مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

الخميس، 11 فبراير 2010

كيف تتخلص من الخطية ؟


قد يبدو لمن أسرتهم لذة الخطية، وقيدتهم أغلال الإثم، أنَّ التخلّص من سلطان وعبودية الخطية أمر مستحيل.. لكنَّ الحقيقة إنَّ علاج مرض الخطية أمر سهل وبسيط، إذا وضعت خطاياك أمام الله معتمداً لا علي قوتك البشرية فقط، بل وعلي نعمته الإلهية أيضاً.

فالله قادر أن يُخلّصك ويحرّرك من هذه العبودية القاسية، لأنَّه سبق أن خلّص كثيرين من قبلك، بشرط أن تلتجيء إليه لأنّه قد قال: " لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً " ( يو5:15)، وفي نفس الوقت يكون لديك دافع أن تتخلّص من خطاياك.. ولهذا قال القديس أغسطينوس: إنَّ الله الذي خلقك بدونك لا يُخلّصك بدونك، فانت كائن حر تختار الطريق الذي تسير فيه بكامل حريتك وبملء إرادتك، ولهذا قال باسكال الفيلسوف الفرنسيّ، لقد خلقك الله من الألف لتصل أنت إلى الياء بإرادتك.

أمَّا أنت فإذا تركت الخطية فلا تتأسّف عليها، ولا تحاول الرجوع إليها مرّة ثانية، يكفي ما ذقته من عذاب، وتذكّر امرأة لوط عندما خرجت من المدينة ونظرت وراءها، ماذا حدث لها؟ صارت عمود ملح، وعبرة للذين ينظرون لشهوات الماضي، ولهذا أوصي السيد المسيح المُخلع بعد أن شفاه قائلاً: " هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ تُخْطِئْ أَيْضاًلِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ " ( يو14:5).


وفي هذا الفصل ذكرنا إحدي عشرة وسيلة، للتخلّص من الخطية والتحرر من قيودها.. وأول هذه الوسائل هي:


حاسب نفسك

" فرجع إلى نفسه وقال.. "

(لو15:17)


إن أردت أن تتخلّص من خطاياك، فيجب أولاً أن تجلس مع نفسك وتحاسبها، لكي تدرك حالتك وتعرف أخطاءك، وفي أثناء محاسبتك لنفسك، حاول أن تستعرض حالات تعبك وأسباب قلقك، والأسباب التي أفقدتك سلامك، واسأل نفسك ما الذي ربحته من حياة الخطية التي أفنيت فيها حياتك وصحتك وشبابك؟

وحاول أيضاً أن تستعرض ضعفاتك وسلبياتك وخطاياك أمام الله، واعزم علي ترك الخطية، بكل رضا واقتناع، وتأكد أن الله سيباركك ويقويك..

ويجب أن تعلم أنَّ الشيطان إذا رأي عزمك وإصرارك، علي حوارك الذاتي سوف يقاومك بكل قوته، خوفاً من أن تكون هذه الجلسة سبباً في انفصالك عنه، لأنَّه بلا شك يعرف أنك إذا جلست مع نفسك، ستدرك سوء حالتك وما قد وصلت إليه من ضعف وقلق وعذاب ضمير.. وبالتالي ستفكر في التوبة والرجوع إلى الله مرّة ثانية، وبهذا ستفلت منه.

فالابن الضال عندما جلس مع نفسه وفكّر في حالته وما قد وصل إليه من إنحطاط، شعر بأمور عظيمة فأدرك حقيقة فقره وغني أبيه، ولهذا قال: " فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! " ( لو 17:15).

كذلك شعر بجرم خطيته التي إرتكبها، عندما غادر بيت أبيه، وهذا دفعه أن يقول: " أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ ( لو15: 19،18).

ويقيناً لو لم يجلس الابن الضال مع نفسه، ما كان قد وصل إلي حياة التوبة والإنسحاق، ولا كان قد رجع إلي أبيه، ولا كان قد خرج من قبضة الشيطان والبعد عن الأصدقاء السوء.. إلي حيث لبس الحُلة الجديدة والخاتم..

كل الذين تابوا بدأت توبتهم بجلسة مع النفس، أدركوا فيها فقرهم الروحي، وغني أبوهم السماوي الذي تركوه، فاجلس مع نفسك أيها الحبيب، وأعلم أن من يجلس مع نفسه ويصالحها أفضل ممن يصالح شعوباً، وكل من اصطلح مع نفسه اصطلحت معه السماء والأرض وتذكّر ما قاله أحد الآباء:

" إذا ما افرزت نفسك للتوبة، فكل يوم لا تجلس فيه ساعة بينك وبين نفسك، متفكراً بأيّ شيء أخطأت وبأيّ أمر سقطت لتقوم ذاتك فيه فلا تحسبه من عدد أيام حياتك ".

هذا وقد وضع لنا مار إسحق السريانيّ ، محاسبة النفس كقانون دائم لاستمرار الحياة الروحية، فيقول:" إذا هبط علينا روح الإهمال وبردت حرارتنا، نجلس بيننا وبين أنفسنا ونجمع أفكارنا، ونُميّز بدقة ما هو سبب الإهمال ومن أين بدأ؟ وما هو الذي يبطلك من الصلاة والعبادة؟ فإن كان الأمر يستحق التقويم قوّمه، وإذا كان يستحق القطع إقطعه، وإن لم تكن كفؤاً لذلك ولا يوجد مرشد لتستشيره من جهة أُمورك، فارجع إلي أول الطريقة التي بدأت بها وابدأ سيرتك كمبتديء، وأنت في وقت يسير ستمتليء حرارة وترتفع إلي الدرجة التي سقطت منها ".


فكر في نتائج الخطية


" لأن أجرة الخطية هى موت "

(رو23؛6)


لو كان آدم يعلم أنَّ الأكل من الشجرة، سيطرده من الجنّة.. ما كان قد أكل منها..

وقايين لو كان يعرف أنَّ بسبب قتله هابيل أخيه ستُلعن الأرض، ويكون تائهاً وهارباً منها، ما كان قتله..

ولو كان أبناء الله يعلمون أنَّ نظرهم إلي بنات الناس يقودهم إلي الشر الذي جعل الله يهلك العالم القديم بالطوفان، ما سمحوا لعيونهم أن تنظر إليهن، حتي لا يهلك العالم بسببهم..

ولوط لو كان يعلم أنَّ شربه الخمر، يجعل ابنتيه يتدنّسا معه ما شرب نقطة واحدة..

ولو كان جيحزي يعرف أنّ محبته للمال التي قادته إلي الكذب علي سيده إليشع، ستجعل برص نعمان يلصق به وبنسله، ما ذهب وراء نعمان ليأخذ منه شيئاً..

وكل شاب، لو علم أنَّ النظرة الشهوانية، تقوده إلي السقوط الفعليّ في الخطية، لسار مغمض العينين، وهكذا السكير لو كان يعلم مدي ضرر المسكر علي الجسم والعقل والمال.. لكان يقذف بكل كأس يُقدم إليه علي الأرض ويُحطّمه..

وكذلك الكذاب والشتّام والنمّام ومن يحلف... لو كانوا يعلمون جميعاً أنَّ خطاياهم هذه، ستؤدي بهم إلي قاع الجحيم وتفصلهم عن الله، والقديسين، لكان الجميع يطرحون خطاياهم، ويعيشون في البر والقداسة والتقوي..

إسأل نفسك بعد كل خطية تسقط فيها: ماذا ربحت وماذا خسرت من خطيتي هذه؟ ستجد الإجابة واضحة: إنّك لم تربح شيئاً، لأنّك إن كنت ستربح لذة وقتية ستخسر الله، الذي لذته تفوق كل لذة أرضية وشهوة جسدية..

يجب أن تعرف أنَّ الخطية لا تُعطي شيئاً، بل هى تأخز كل ما عندنا، وطريق الخطية إن كان يبدو مُزيناً، مليء بالأفراح واللذات الجسدية إلاَّ أنَّ نهايته بحيرة مليئة بالنار والكبريت، وكل من واصل السير فيه كان الموت نهايته، وربَّما يؤكّد كلامي هذا ما رواه أحد الأغنياء عن نفسه قائلاً:

" أنا رجل أعمال، من الخارج اعتبر في نظر الناس ناجحاً، ولكن في الداخل قليلون هم الذين يدركون سر تعبي، فقد كنت مشهوراً بعلاقاتي الجنسية والتي امتلكت حياتي، ولم أقدر أن أعيش بدونها ولو ليوم واحد، لقد وضعت كنزي في النساء حتي إن قلبي كان معهن دائماً، وهذا ليس بغريب فالانجيل يقول: " لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضاً " ( مت21:6)، لكن ماذا ربحت من حياة النجاسة التي عشقتها؟ من جهة أُسرتي لم أكن أشعر بسلام وسعادة وأنا معهم علي الإطلاق، فكنت دائم الخصام والشجار مع زوجتي التي قاست بسببي حتي إنَّها حاولت أن تنتحر مرتين، أمَّا عملي فكاد أن ينهار، فقد خسرت مرَّة ملايين الدولارات حتي كنت أبكي، وشعرت بأنني مثل اليتيم وليس لي أصدقاء ولا أقارب، وكنت أزداد يأساًَ يوماً بعد يوم، ولولا أن تدخل الله في حياتي لهلكت..".


