:18).

قُبلة الموت

الآن يستعد النمر قبيل الوثوب على فريسته، فها أعداؤه يتربَّصون به لكي يصطادوه صيد الغزلان، ولا تزال جُعبة الصياد ممتلئة بالسهام، والحيَّة تهجم بعنف على نسل المرأة تريد أن تلدغه لدغة الموت، فتحت ستار الصداقة المزيفة يقترب يهوذا من سيده ويُرحّب به بعبارة كلها رياء، ويتجرأ ويُلوّث وجه ابن الإنسان، وبماذا لوّثه؟ بقُبلة غاشة كلها مكر وخداع.

لقد عانقه!! فما أن مد يده حتى ظهرت عظام أصابعه من تحت الجلد، كقضبان عارية ترتعش أمام العاصفة، وعيناه كالحفر المظلمة الممتلئة بالدماء، وخديه كالخرق المتجعدة، وشفتاه كورقتي خريف صفراء قد سقطتا من شجرة الحياة، لقد صار وجهه كصحيفة رماديّة ملتويّة، كُتب عليها بقلم معوج وبلغة شيطانية غريبة " خائن " !! وإن كان قد عانق المسيح، إلاَّ أنَّ هوة عميقة كانت تفصل بينهما، امتصت تحذيراته وحجبت الحقيقة عنه فلم يبصر ولم يسمع!!

ويصيح الخائن بمكر " سَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!! " فكانت هذه الكلمات كطعنة خنجر فى قلب البار، لكنّه يتقبلها ولم يرفض قُبلته الخبيثة، لأنَّه يعرف أنَّها قطرة سم مُزج فى كأس آلامه، فكان يهوذا يحمل سلاماً من الخارج، أمَّا الداخل فسيفاً مسموماً بسم الخيانة، من الظاهر كان كحمامة وديعة لكنَّ الخفي كان حيّة مملوءة مكراً ودهاءً!

أمَّا الرب ففى حزن وإشفاق وبأُسلوب رقيق يشابه رنين الأوتار الفضية يُجيبه: " يَا صَاحِبُ لِمَاذَا جِئْتَ ؟ "، لماذا ترتدي ثياب الحملان وأنت من الداخل تحمل قلب الذئب؟ لماذا تجعل من رمز السلام علامة التسليم؟ لماذا تخفى الغش وتُظهر الصداقة؟ لماذا تدعوني سيّدك وسيّدك هو الشيطان؟ أنا لست سيدك ولا معلمك لأنى لم أُعلّمك الخيانة ولا السرقة، وليس أحد يعلّم هذا إلاَّ الشيطان، لكنَّ كلماته لم تُرجع هذا الشرير إلى صوابه، بل كانت تُغذي الشيطان القابض على نفسه! وهكذا نرى يسوع لم يترك وسيلة إلاَّ وطرقها، وها هو يقرع قرعة أخيرة على باب قلبه لَعَلّه يفتح، فإن لم تفلح تكون علامة برفض الخائن إلى الأبد، عندئذ يناديه الرب باسمه: " يَا يَهُوذَا " وكأنَّه لا يزال يريد أن يتأكد من صحة الأمر فيقول: " أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ ؟ " (لو48:22).

وقد كان هذا الوداع الأخير للمرتد التعس، ذلك الشقي البائس، الذي انتصرت عليه الجحيم وتخلّت عنه السماء، الذي أنكر كل الخيرات التى أخذها من معلمه وسيده، وعوض الخيرات كافأه شراً!! ولهذا يقول مار يعقوب السروجيّ مُحدّثاً يهوذا بلسان المسيح:

" لماذا ترفض جميع خيراتي أيها التلميذ وعوض الصالحات الكثيرة تكافئ بالشر؟! مِنْ أجل مَنْ تُسلّمني بغضب عظيم؟! من حسدك وأفرزك مَنْ بين تلاميذي؟! ومَنْ نصب لك فخاً وقعت فى حبائله؟! مَنْ أظهر لك أنَّ حنّان رئيس الكهنة يُحبُّك أكثر من مُعلّمك؟! أو قيافا بأي حسن سباك من عندي؟ إن أبغضتني فمن هو حبيبك، أو مُحب لك أعظم منى؟! ".

نهاية الخائن

ويعود يهوذا إلى بيته بعد أن قضى النهار أنفاسه، وغابت الشمس تاركة قُبلة صفراء على الأشجار، فشعر بأنَّ الأفاعي تتدلى من سقف بيته، وتخرج الحيات من شقوق جدرانه لتلف بذيلها الطويل السام عنقه، لقد سكنت الحركة فى كل زوايا البيت، ولم يبقَ سوى دبيب الحشرات وبرد الهجر القاسى وليل أسود مخيف!