إهرب من الأشياء الي تسقطك في الخطية


" فترك ثوبه في يدها وهرب "

(تك12:39)


قال الملاك للوط: " اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ، لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ، اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلَّا تَهْلَِكَ " ( تك17:19).

ومعلمنا بولس ينصح تلميذه تيموثاوس قائلاً: " أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا " (2تي22:2)، ويُعلل ذلك بأنَّ: " الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ " (1كو33:15).

أمَّا داود النبي فيقول: " طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ " ( مز 1:1).

والقديس أندراوس الدمشقيّ كان يُناجي نفسه قائلاً: يا نفسي إهربي مثل لوط من حريق الخطية، فرّي من سدوم وعمورة، إهربي من لهيب كل شهوة بهيمية ".

فحاول أن تهرب من الأشياء التي تُسقطك في الخطية، ولا تظن أن هذا ضعف، فالهروب من الخطية فضيلة وقوة.. لأنّه يدل علي أنَّ القلب من الداخل يكره الخطية، ولا يرغب التمرغ في وحلها.. كما أنَّه لا يريد معاشرة الخطاة وصحبتهم، وتذكر أنَّ هروب يوسف الصديق من امرأة فوطيفار، كان هو السبب في عدم سقوطه، ولولا هروبه لكان قد سقط وتدنّس وأغضب الله.

وهنا نتسائل: أيهما كان أقوي: شمشون الذي غلب الأسد وهُزم من شهواته، أم يوسف الذي غلبه إخوته لكنّه غلب شهواته ولذاته؟.. حقاً: لقد كان شمشون القوي ضعيفاً أمام شهواته.. بينما كان يوسف الضعيف قوياً لأنّه انتصر وغلب شهواته.. ولهذا فيوسف يُعد أقوي من شمشون، وقد انطبق عليه قول معلمنا بولس: " لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ " (2كو10:12).

يقول القديس أُمبروسيوس

" إنَّ شمشون القادر الشجاع غلب الأسد، لكنه لم يستطع أن يغلب هواه، وقطع وثق أعدائه لكنه عجز عن قطع شهوته، وأحرق أكداس الظالمين ولكن أحرقه لهب اللذة المحظورة التي أوقدتها فيه امرأة واحدة ".

قد تكون مسببات الخطية نابعة من داخلك، وكما يقول معلمنا لوقا البشير: " اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ " ( لو 45:6).

أو من حواسك التي تجمع مناظر وأحاديث تتعبك وتتسبب في سقوطك.. أو من أفكارك.. ولهذا يجب علي الإنسان أن يضبط نفسه ويتحكم في حواسه، كما قال القديس بولس الرسول: " َمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ " (2كو5:10).

وقد تكون المسببات من الشيطان الذي يستطيع أن " يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! " (2كو14:11)، وكثيراً ما يقدم أفكاراً خاطئة ليسقط البشر، كما قدّم للسيد المسيح في التجربة علي الجبل ثلاثة أفكار (مت4 )، أو يظهر في رؤية أو حلم، ولهذا يقول يوحنا الحبيب: " لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ " (1يو1:4).

وفي مواقف كثيرة تكون مسببات الخطية، من الأقرباء والأحباء.. فآدم آتته العثرة من حواء امرأته.. ويعقوب من أمه التي دبّرت له الحيلة.. وشمشون من دليلة التي أحبها.. وآخاب من إيزابل زوجته..

وما أكثر الأطفال في البيوت، الذين تأتيهم العثرة من والديهم، سواء عن طريق الشتائم أو الألفاظ القبيحة التي يسمعونها.. أو من مناظر اعتداءات الرجل علي زوجته التي يرونها..

فالأفضل أن تبعد عن كل الأشياء، التي تتسبب في سقوطك في الخطية حتي لا تؤثر عليك، واهرب من كل الذين يجذبونك إلي أسفل، ويفقدونك روحياتك.. ولا تُدخل نفسك في تجربة قد لا تستطيع أن تخرج منها..

ولا تظن أنك أقوي من شمشون الذي سقط، أو داود الملك، أو غيرهما.. فالخطية هي التي " طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" ( أم 26:7).

وتذكّر ما قاله مار إسحق السريانيّ: " تحكّم قبالة مسببات الآلام فتهدأ منك الآلام من ذاتها "، كما قال أيضاً: " لا يتحرر الإنسان من لذة الخطية ما لم يمقط سببها من كل قلبه مقطاً نهائياً ".

والقديس دوروثيئوس يقول: " يجب علي الإنسان أن يقتلع، لا الشهوات فحسب بل وأسبابها، ويسمّد حاله بسماد التوبة، عندئذ يلقي البذار الحسنة، أي الأعمال الصالحة ".

أمَّا القديس باسيليوس فيقول: " إذا إدَّعي رجل أنَّ معاشرة النساء لا تضره، فهو إمَّا أن يكون ليس برجل، وإمَّا أنَّه لا يشعر بتأثير المُغريات ".

فهل وصلت للدرجة التي لا تتأثر فيها بالنسـاء ؟!

أعتقد أنها درجة القديسين الكـاملين ، فالأفضل لك

هو البعد عن كل المسببات التي تُسقطك في الخطية.


إطرح الخطية من بدء محاربتها لك


" لنطرح عنا كل ثـقل والخطـية المحيطة بنا،

ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا"

( عب 1:12)

من السهل أن نطرح الخطية ونتخلص منها وهي لازالت صغيرة، فالأشياء في بدء نشأتها يمكن التغلب عليها بسهولة أكثر مما لو كبرت.

فمثلاً: الشجرة في أول حياتها تكون لينة، ولذلك يمكن أن تقوّم إعوجاجها أو تقلعها بسهولة، ولكن بعد فترة من الزمن إذا كبُرت لا يمكن بسهولة تحقيق ذلك، أيضاً الشبل الصغير ما أسهل أن تقتله، ولكن لا تستطيع ذلك إذا كبُر وصار أسداً.

وقد تغرق السفينة من ثقب صغير في أسفلها، كما تغرق من موجة كبيرة تصدمها، أو عاصفة تصادفها، وقد يمكن تفادي الرياح والزوابع، ولكن ثقباً صغيراً لا تلتفت إليه قد يعظم ضرره ولا يمكن إتّقاء شره.

قال البعض

" إحترس من الصغائر التي تظهر أنَّها أُمور هينة، لأنَّ الصغائر تُوّلّد الكبائر، ومعظم النار من مستصغر الشرر ".

لو تركت خطية واحدة ترعي في قلبك لأفسدته ودنسته، والذين استسلموا لخطية واحدة ولم يقاوموها في البداية، قادتهم تلك الخطية إلي الهلاك الأبدي، وفي هذا يقول معلمنا القديس يعقوب الرسول: " مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِماًفِي الْكُلِّ " ( يع10:2).

يقول القديس دوروثيئوس

" إقطع الآلام دائماً وهي لا تزال صغيرة، قبل أن تتأصل فيك، وتقوي وتبدأ في إضعافك، لأنّك عندئذ تُقاسي منها الكثير، فإنّه يوجد فرق كبير بين جني ورقة عشب صغيرة، واقتلاع شجرة ضخمة من جزرها ".

فاحذر واحترس وبادر إلي اقتلاع الخطية وهي لا تزال عشب، ولا تتهاون في أية زلة مهما كانت صغيرة، وإلاَّ ستجد منها أخيراً سيداً قاسياً عنيداً، تضطر أن تسير أمامه كعبد مقيد زليل.

وإن كانت سفينتك جازت وسط البحر، وتفادت الصخور، وقاومت الزوابع والعواصف، فاحذر الريح اللينة، والأوحال القليلة، والقش الضعيف.

إمسك الثعالب الصغيرة واقتلها قبل أن تفسد كرمك، أمتْ تلك الانحرافات التي تظهر في باديء الأمر أنّها صغيرة، فتلك الزلات الصغيرة والعادات البسيطة التي لا تخشاها في أول الأمر، قد تنمو وتكبر وتتكاثر وتُوّلّد فيك خطايا لا يمكنك التخلص منها بسهولة! أليست الديدان الصغيرة التي لم تهتم بقتلها، قد تصير في يوم ما حيات سامة وأفاعي مميتة؟!

فانتبه أيها الحبيب إلي كل ما هو صغير، وحاول أن تتخلّص منه قبل أن يُقيّدك شيئاً فشيئاً، إلي أن تصير القيود الخفيفة سلاسل حديدية، يصعُب التخلص منها فيما بعد!!


إعرف قيمة جسدك وروحك


إنَّ أجسادكم هي أعضاء المسيح أفآخذ أعضاء

المسـيح واجعلها أعضـاء زانـية، حاشا "

( 1كو 15:6)

عندما تعرف أنَّ جسدك هو عطية من الله، وديعة وسوف تُحاسب عليها يوم الدين لا تتجرأ وتفعل الخطية، لأنّها تُشوّه وتُتلف ليس أعضائك فقط، بل وأعضاء السيد المسيح أيضاً (1كو15:6).

لقد اختار الرب أن تكون أجسادنا مسكناً له، هيكلاً لروحه القدوس: أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ، فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ"(1كو6: 20،19) وكل من يعيش في الخطية يُهين هيكل الله.

وليست مسئوليتنا أمام الله عن أجسادنا، هي فقط التي تساعدنا علي ترك الخطية، بل أيضاً وحاجتنا إلي أجساد صحيحة، نستخدمها لفائدتنا في الحياة التي نعيشها عاملاً كبيراً، يجعلنا نطرح الخطية بسهولة.

أيضاً عندما نعرف أنَّ أيّ خطية مهما كانت، كافية لإحدار نفوسنا إلي الهوة السحيقة، حيث البحيرة المتقدة بالنار التي لا تطفأ والدود الذي لا ينام نطرح عنا الخطية، رأفة بنفوسنا الخالدة وحباً في خلاصها، حتي لانرسلها إلي الجحيم بل إلي السماء حيث الله والقديسين والأبرار، " فمجدوا الله في أجسادكم وأرواحكم التي هي الله" (1كو20:6)


تأمل في الله ومحبته


" هكذا أحب الله العالم حتي بـذل ابنه

الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به "
(يو16:3)


عندما تتأمل في أُقنوم (الآب)، الذي خُلقنا علي صورته ومثاله في البر والقداسة، تجد ما يساعدك علي طرح الخطية، لتحفظ صورة الله التي خُلقت عليها، طاهرة، نقية، بلا عيب ولا دنس..

وعندما تُفكّر في أُقنوم (الابن)، الذي أحبنا وبذل ذاته لأجلنا، محتملاً آلامات وعذابات يصعُب وصفها، انتهت بسفك دمه الطاهر وموته علي عود الصليب، تهرب من الخطية التي سببت لفادينا الحنون كل هذه الآلام..

وعندما تنظر إلي أُقنوم (الروح القدس)، كعطية إلهية أراد الله أن تكن أجسادنا مقراًَ لسكناه (1كو19:6)، لا نطرح من قلوبنا كل خطية ودنس فقط، بل ونبكي بكاءً مرّاً علي خطايانا السابقة، التي جعلتنا نُحزن روح الله القدوس.

إذاً من يعمل الخطية لا يهين نفسه فقط بل ويهين الله، يهين (الآب) لأننا بالخطية نحتقر قداسته!!

ونؤلم (الابن) لأننا نحتقر محبته، ونرفض كل ما عمله وما احتمله لأجلنا!!

ونُحزن ( الروح القدس)، الذي لا يقبل أن يسكن في قلوب فاسدة قد دنستها الخطية!!


وفي الأبدية وما أعده الله للمؤمنين


" ما لم تر عين، ولم تسمع أُذن، ولم يخطر

علي بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه"

(1كو 9:2)

مشكلة كثير من الخطاة أنَّهم لا يُفكرون في الحياة الأبدية، وما أعده الله لمُحبّي اسمه القدوس، وفي أورشليم السمائية، كما أنّهم لا يُفكّرون في طبيعة الحياة بعد الموت، إذ لا جوع ولا عطش ولا حر ولا برد ولا بكاء أو تنهد أو وجع أو مرض، ولا شهوات ولا ميول منحرفة، ولا غيرة ولا حسد ولا خصام، ولا ظلام لأنَّ الرب سوف يُنير طرقهم وقلوبهم، ولا جهل بل معرفة..

فإذا فكّر الخطاة في مجد السماء، أعتقد أنّهم لا يعيشون في الخطية لحظة واحدة، لأنَّه ما هي لذة الخطية لو قورنت بسعادة الأبدية؟! وما هي لذة الحياة مع إبليس لو قورنت بجمال الحياة مع الله؟! وما هى قيمة الأشياء المحدودة لو قورنت بالله غير المحدود؟! وهل تترك ما لم تر عين وما لم تسمع به أُذن.. وتبحث عن أشياء فانية لا قيمة لها؟!


قصــة


كان يوجد ملك يعبد الأوثان له مشير صالح لا يفتر عن عبادة الله، وكان يترقّب فرصة ليجتذب الملك إلي الإيمان.. فاتفق أن قال له الملك في يوم: هلم نتمشي في المدينة لعلنا نعثر على شيء نافع، وبينما هما يمشيان، أبصرا بصيصاً من نور ينبعث من ثقب ما، فأمعنا النظر فيه، فاهتديا إلي شبه مغارة في الأرض، كان يعيش بها رجل عيشة الفقراء، وعليه ثياب بالية، وأمامه امرأته تنظر إليه في بهجة وسرور، وتُحدّثه في هيبة ووقار..

أطال الملك ومن معه النظر في ذلك ساعة من الزمن، وتعجَّبوا من أنَّ الرجل وزوجته رغم فقرهما الشديد إلاَّ أنَّهما يتمتعان بهذا الفرح!! وبعد صمت طويل قال الملك لوزيره: من العجب أننا لم نذق لذة عيش مثل هذه مع أننا نتقلّب في رياض العز والنعماء.. فانتهز الوزير الفرصة وقال: ينبغي أن تعلم أيها الملك أنَّ عيشنا وإن كان يُظن عند الناظرين إنه محفوف بالنعيم والهناء.. إلاَّ أنَّ المساكن المموهة بالذهب والملابس الحسنة والنعيم العالميّ.. ليست بشيء لو قورنت بما أعده الله لنا في السماء، من المساكن التي ليست مصنوعة بالأيدي، والتيجان التي أعدها لمحبيه مما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر علي قلب بشر.. والذين سيتنعمون بهذه النعم ينظرون إلينا بعيون ملؤها الحزن والأسف..

فلمَّا سمع الملك هذا الكلام ذُهل وقال: ومن هم الذين يتمتعون بكل هذا؟ فقال الوزير: هم الذين فضلوا الأشياء الدائمة علي الفانية، فأراد الملك أن يعرف ماهية الأشياء الدائمة؟ فأجابه الوزير: هي مملكة لا تنقرض وحياة لا يعتريها فناء، وغني لا يُخشي معه فقر، وفرح لا يُمازجه كدر.. فقال الملك: وما هو الطريق الذي يؤدي إلي هذه الحياة؟ فقال الوزير: هو الإيمان بالإله الحق خالق السماء والأرض.. وبابنه يسوع المسيح الذي أحبنا وفدانا بأن مات على الصليب، وبالروح القدس الذي يرشدنا ويعزينا ويملأ قلوبنا بالمحبّة والفرح والسلام.


إلتجيء إلى الله الذي قال


" بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً "

( يو 5:15)

لقد خلق الله الإنسان وكوّنه، بحيث أنَّه لا يستطيع أن يعيش بدونه، ولا يمكن أن تكفيه الممتلكات المادية وحدها، فلابد أن يكون له علاقة روحية مع الله.

فالسباحة في الفضاء، والهبوط على سطح القمر، والغوص في أعماق المحيطات.. هى وسائل ترفيهية مهما كان فيه من نشوة وإثارة، إلاَّ أنَّها لا يمكن أن تُشبع جوع الإنسان الداخليّ.. والحصول علي مركز مرموق، والسكن في فيلا فاخرة، ومشاهدة البرامج المسلية علي شاشات التلفزيون.. كل هذه ليست الحل لمشاكلنا، فلابد للإنسان من الله.

قال بوذا في نهاية حياته: " لا أزال أبحث عن الحقيقة "، ويمكن أن يُردد هذه العبارة عينها آلاف البشر، من الفلاسفة والعلماء والأغنياء، ولا يستطيع أحد أن يُجيب مثل السيد المسيح الذي قال: " أَنَا هُوَ َالْحَقُّ " ( يو6:14).

وقال هندوسي عريق في بلاد الهند، وهو يضع يده علي قلبه: إنّي أحتاج إلي شيء، نعم أحتاج إلي شيء هنا "، وهذه صيحة جميع الناس في كل الأوقات، أمَّا هذا الشيء فهو الله، فالحياة بدون الله تعيسة وفارغة ولا معني لها، بدون الله لا حياة ولا أمل في حياة، ولا نمو أو إخضرار.. إنَّما يعُم القحط قلوبنا.

عندما إنتشر الفساد في الغرب، وسادت الخطية، وسيطرت اللذة, وتملّكت الرفاهية.. وسيطرت علي الكثيرين، قال بعض المستهترين الملحدين: " لقد مات الله في القرن التاسع عشر "!! ولكن بعد أن اكتشفوا حقيقة الخطية المرَّة، وما يجنيه الإنسان منها عادوا فقالوا: " والإنسان قد مات في القرن العشرين "، فأعلنوا بذلك أنَّه لا حياة للإنسان بدون الله.

أمَّا الله فهو أب حنون " يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ " (1تي4:2)، وهو لا يسر بموت الشرير بل برجوعه عن طرقه فيحيا ( حز23:18)، والسبب في هذا: إننا جبلة يديه التي علي صورته ومثاله قد خلقها.

فالمرأة الخاطئة، والسامرية، ومتي الرسول، وزكا العشار، وموسي الأسود، وأغسطينوس، وبيلاجية.. وغيرهم كثيرين وكثيرات، قد جاءوا إليه خطاة، ملوثين بالإثم.. لكنهم في الحالقد نالوا منه نعمة الغفران، ومنحهم السلام..