وهكذا عشعشت رغبة الانتحار فى رأسه، وفى لحظة هى أسود لحظات حياته نفث ثعبان الموت الجَهَنَّميّ سمومه فى قلبه وعقله، فماذا حدث؟ لمَّا شعر الخائن أنَّ الله قد تركه والسماء تخلّت عنه، أراد أن يتخلّص من أُجرة الخطية الملعونة، فذهب إلى رؤساء الكهنة والشيوخ الذين كانوا أداة سقوطه البشع، ويعترف لهم بجسارة قائلاً: " قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاًً " (مت4:27).

لقد أتم العمل البشع وها هو يعترف بجريمته، فهو مستعد أن يعترف بخطيته ويندم عليها بمرارة، ويود لو استطاع أن يوقف تنفيذ العمل الشرير ألا وهو: صلب إنسان برئ، فيعود مسرعاً إلى الرجال الذين أعانوه على ارتكاب جريمته ويعيد لهم الرشوة اللعينة (مت3:27)، مفضّلاً احتمال العار عن أن يبقى ثمن الدماء عالقاً بيده، ويعترف جهاراً بالإثم الذى ارتكبه... ومع ذلك يهلك يهوذا لأنَّ الخطية قد استقرت على كتفه كشبح مُخيف، وظن أنَّه يستطيع أن يتخلّص من حمله الثقيل، عندما يُعيد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة، ولكن عبثاً يحاول أن يُصفّي حسابه مع الخطية بهذه الطريقة!

ويتكلّم مع رؤساء الكهنة والشيوخ.. لكنّهم لا يملكون علاجاً للخطية، ولو أنّه بكل تواضع وشجاعة حوّل وجهه إلى يسوع، مثلما فعل اللص اليمين فيما بعد، لكان قد نال غفراناً لكل خطاياه، لكنَّ الشيطان جرّه كما يجر النسر فريسته التى انقض عليها ولم يسترح، حتى انتصر عليه تماماً، فقد ملأ قلبه باليأس وجعله يلقي بنفسه فى أحضان الموت إذ " مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ " (مت27: 5)، وينقطع الحبل الذي شنق التعس نفسه به، والشجرة التى اختارها لتكون مقصلة يختم عليها حياته تنفضه عنها فى فزع، فيسقط المسكين إلى الأرض، وينشق من الوسط وتنسكب أحشاؤه كلها (أع8:1).

وبينما كانت هذه الحوادث تدور، كان رؤساء الكهنة والشيوخ يتشاورون، ماذا يفعلون بالثلاثين من الفضة التى طرحها يهوذا فى يأسه، فاتفقوا أن يقتنوا بأُجرة الإثم حقل الفخاريّ، ليكون مقبرة للغرباء الذين يموتون فى أورشليم، وقد أُطلق عليه حقل الدم (مت8:27).

لقد قبضت أصابع الموت على شفتيه، واحترق بنار لا نور فيها! إزداد شوقاً لأرض غير معروفة، وأثقلت كاهله رغبة المُلك وهى لا تتعدى البيت والموقد، وماذا جنى من الحياة؟ لم يجنِِِ سوى حبل المشنقة!

سئم يهوذا الحرية المقصوصة الجناح على الأرض، وأحب سجناً العذاب في الجحيم، رفض أن يكون قطرة ماء في نهر الحياة، وأحب أن يجري كجدول الدموع إلى البحر المر! عاش فى العاصفة وها هو يخرج ليعيش فى العاصفة، ولكن هذه المرة خرج ليرمى نفسه من صخرة الخيانة الصلدة، التى كل من يصعد إليها لا بد أن يسقط ميتاً! لقد أنهى حياته الصغيرة التي تحرّكت كالضباب فوق أرض العذاب المستعبدة، فما أن مات حتى نزل إلى الجحيم ولم يخرج منه، فى حين أنَّ البار كان يصعد إلى الأعالى، ليستقر موضعه عن يمين القوة.
إنَّ يهوذا قد اشتاق إلى مملكة يكون فيها أميرا ً! أمَّا يسوع فأراد مملكة يكون فيها كل الناس ملوك وأُمراء!

والآن، ماذا أقول لو كنت قد عاصرت مأساة هذا العبد الشرير؟ كنت سأُشير بيدي نحو القتيل وأصرخ بصوت أجش قائلاً:
" ملعونة هى الأيدي التي تُمد إلى هذا الجسد الملطّخ بدماء الخيانة، وملعونة هى الأعين التى تذرف دموع الحزن، على هالك قد حملت الشياطين روحه إلى الجحيم لتبقَ جثّة ابن سدوم وعمورة مطروحة على هذا التراب الدنس، حتى تتقاسم الكلاب لحمه وتُذري الرياح عظامه، فليهرب الناس من تلك الرائحة النجسة المتصاعدة من داخل قلب دنُسته الخطية وسحقته الرذيلة، ولينصرفوا مسرعين قبل أن تلسعهم ألسنة نار جهنم ".