إنَّ الله قادر أن يُخلّصك من سلطان الخطية، ويُحررك من عبوديتها، لأنَّه قادر وسبق أن خلّص كثيرين، ممن كانوا يعيشون في ظلام الشر والفساد.. وهو لا يزال إلي اليوم يحطم قيود الكثيرين، ممن تألموا تحت نير عبودية الخطية القاسية، بشرط أن تلتجيء إليه، ويكون لديك دافع أن تتخلّص من خطاياك.

يقول القديس أغسطينوس

" إنِّ الله الذي خلقك بدونك، لا يخلصك بدونك ".

أيّ أنّ الله علي الرغم من أنه قد خلقك بغير إرادتك.. إلاَّ أنَّ خلاصك لابد أن يكون بكامل إرادتك وبملء حريتك.

والله يستطيع أن يُخلّص في الحال لأنَّ قدرته فائقة!! فهو يستطيع بمجرد لمسة، أو كلمة.. فيده ممتدة في كل حين، لتلمس كل قلب يعيش في الدنس، لتطهره وتُعطيه خلاصاً فينال الحرية ويعيش في سلام..

كل هذا يحتاج إلي شيء واحد: " َادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي " ( مز15:50).. " ِاسْأَلُوا تُعْطَوْا، اطْلُبُوا تَجِدُوا، اقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ " (مت7:7).

فكل خطية يمكن طرحها بسهولة، للذين عرفوا الرب يسوع.. وأيقنوا أنه ليس بأحد غيره الخلاص ( أع 12:4)، وأسلموا قلوبهم لعمل النعمة الإلهية..

فزكا العشار كان قبل أن يعرف الرب، رجلاً قاسياً وظالماً، ومحبّاً للمال.. ولكن بعد أن رآه وتلامس معه، رأي الخطية في صورتها القذرة وكم هي خاطئة جداً؟! ولأنّه كان صادقاً في إيمانه، استطاع بسهولة أن يطرح من قلبه صنمه الذهبيّ، وخطيته المحبوبة.. ولذلك قال: " هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ " ( لو 8:19).

أما أنت فإذا تركت الخطية فلا تتأسف عليها، ولا تحاول أن تعود إليها مرّة تانية، لئلا تكون أواخرك أشر من أوائلك..

وتذكّر امرأة لوط كيف أنَّها عندما خرجت من المدينة، ونظرت وراءها – إلى شهوات المدينة - صارت عمود ملح.

وفرعون لمَّا ندم علي إطلاقه بني إسرائيل، وذهب وراءهم لكي يرجعهم إلى العبودية، غرق هو وجيشه في البحر الأحمر، فمات ودُفنت معه قسوته.

ولهذا أوصي السيد المسيح المُخلع بعد أنَّ شفاه قائلاً: " هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ تُخْطِئْ أَيْضاً لِئلا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ " (يو14:5).



لا تخدعك ينابيع العالم فكلها جافة


" تركوني أنا ينبوع المياه الحية ، لينـقروا

لأنفسهم آباراً، آباراً مشققة لا تضبط ماء"

( إر 13:2)

إنَّ العالم قد اخترع لنفسه ينابيع كثيرة للهو والمسرات، ولكنها كلها ينابيع جافة، كاذبة ومضلة، وهي أشبه بالسراب الذي يراه السائر في الصحراء ماء، وبعد أن يركض نحوه يتحقق أن ما رآه، إنَّما هو وهم وخيال.

فالعالم منذ أن وضع في الشرير، مملوء من السراب الخادع، والوهم الكاذب، وكم من نفوس سارت وراء خداعه، ولم تستيقظ إلاَّ بعد أن تألمت وأدركت حقيقة ضلالتها، فسارت في طريق الحياة الحقيقي، الخالي من الغش، فنجت ووصلت إلي بر النجاة، وكم من نفوس سارت وراء خداعه ولم تستيقظ، فختمت حياتها باليأس والهلاك.

من أمثلة الينابيع الجافة:

++ شهوات الجسد


كان سليمان الحكيم ملكاً غنياً ومقتدراً.. وقد ساعدته ظروفه علي التمتع بكل ما في الحياة، فيقول: " جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضاًفِضَّةً وَذَهَباً وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ، اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ سَيِّدَةًوَسَيِّدَاتٍ.. وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ "، لكنه عاد وقال: " ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ! " ( جا 2: 8-11).

وعلي نهج سليمان لازال الكثيرون يركضون اليوم وراء شهوات الجسد، لكنهم للأسف يرجعون فارغين، لأنَّ من يركض وراء أيّ شهوة جسدية، لا يجني سوي مرارة النفس وأمراض الجسد وضياع المال.. هذا بالإضافة إلي ما يجنيه البنون من فقر وأمراض وسمعة رديئة..

فلا سعادة تجنيها من شهوات الجسد، سواء كانت تلك الشهوة نجاسة يرتمي الجسد في أقذارها.. أو استباحة يقود إليها ميل الجسد الفانيّ.. وهذا هو اختبار الخطاة عقب كل مرّة ينساقون فيها وراء أحلام الشهوة، فجميعهم يعترفون بأنّهم كانوا يركضون وراء سراب كاذب، عادوا منه وهم يحملون في نفوسهم مرارة الاختبار القائل: باطل الأباطيل الكل باطل.


++ الغني


ينبوع ثانٍ من الينابيع الجافة، يخدع الناس ببريقه!! وهذا أيضاً اختبره سليمان فيقول: " جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضاً فِضَّةً وَذَهَباً وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ " ( جا2: 8،7)، ولكن النهاية: باطل الأباطيل الكل باطل!!

ومع أنّ ينبوع الغني جاف وليس فيه ما يروي، إلاَّ أنَّ صنم التمثال الذهبيّ، صار معبود الكثيرين اليوم، وأصبحت الثروة هي نقطة إرتكاز آمالهم، ولأجل المال أهمل الكثيرون واجبات العبادة، وبسبب حب المال صار الإخوة أعداء!!

والحق إنَّ من يبحثون عن سعادتهم في المال متوهمون!! فها هو سليمان يعلن للجميع أنَّه سراب كاذب وينبوع جاف! فيقول: " مَنْ يُحِبُّ الْفِضَّةَ لاَ يَشْبَعُ مِنَ الْفِضَّةِ وَمَنْ يُحِبُّ الثَّرْوَةَ لاَ يَشْبَعُ مِنْ دَخْلٍ، هَذَا أَيْضاً بَاطِلٌ ( جا 10:5).

فالمال وإن كانت تراه العين وتلمسه اليد، إلاَّ أنَّه عاجز عن أن يلمس القلب من الداخل، حيث مركز السلام الحقيقي والسعادة الحقيقية، كما أنَّ المال تذكرة سفر تستطيع أن تسافر بها إلي أيّ بلد في العالم إلا السماء، بالتوبة أولاً ثم أعمال المحبة... تستطيع أن تدخل هذا البلد العظيم.


++ التسالي


ينبوع ثالث من الينابيع الكاذبة الجافة، إلتجأ إليه سليمان عندما حاول إدخال السرور إلي قلبه، والوصول إلي السعادة، فيقول: " بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتاًغَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُوماً، عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَاراًمِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ، عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ.. ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ! " ( جا 2: 4-11).

إن أفضل ما قيل عن ينابيع العالم، أو الشهوات المادية، أو ملذات العالم الفانية.. إنها لا تشبع ولا تُشبع، آلاماً تسبقها وآلاماً تلحقها، فكل شهوة يطيعها الإنسان، تلهب فيه شعوراً بالتعطش، إذ يطلب المزيد كالماء المالح الذي لا يروي، وفي نفس الوقت يُضاعف الشعور بالعطش.. وفي ذلك يقول السيد المسيح: " كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً " ( يو13:4).


سر في نور المسيح فيتبدد ظلام الخطية

" سيروا في النور مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام "

( يو 35:12)

يُخبرنا الوحي الإلهيّ بأنَّ الأرض في بداية خلقتها كانت خربة وخالية ومغمورة في ظلمة حالكة (تك1: 2)، لكنَّ الله استطاع أن يُحوّل هذه الظلمة إلى نور عظيم (تك1: 3،4)، إلاَّ أنَّ البشر أحبوا ظلام الخطية أكثر من نور التوبة! لكنَّ الله لم يُسرْ بهذه الظلمة أيضاً، فدبَّر أن يُشرق بنوره الإلهيّ لكي يبددها، فأرسل ابنه الحبيب نوراً للعالم وقد تم المكتوب: " اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً، الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظَِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورًٌ " (إش9: 2).

لقد وُلِد المسيح نوراً للعالم واستطاع بأشعته السماوية البرّاقة، أن يجعل سُحب الظلام تتوارى وتهرب! فالظلام ضعيف ولا يستطيع أن يصمد أمام لهب صغير، ولكنَّه يُقاوم ولا يستسلم، آملاً أن يسدل ستاره الكثيف على الوجود، وإن كان يعلم أنَّه لن يقدر، إلاَّ أنَّه يشنّها حرباً على ذاك الذي يكرهه، أعنى النور، لأنَّه يكشف قُبحه ويبدده ويُعلن ضعفه! والسؤال الحائر هنا: إن كان الظلام ضعيفاً ومملاً ومخيفاً وضاراً.. فلماذا يعشقه الكثيرون ويفضّلّونه على النور؟! هل لأنَّ النور يفضح أعمالهم الشريرة بينما يخفيها الظلام؟!

قبل مجيء السيد المسيح كانت هناك أنوار كثيرة يتبعها الناس، بعضها أشعة من نور الحق، وبعضها شعلات كاذبة تتأجج ثمَّ تنطفيء تاركة الإنسان في ليل أشد سواداً، وإلى الآن لازالت هناك أنوار جزئية لا تُعلن كل الحق، وأنوار كاذبة تُضلّل البشر، والناس بالرغم من هذا يتبعونها! ويعتقدون أنَّها تكفي لإرشادهم في طريق الحياة! وهم بهذا لم يدركوا أنَّ يسوع وحده هو النور الحقيقيّ، الذي يُنير قلب الإنسان والذي يُضيء الطريق أمامه.

قديماً كان الله يحيا بالنسبة للأُمَميّ، إمَّا في عالم يسوده الظلام فلا يستطيع أحد أن يصل إليه، أو في نور لا يقدر أحد أن يدنو منه! ولكن عندما جاء المسيح وعم بنوره المسكونة كلها، استطاع الناس أن يروا فيه صورة الله.

لقد ذهبت الأشباح المخيفة وتوارى الظلام، فالنور قد جاء ليُضيء للجالسين في الظلمة وظلال الموت، وأيضاً لكي يتلاشى ظلام الموت، ذلك العدو اللدود للبشر الذي كان الناس يخشونه، وفى خوفهم قد أصبحوا طيلة حياتهم عبيداً له، فأشجع القلوب وأقواها كان يذوب عند ذِكر هذا العدو، ولكن بمجيء المسيح وانتصاره على الموت، أظهر لنا أنَّ الموت ليس هو نهاية الحياة الحقيقية بل بدايتها، فهل لنا أن نقول: إن متنا فذاك الموت يُحيينا؟!

إن قلنا إنَّ الله نور فالخطية ظلام، والنور والظلام لا يجتمعان معاً، شأنهما شأن الصباح والليل، فالصباح لا يلتقي بالليل إلاَّ لكي يبدده! ولهذا منذ بداية الخليقة " َفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَاراً وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً " (تك9:1).

والعجيب في قصة الخلق أنَّ الله لم يمحُ الظلمة، فلم يقل: لا تكن ظلمة، إنَّما قال: " لِيَكُنْ نُورٌ " (تك3:1)، فكان نور وبقيت الظلمة ولا تزال باقية كما هي، وقد علّمنا بهذا أنَّ أفضل وسيلة لمواجهة الظلام هي زيادة الأنوار، والحق إنَّ شمعة واحدة مُضيئة تكفي لأن تُضيء مساحة كبيرة من الظلام، فإلى هذه الدرجة الظلام ضعيف!!

لعل أهم بركات النور أنََّه يكشف لنا مدى قُبح الخطية، فإذا أتينا بثوب ملطخ ووضعناه في مكان مظلم، فإننا لا نرى ما فيه من أقذار، أمَّا إذا أُضيء المكان ففي الحال سنرى ما ستره الظلام..

وكم من نفوس عاشت وهى لا تشعر بعيب فيها! لأنَّ الظلام كان قد أعمى عينيها، ولكن ما أن واجهها نور المسيح فسرعان ما استيقظت وشعرت بخطيتها وثقل ذنوبها.. ألم يضطهد شاول الطرسوسيّ كنيسة الله ظاناً أنّه بهذا يُقدّم خدمة مرضية لله؟! ولكنَّه ما أن نظر نور المسيح حتى خر كالميت وشعر بأقذاره، فصرخ بصوت الطفل الرضيع، والتائب النادم وقال: " يَا رَبُّ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟ " (أع9: 6).

والنور لا يكشف لنا قُبحْ الخطية فقط، بل ويُهدينا إلى طريق الله أيضاً، فالذي يمشي في الظلمة لا يعلم إلى أين هو يمضى، أمَّا الذي يمشي في النور فلا يتعثر، والعالم بلا يسوع لا يعرف إلى أين يذهب، أمَّا من يسير في نوره فيصل إلى الميناء بسلام.

بدون الله لا حياة ولا أمل في حياة، وبدون نور المسيح حتماً سنشكو من الظلام، ألم يقل إشعياء النبيّ: " ابْتَعَدَ الْحَقُّ عَنَّا وَلَمْ يُدْرِكْنَا الْعَدْلُ، نَنْتَظِرُ نُوراً فَإِذَا ظَلاَمٌ، ضِيَاءً فَنَسِيرُ فِي ظَلاَمٍ دَامِسٍ نَتَلَمَّسُ الْحَائِطَ كَعُمْيٍ وَكَالَّذِي بِلاَ أَعْيُنٍ نَتَجَسَّسُ، قَدْ عَثَرْنَا فِي الظُّهْرِ كَمَا فِي الْعَتَمَةِ فِي الضَّبَابِ كَمَوْتَى " (إش59: 9،10).

حقاً إنَّ بعض الملحدين قد أنكروا وجود الله، وجعلوا من الدين عرضاً من أعراض طفولة الشعوب أو قصور العقل البشريّ! ولكنَّ الإنسان مهما حاول أن يطرد فكرة الله من عقله، فإنَّ هذه الفكرة لابد من أن تعود إليه بصورة أُخرى، مادام العالم الذي نعيش فيه ناقصاً لا يستطيع أن يكتفي بنفسه! وهل نُنكر أنَّ كثيرين حاولوا أن يلغوا فكرة الله وبالتالي العبادة الدينية من حياتهم، لكنَّهم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاستعاضة عن الديانات القائمة بديانات أُخرى جديدة من صنع البشر! ألا يدل هذا على أنَّ الإنسان مخلوق غير كامل، وهو في حاجة إلى قوة أُخرى يسد بها ما في عالمه من نقص؟!

هل تُسمّى الحياة حياة إذا عاش الإنسان لشهواته ؟! إنَّها حياة عقيمة! تصير الحياة ذات معنى إذا عاش الإنسان من أجل هدف سامٍ، واعتقد أنَّ أسمى هدف هو الله! أمَّا إذا عاش الإنسان لشهواته فسوف يُشبه الحيوان، لأنَّ الحياة الشهوانية تُحطّم قيمة الإنسان، وأعتقد أنَّ الله في اليوم الأخير سيسأل كل من عاش لشهواته قائلاً: لقد خلقتك إنساناً فلماذا لم تُصبح إنساناً؟!

إنَّ من يزرع بذور الشهوة، ثمَّ يطمع أن يأكل ثمار المحبة الإلهية هو إنسان جاهل، لأنَّ بذور الشهوة لا تُثمر سوى الحقد والكراهية والخوف... وكيف يطلب إنسان شهوانيّ، أن يأكل ثمار الحُب الإلهيّ وهو لا يعي وجود الله؟! والعجيب أننا نُسمّيه إنساناً حيـاً! فإن كان مثل هذا حياً فمن يا تُرى ذلك الإنسان الذي يحق أن ندعوه ميتاً؟!

عندما تكون حرارة الروح مشتعلة، فإنَّها تملأ الجسد دفئاً روحياً، وتُعيد إليه نشاطه من جديد! ولهذا أوصى الآباء بأن نجتهد ونُشعل حرارة الروح فينا، مادام في جسدنا قوة وشهوة الطبيعة تعمل فينا، لكي نستبدل شهوة بشهوة، وتأخذ شهوة الروح الغَلَبة، وتنتصر على شهوة الجسد! فإذا اشتعلت شهوة الروح خمدت شهوة الجسد..


أحب الرب إلهك لتطرد من قلبك محبة الخطية


" المحبـة لا تسـقط أبداً "

(1كو8:13)


إن أحببت الله من كل قلبك، تستطيع بسهولة أن تطرد محبة الخطية من قلبك، لأنَّ من يُحب الله لا يجد في الخطية لذة علي الإطلاق، بل ينفر منها، لأنَّها خاطئة ولا توافق طبعه..

ويجب أن تعلم أن الله خلق الإنسان وهو يحمل في داخله غريزة الحب، فإن لم يُحِب الله سيحب الشيطان، وإن لم يُحِب القداسة سيحب حياة النجاسة.. فإن كنت تريد أن تتخلص من شهوة خطية تملكت عليك فلابد أن تستبدلها بشهوة أُخري أقوي وأفضل منها، ولا أظن أنَّ هناك أحلي من شهوة الحُب الإلهي.. ولهذا يقول ابن العبريّ: " من أحب أمر أبغض ما هو ضده، ولا يرغب التفكير في هذا المضاد ".

أمَّا مار إسحق السريانيّ فيقول: " الشهوة إذا تسلّطت علي النفس واستعبدتها، تُخرجها من حريتها وتجذبها لتكميل ما تأمرها به، ولا تنقلع من النفس إلاَّ بمحبة شهوة أُخري تُضادها، لأنَّ الشهوة بشهوة تبطل أيضاً، ومحبة بمحبة، وعادة بعادة تتغير.. "

ولا توهم نفسك بأنك تستطيع أن تجمع بين هاتين الشهوتين في وقت واحد، لأنَّ محبة الله لا تتفق مع محبة الشيطان " لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَ الإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاقٍ لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ " (2كو6: 14-16).