لقد مات ابن الهلاك الذى لم يكن فى العالم الوثنيّ نظيره، ولم يكن فى إمكانه أن يُنجب مُجرماً مثله! ولكن هذا ليس بغريب لأنَّ سليمان الحكيم يقول: " اَلرَّجُلُ الْمُثَقَّلُ بِدَمِ نَفْسٍ يَهْرُبُ إِلَى الْجُبِّ " (أم17:28)، وهكذا كل من يُعانق الشيطان عليه أن يُعانق الموت أيضاً!

ولكننا نعترف بأنَّ الجرثومة التي عملت فى يهوذا الإسخريوطيّ لازالت موجودة، وإن كنَّا لا نضع أنفسنا بين يدي الله ونطلب أن يُظللنا بأجنحة حُبّه فإنَّ إبليس الذي يجول كأسد زائر ملتمساً من يبتلعه (1بط8:5)، سوف ينقض كالوحش علينا ليفترسنا .
قطع أُذن مَلَخُس

بعد أن وجّه المسيح كلماته إلى يهوذا، نراه يسلم نفسه طوعاً لأيدي أعدائه.. هنا تحرّك الدم فى عروق التلاميذ بعد أن تجمّد ساعات طويلة فاستل بطرس سيفه " وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ " (يو10:18)، فقد أراد بطرس بهذا أن يُظهر غيرته للرب فى وقت الشدة، ولكنَّه لم يعلم أنَّ ابن الله لا يحتاج إلى المعونة، لأنَّه لو أمر أُلوفاً من الملائكة لملأوا الأرض ناراً.

وكم كانت دهشة الجميع عندما رأوا الرب فى شفقة، يميل على مَلخُسَ ويلمس أُذنه المُصابة بيده الشافية، فتوقف سيل الدم فى الحال وعادت سليمة كما كانت! فمن مِن الأطبَّاء له القدرة أن يُصحّح الأعضاء المقطوعة كمخلّصنا! لقد وضع الأُذن فى مكانها كالغصن الذى سقط من الشجرة، فكلل الجسم بالعضو الذى سقط منه، ليُعلن أنَّه سيد الخليقة وطبيب البشر الأعظم!

ونحن أيضاً نتعجب من هذه المعجزة، وما يُثير إعجابنا ليس فقط قوته التى أظهر بها مجده، ولكن الأكثر من ذلك محبته، التى لا تستثنى حتى الأعداء من أعمالها النافعة، كما أراد أن يُعلمنا أن ملكوته ليس من هذا العالم ولذلك لا مكان للانتقام، بل للوداعة التي تجمع جمر نار فوق رأس الأعداء، وما هذا إلاَّ إعلان أن حُب يسوع عميقاً كالبحر، عالياً كالنجوم، متّسعاً كالفضاء، وهكذا سيظل إناء حُبّه مملؤاً إلى الأبد لتشرب البشرية العطشانة فترتوى ويبرد حقدها وغيرتها وقسوتها!

وبينما كان الرب يمد يده الشافية المُحيية ليلمس الأُذن الجريحة، يقول لبطرس: " رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ ! " (مت52:26)، فالسيف ليس له استعمال إطلاقاً فى دائرة ملكوت الله، فالنصر يُحرز هنا بقوة الشهادة، وبدم الحمل، وصبر القديسين..

ومن المفسرين يرى أنَّ بطرس أراد ضرب رقبة مَلخُسَ، لكن التدبير الإلهيّ أبعد يده عن الرقبة إلى الأُذن اليمنى لأمرين:
الأول: إن الشعب قد آذانه عن سماع أقوال الأنبياء وأقوال المسيح، فوقع العقاب على العضو المُخطيء، فالشعب الأصم ضُرب على أُذنه، لأنَّ أصوات بل رعود الأنبياء صرخت فيها ولم تسمع!!

الثانى: علامة على رغبتهم فى دوام عبوديتهم إلى الأبد، ليس للرب بل للشيطان، لأنَّ الشريعة كانت تأمر أن يُخيّر العبد وقت تحرره، هل يرغب أن يُعتق أم يظل كما هو عبداً، فإن رفض أن يعتق كانت أُذنيه تثقب، علامة على رغبته أن يظل هكذا عبداً (خر6:21).

أمَّا الأُذن التى قُطعت فهى أُذن عبد رئيس الكهنة، لا أُذن أحد الجنود، وهذا إنما يدل على أن المقصود هم بنو إسرائيل الذين أعطاهم الله الشريعة، ولكنَّهم لم يفهموها ولم يعملوا بما جاء فيها!