وإذا سألت كيف أُحِب الله؟ لقلت لك: إنَّ التفكير الكثير في الله، يلد محبته في قلبك، كما أنَّ محبته إذا تولدت في قلبك، تجعلك تفكر فيه بالأكثر، وكل من الأمرين يوصل إلي الآخر ويقويه.

ولو أكثرت التفكير في صفات الله أو أعماله أو معاملاته للناس، أو من جهة وصاياه وكلامه.. ستنشغل بالله كثيراً، ومشغوليتك به ستجعلك تفكر فيه بالأكثر، وتفكيرك فيه سيزيد محبتك وهكذا تدور الدائرة.

كما أنَّ تفكيرك في الله سيقدس فكرك، ويلد في قلبك مشاعر روحانية سامية، وفي ذلك تستحي أن تفكر في أيّ شيء خاطيء أو شرير، ويكون صعب عليك أن تخلط أفكارك المقدسة بأيّ فكر نجس أو حتي عالمي.

ويوصلك التفكير في الله إلي نقاوة القلب، فتتعود الصلاة الدائمة، وتشعر بأنك في حضرة الله باستمرار، وفي هذا الحضور الإلهيّ لا يجرؤ الشيطان أن يقترب إليك.. وبالتالي من الصعب عليه أن يُسقطك في الخطية..

يقول القديس يوحنا الحبيب: " هَذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً " (1يو 3:5)، وبهذا أعلمنا أن حفظ الوصايا الإلهية يُوّلّد في القلب محبة الله.

فالذي يحفظ وصايا الرب يقترب منه، ومن يقترب من الله يقترب من أخيه، ومن يقترب من أخيه من الصعب أن يُخطيء إليه.. وإليك هذا التشبيه:

تصور دائرة تخرج من مركزها خطوط، فبقدر ما تبتعد الخطوط عن المركز بقدر ما تفترق عن بعضها البعض، وبالعكس كلّما اقتربت من المركز تقاربت نحو بعضها البعض.. افترض أنَّ هذه الدائرة هي العالم، ومركزها الله، والخطوط هي حياة البشر، فإذا اقترب الناس من المركز عن طريق حفظ الوصايا، اقتربوا نحو بعضهم، وإذا ابتعدوا عن المركز (الله) متجهين نحو الأمور الخارجية، ابتعدوا عن بعض، وهذا يجعلهم يرتكبون الشر بعضهم نحو بعض.

فإذا أحببت الله وأشرق عليك الحبيب بشعاع من حُبّه، فكما يقول الشيخ الروحانيّ: لن تحتمل السكني بين الناس، بل ستلقِ عنك كل حُب جسداني، وتتغرّب عن كل شيء في طلب المحبوب، ستنفض كل لذة جسمية وتنبذ كل تمتّع بشريّ ستترك الأب والأم والأخ والصديق.. وتسعي وراء الغنيّ بحُبّه لأنّك ستدرك أن في قلبه حب كثير لك.


رثاء


للقديس مار أفرآم السرياني من أقوال متفرقة

للحث على ترك الخطية


أطلب إليك ألاَّ تفسد هيكل الله، ولا تحزن روح الله الساكن فيك، ولا تغم الملائكة المأمورين أن يحفظوك ليلاً ونهاراً.. فإن كانت الحيطان تكتنفنا والسقف يُغطينا والباب مُغلق علينا والظلمة مشتملة، لكن الفاصل النور من الظلمة لا يكتم عنه شيء من أمورنا..

قل لذاتك: لك زمان تصنع شهوات الجسد وأمياله، فماذا ربحت؟ هل زدت علي قامتك ذراعاً واحداً؟ أصرت سميناً؟ فما خزّنت لذاتك سوي طعام الدود، ها إخوتك الذين اتّقوا الله، تزينوا بالفضائل الحقيقية، وأنا أذهب إلي الظلمة، وهب الرب لي حياة وأنا أسخط بها عمداً..

أيها الشيطان الخبيث قد جعلتني عاراً للملائكة والناس، لأني صرت مطيعاً لمشورتك النفاقية، لأنك خطرت لي قائلاً: أعمل شهوتك مرّة واحدة ولا تصنعها أيضاً، وها هو الصغير صار لي هوة، الماء وجد ثقباً صغيراً فصنع هوة عظيمة واضحة للكل، لأنَّ عادة الخطية تقود إلي أشر حال..

فاكرهي يا نفسي الخبيث، والتصقي بالإله المتعطف علي البشر.. استحي يا نفسي من الآن وأسرعي في طريق الخلاص.. انهضي وتشجعي، لا تلبثي في الهوة لكيلا تُدفَعي كالجثة طعاماً لطيور السماء والوحوش، اركعي لملك المجد معترفة له بخطاياك، فإنَّ له رأفات كثيرة..

إلي متي تحتمل العدو النجس مكملاً بلا خجل مشيئته، فهو يتمني أن يزج بك في النار، هذا هو حرصه وهذه هي مشيئته، فهو يُحارب دائماً بالشهوات الرديئة.. فاهرب منه وأمقت مشوراته.. أبغض الخبيث وفر من الغاش، فإنّه قتال للناس مذ الابتداء وإلي الانتهاء.. فاهرب منه أيها الإنسان لئلا يقتلك..

تأمل يا أخي واختر الأفضل: أتبكي هنا علي خطاياك وتتضرع لتخلص بالتوبة؟ أم تبكي هناك في النار ولا ينفعك شيء؟ لأنّك إذا بكيت هنا تنال رحمة مع تعزية.. فعد إلي ذاتك.. واعرف أنَّه من أجلك نزل الإله علي الأرض ليرفعك من الأرض إلي السماء..

أيها المُحبّون انهضوا فقد جاء الملك السماويّ، ليعطيكم نياحاً وسروراً في الحياة الخالدة عوض تعب نسككم.. قوموا فشاهدوا مملكته التي أعدها لكم.. قوموا وانظروا المن الذي لا يشبع منه أحد..

تقدم إلي أب الرأفات معترفاً بخطاياك قائلاً: أيها الرب إلهيّ، الممسك الكل، قد أخطأت في السموات وقدامك ولست مستحقاً أن أُدعي لك ابناً.. ولا أن أُبصر علو السماء من كثرة آثامي، ولا أن أذكر اسمك العظيم بشفتي الخاطئتين، لأني جعلت ذاتي غير مستحق للسماء ولا للأرض..

أسألك يارب وأتضرع إليك ألا تطرحني من قدام وجهك، ولا تبعد عني لئلا أهلك، لأنَّ لولا يدك سترتني لكنت هلكت وصرت كغبار قدام الريح..

أسكب علي رأفتك كما سكبتها علي الابن الشاطر، ارحمني وسامحنى علي سيرتي الطالحة، كما سامحت الزانية والعشار.. ترأف علي كاللص.. إقبل توبتي أنا العبد البطّال فإني يائس من الكل، لأنّك ما جئت لتدعو صديقين بل خطاة إلي التوبة..

صل أيها الحبيب..واعترف.. لتقدم صلاتك كبخور قدام الله

الخميس، 21 يناير 2010

الدين واحتياجات الإنسان


لاشك أن الهدف الأسمى من الديانة هو التشبّه بالله من حيث فضائله، والحياة معه، والشخوص فيه، والاتحاد به،
والتعلق بمحبته، وهو بهذا يسد احتياجات كثيرة فى الإنسان لعل أهمها:

حاجة الروح إلى العزاء


ما هو الإنسان ؟ وما هدفه فى الحياة ؟ أعتقد أن الوصول إلى قلب الله والتمتع بحبه.. هو أسمى هدف يمكن أن يصل إليه الإنسان فى هذه الحياة.

ولكن كثيراً ما يبحث الإنسان عن لذته في الماديات، لأنه لم يتذوق بعد حلاوة لذة يسوع التى تفوق كل لذة جسدية، فليس في الوجود أعظم من حبه، ولا أحلى من عشرته، ولا أحن من عواطفه، ولا أعذب من حديثه! سلامه يفوق كل عقل وتعزياته لا يُعبر عنها! وما أجملها لحظات عندما يتردد على القلب فيشعله بنار حبه!

تعجبنى العبارة القائلة: " القلب مثلث لا يملأه إلا الثالوث "، أى الله المثلث الأقانيم " الآب والابن والروح القدس"، فالسباحة في الفضاء والهبوط على سطح الكواكب مهما كان فيها من نشوة، إلا أنها لايمكن أن تملأ فراغ القلب، والحصول على مركز مرموق والسكن في فيلا فاخرة ومشاهدة البرامج المسلية.. لا يمكن لها أن تُشبع جوع الإنسان الداخلى، فلابد للإنسان من الله.

قد يسعى الإنسان لتحقيق شهواته، ولكن الشهوات لا ترحم ولا تشفق، خاصة إذا تملكت على إنسان، أما يسوع ففيه الحب والحنان، فيه الفرح والعزاء، إن كنت فقيراً يغنيك! أو مريضاً فيشفيك! أو حزيناً فيسكب عليك من دهن البهجة والفرح!

كم من جياع أشبعهم من دسم نعمته، وعراة كساهم بثوب بره، وعطاشى سقاهم بكأس حبه، هؤلاء غير المتعبين الذين أراحهم، والمتضايقين الذين عزّاهم، والساقطين الذين أقامهم...

إن من استنارت عيناه وذاق لذة الحياة مع الله، لا يمكن أن يجعل سعادته رهناً للظروف الخارجية، ولا نفسه تتعلق بمشتهيات مادية، لأن رغباته كلها متعلقة بالله، والحق إن السعادة التى مصدرها الآخرين لا يمكن لها أن تدوم، لأن البشر متقبلون فالذين يحبونك اليوم قد يكرهونك غداً، كما أن الإنسان يُحب التغيير، فما أن يحصل على لذة حتى يطلب غيرها، أما الثابت الذي لا يتغير فهو الله.

حاجة العقل إلى معرفة الحقيقة

لا ينكر أحد أهمية المعرفة، وما جلبه العلم من وسائل الراحة بواسطة الاختراعات، التى سمت بالإنسان وزادته ارتقاءً، وليس هناك من ينكر دور الأبحاث العلمية والأدبية.. التى لولاها لصار العالم برية قاحلة.. فالعلم أطال حياة الإنسان، وخفف آلاماً، وأفنى أوبئة، وأنار الليل، وبدد الظلام، وسهّل الاتصالات، وجعل البحار تفيض بما فيها من خيرات..

ولكن هناك أسئلة كثيرة.. إلى الآن لم يقدم العلم أجوبة عليها! فمن أنا؟ وما هو سبب وجودي؟ وإلى أين أنا ذاهب؟ ثلاثة أسئلة تؤرق عقل الإنسان الملحد والبعيد عن الدين!

والحق إن الديانة وحدها هي التي تقدم إجابات أكيدة، وسديدة، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة الملحة، التي لا يتمكن الإنسان مهما فعل من حذفها أو تجاهلها! فأنا إنسان قد خُلق على صورة الله ومثاله، وقد وجد فى الحياة لكى يحيا مع الله ويتمتع بحبه، فإذا عاش مع الله ذهب إلى الأبدية حيث النعيم الدائم، وإن عاش للعالم من أجل تحقيق شهواته.. فسوف يذهب إلى الهلاك الأبدى.

كما أن العلوم الطبيعية التي تقوم على دراسة الظواهر وعلاقاتها مع بعضها البعض، ولا تهتم كثيراً بأسبابها، لا نرى فيها إلا تماوجاً بين التأكيد والنفي، إذ هي ترفض اليوم ما قبلته بالأمس، تعلّم بمادية الإنسان تارة، وتارة أُخرى بروحانيته، وثالثة بخلوده، ورابعة بفنائه الكلي.وهذا إنما يكشف عن عجز هذه العلوم، عن تقديم إجابات يقينية على أسئلة الإنسان القديمة / الجديدة.


يقول سليمان الحكيم: " فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْماً يَزِيدُ حُزْنا ً" (جا18:1) وها نحن بهدوء نتساءل: أليس هذا هو إعلان واضح عن عجز العلم بل العلوم البشرية كلها، عن تحقيق السعادة والفرح للإنسان، والإجابة على تسأولاته المحيرة!

وهل ننكر أن الإنسان كلما ازداد معرفة اكتشف جهله، وأن هناك أموراً كثيرة لم ولن يفهمها، ويعجز عن بلوغها فيمتلئ حزناً!!

ألم يقل القديس غريغوريوس النزينزى: " بالحق من يزداد معرفة يزداد غماً، فإن الفرح الذي ينتج عما نكتشفه ليس بأعظم من الألم بسبب مالا نناله، إنه ألم أتخيله كذاك الذي يشعر به الذين يُسحبون من المياه وهم عطاشى".


والحق إن " أفكار البشر ذات أحجام " (حكمة14:9)، فإذا حاول الإنسان أن يتخطى السياج التى وضعه فيها الله، فإنه سيجد نفسه بإزاء ألغاز أبدية، يستحيل على أى فكر بشرى أن يعرف أسرارها، ولهذا فإنه سيعود من جولاته الفكرية خائباً!

نعترف بأن العلوم البشرية محدودة، وتعجز عن سد احتياجات العقل البشرى، الدين وحده هو الذى يٌجيب على تسأولات الإنسان المحيرة، سواء باليقين أو بالإيمان إن كان المقصود هو الله الذى لا يحده عقل، فيأتى الإيمان ليسد عجز العقل المحدود، عندما يبحث فى الله غير المحدود.

حاجة الإرادة إلى فعل الخير

إن الإرادة في الإنسان تنزع بالفطرية إلى عمل الخير وهى لا تريد الشر، إلا إذا اعتبرته من قبل خيراً، فالإرادة في مسيرتها تجاه الخير، هي بحاجة إلى قواعد تساعدها على التمييز بين الخير والشر، وإلى عون يساعدها على فعل الخير وتجنب الشر، والحال إن الديانة وحدها هي التي تقدم للإنسان هذه القواعد وهذا العون.


وربما يستند البعض إلى الضمير للتمييز بين الخير والشر، إلا أنهم لا يدركون أن الضمير في واقع الأمر، يعلن فقط، إنه صوت لا سلطان له في أن يملي شيئاً على الإنسان، كما أن الضمير يمكن أن يُخطئ، وهو يتأثر بعوامل كثيرة..


وهناك من يقولون: إن قاعدة التمييز هي المصلحة الشخصية أو العامة، ولهؤلاء نقول: إن هذا المفهوم يجعل اختلاس مال القريب خيراً، إذا وجد فيه السارق مصلحته الشخصية، وإذا ما نشب نزاع بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فمن ياتُرى يجبر الفرد على نكران ذاته، والتضحية بمصلحته الخاصة لصالح المصلحة العامة؟ أليس الله بمبادئه ووصاياه التي يعلنها من خلال الديانة ؟


وفئة أُخرى تقول: عاطفة الشرف هي التي تؤسس قاعدة التمييز! ويغيب على هؤلاء أن الشرف هو في الواقع قاعدة غير ثابتة، بل هي نسبية، ولا تفهمه الطبقات الخيّرة من البشر كما تفهمه الطبقات الشريرة؟ كما أننا لا نجد له مفهوماً واحداً في جميع المستويات الإنسانية أو الطبقات البشرية؟ فما يعتبره البعض أعمالاً صالحة في ذاتها، كالانتحار والثأر، هو في الواقع منافي للأخلاق، لأنه يجيز الشر على أنه خير.


وربما يسأل البعض: وأين نجد العون الذي يساعدنا على عمل الخير؟ فإنه لا يكفي أن نعرف أو نرى ذاك الخير، بل يجب أن نحققه في حياتنا، فمن يساعدنا على ذلك، في حين أن ضعفنا الذاتي وأهواءنا تعوقنا على تحقيق هذا الرجاء؟


ولسائل هذا السؤال نسأل: هل يأتينا ذاك العون من الآخرين؟ بالطبع لا، إذ أننا متساوين في كوننا ضعفاء، أيأتينا من القانون المدني؟ كيف يتحقق هذا وهو لا يتناول سوى الأعمال الخارجية؟ ولا يمكنه أن ينفذ إلى أعماقنا، حيث تتهيأ تلك الأعمال؟


إذاً وبلا أدنى شك هذا العون، لا يمكن أن ينحدر إلا من الذي وضع القاعدة الأدبية، أي الله، فهو الوحيد الذى يستطيع أن ينظم أعمالنا وعلاقاتنا، لأنه يرى مافي داخلنا أى أفكارنا ورغبات غير المرئية..


ولكن هذا يتطلب بالضرورة علاقة بين الله والإنسان، وهذه العلاقة هي ما نسميه الدين، الذى هو ضرورة ولاغنى عنه للإنسان.


حاجة القلب إلى السعادة


وهذه من أهم حاجات الإنسان، فهناك كثيرون، لا يدركون حاجة العقل إلى الحقيقة، وحاجة الإرادة إلى الخير، ولكن الجميع بلا استثناء ينشدون السعادة، ويتوقون إليها توقاً هو ملء القلب البشري، كما يكمن فينا أيضاً رغبة في سعادة غير محدودة.

وفى سعى الإنسان نحو السعادة قد يخطئ خاصة إن كان لا يعرف ماهى السعادة؟ وكيف يصل إليها؟ فهناك من يتلذذ ويدمن ويقتنى.. محاولاً- لو استطاع- امتلاك كل ما فى العالم!!

ولكننا نعترف بأن العالم رغم اتساعه وكثرة خيراته، إلا أنه لا يمكن أن يُشبع جوع الإنسان! هل فكرت لماذا ؟ لنرجع إلى قصة الخلق ونتساءل: لماذا خلق الله الإنسان؟ أليس لكي يحيا معه ويتلذذ بحبه.

إذن فالإنسان قد خُلق لله ولن يُشبعه إلا خالقه، ولو أنه امتلك العالم بكل ما فيه فإنه لن يشبع! لأن العالم محدود، فإذا حصل على شئ مله، فيبحث عن غيره، لأنه فى الحقيقة يبحث عن غير المحدود وإن كان لا يدركه! وكأن الإنسان قد اختار لنفسه أن يعيش أسيراً فى حلقة مفرغة، حُكم عليه فيها بالجوع والعطش إلى الأبد، طالما اختار أن يحيا بعيداً عن الله!

والواقع إن سعادة هذه الحياة لا تعد سعادة صحيحة، إلا إذا كانت مقدمة لسعادة دائمة في حياة قادمة، فحين نفكر أن الله سيريح ويكافئ الذين يكدون ويتألمون.. فى هذه الحياة، يخف عبئها عنا، ونحتمل بصبر رقاد أعزائنا، لأننا سوف نراهم مرة ثانية في الحياة الأبدية.

والحق إن الاختبار يدلنا على أن المتدينين يشعرون بسلام، حتى في أثناء بلاياهم، ويتصرفون تصرفات يحسدهم عليها الملحدون.


فالديانة إذن هي أُمنية الإنسان، وهى التى تسد حاجاته ما دامت الضرورة تدفعه للبحث عن الحقيقة والخير والسعادة.. التى لا يجدها إلا في علاقته طاهرة مع الله ..

السبت، 26 ديسمبر 2009

شهود ميلاد المسيح (2)

حنـّة النبية

رمز للإخلاص فى العبادة والالتصاق بالله عن حُب، لازمت الهيكل لا تفارقه قط، عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً، وفى الهيكل كم أحنت ركبتيها تمجيداً لخالقها! وكم سكبت ذبيحة صلواتها على مذبح الحب الإلهيّ عاشت بين جدران تسيل من حجارتها أصوات التسابيح والمزامير، وقد تعبّقت برائحة البخور، أرواح البشر تذوب فيها حباً لخالقها، فيها يشرب الإنسان من خمر السكينة والطمأنينة، لقد تجلى الهيكل متشامخاً في قلب أورشليم، وتجلى الله بحبه في قلب حنّة بنت فنوئيل، وهكذا يظل القلب الطاهر عرشاً لملك الملوك فالحوار بين السماء والأرضبين الله والإنسان لم ولن .

وأغلب الظن أن ضجيج الحياة، وصراع الغرائز، وتسلّط المادة، أشياء تشغل الإنسان عن سماع دقات الله في أعماقه! هل ندمت حنّة على سنين قضتها في الهيكل؟ لا! لا! لم يفشل القديسون ولم تخب آمال الأنبياء، ففي الهيكل عاشت مع الله، والله إيمان ورجاء، والعالم كفر وإلحاد، الله نقاء وعفاف، والعالم فسق وفجور، الله حق ووفاء، والعالم كذب ونفاق، فماذا خسرت بحياتها في الهيكل؟ وماذا لو عاشت في قصر تئن تحت وقع أسواط اللذة ونار الشهوات التي لا ينطفئ لهيبها؟ حيث يخلع البشر أثواب الحياء ويُغنّون للزمن ويسكرون بأصوات الطبول؟

يذكر الكتاب المقدّس عن حنّة أنَّها عاشت (84) سنة مُلازمة الهيكل (لو37:2)، فحوّلها الزمن إلى هشيم، وعزلتها هوة الشيخوخة عن البشر، وهجرها الأقارب والأصحاب، لأنَّها صارت من دنيا الأموات، ورقة صفراء عافها الشجر وهى تنتظر الخريف لتسقط، ولكن قبل الخريف أتاها الربيع بنسيمه العليل لتتنسم رائحة الحُب، فتنتعش روحها قبل أن تلفظ نفسها الأخير، لقد كانت تسكب اشتياقات قلبها على مذبح الحُب، تطلب من الله أن يجعل ملائكته تقص عليها حكايات الأزمنة والدهور، وتشرح لها خطة الأنبياء في نبواتهم عن المسيح ضمن السطور، وتكشف لها أسراراً استودعها في أناشيده داود صاحب المزامير، فقد حان لليالي السوداء الطوال أن تتمخض لتلد النور الذي اشتهت يوماً أن تراه وتكحل به عينيها، وقد كان ورأت النور!المجــوس أمَّا المجوس فهم طغمة كهنوتية علماء في الفلك والتنجيم، قضوا حياتهم في دراسة الظواهر الفلكية والحوادث المستقبلية وورد ذكرهم في سفر (دانيال2:2)بعد ميلاد المسيح جاءوا من المشرق ومعهم أكياس مليئة بالهدايا لذلك المولود، فقدموا ليسوع الذهب الذي سيذدريه، والبخور ليعلنوا أن طقوسهم الجوفاء على وشك الانتهاء، و المر الذي يُستخدم في تحنيط الأموات، لأنهم أدركوا موت ابن الإنسان! حوالي ألف سنة قبلهم جاءت ملكة سبا إلى اليهودية، تحمل الهدايا من ذهب وعطور، وقد وجدت على عرش إسرائيل سليمان الذي تلقنت منه أعظم التعاليم (1مل10)।.

المجوس

أمَّا المجوس ولهم من العلم والحكمة والشهرة أكثر مما للملوك والرؤساء، لم يجدوا سوى طفل صغير عاجز عن الحوار، ومع ذلك سجدوا تحت قدميه، طارحين على الأرض تيجانهم، ومقدمين هداياهم من ذهب ولبان ومر، في بلاد فارس لم يكن المجوس هو الملوك، بل معلمي الملوك فهم الذين يقودون الحكام، ويقدمون الذبائح، ويفسرون الأحلام، ويتنبأون بالغيبولم يكن ملك يقرر إعلان حرب إلاَّ بعد استشارتهم، وبصفتهم العارفين أسرار السماء والأرض، كانوا يُسيطرون على أبناء جنسهم باسم الدين والعلم، وكانوا بين شعب لا يعرف سوى الجسد أو المادة يمثلون جانب .

ولذلك كان لابد أن يسجد هؤلاء أمام المسيح، فبعد البهائم ممثلة الطبيعة، والرعاة ممثلون عامة الشعب، كان على سلطة المعرفة أن تسجد أمام مغارة بيت لحم، وبذلك أعلنت طبقة الكهنوت العريقة خضوعها للكاهن والمُعلّم الأعظم، الذي كان على الأمم الوثنية أن تتقبّل رسالته الجديدة، إنَّ سجود المجوس للسيد المسيح يعني، اعتراف علماء
اللاهوت القدامى بالمسيح وإيمانهم بلاهوته، وجثو المعرفة أمام البراءة، وارتماء الثروة عند أقدام الفقر يرى البعض أنَّهم كانوا كثيرين، يتقدّمهم ثلاثة فقط وهم الذين يحملون الهدايا، ولهذا السبب اضطرب هيرودس وجميع أورشليم معه (مت3:2)، والكنيسة تعتقد أن عددهم (12) وقد قال القديس يعقوب الرهاوي أنَّهم كانوا (12) ومعهم أكثر من ألف آخرين।والكنيسة اللاتينية تعد مجوساً ثلاثة أسماءهم هى:كسبار وملكيور وبلتازاروقال أنَّهم كانوا (8)، مستندين في ذلك إلى ما جاء في سفر ميخا النبيّ: " وَإِذَا دَاسَ فِي قُصُورِنَا نُقِيمُ عَلَيْهِ سَبْعَةَ رُعَاةٍ وَثَمَانِيَةً مِنْ أُمَرَاءِ النَّاسِ (مي5:5)।

الأربعاء، 23 ديسمبر 2009

شهود مبلاد المسيح (1)


إنَّ شهود الميلاد كثيرين.. فها العذراء التي حملتْ جمر اللاهوت في أحشائها ولم تحترق! ويوحنَّا المعمدان الذي ارتكض فرحاً بالمسيح، وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه! وهناك سمعان الشيخ الذي حمله على ذراعيه! وحنّة النبية التي عاشت مترملة 84 سنة، ملازمة الهيكل لا تفارقه قط بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً! هؤلاء غير الرعاة أول من زُفتْ إليهم بشرى الميلاد! والملاك الذي حمل إليهم البشرى! والملائكة الذين سبَّحوه يوم ميلاده! والمجوس الذين قدَّموا له هدايا من ذهب ولبان ومر.

يقول القديس كيرلس الأورشليميّ:
" ولادة ابن الله الوحيد بالجسد من عذراء ولادة بلا دنس، ولو عارض الهراطقة فإنَّ الروح القدس يلومهم.. وسيثور عليهم غبريال الملاك يوم الدين، ومكان المذود سيفحمهم، والرعاة الذين بُشّروا بالفرح العظيم سيشهدون، وجيش الملائكة الذين سبحوا الله.. والهيكل الذي حُمل إليه في اليوم الأربعين، وزوجا الحمام اللذان قُربا، وسمعان الذي حمله على ذراعيه، وحنّة النبية التي حضرت تلك الساعة ".

يوحنَّا المعمدان

لست أعلم إن كان هناك قصصاً كثيرة، تُثير الإنسان وتهز مشاعره وتلهب ضميره، مثل قصص المتوحدين الذين شقّوا طريقهم في أماكن خطرة، في البراري حيث سكنوا المغائر والكهوف، وقد كان المعمدان واحد من قلة نادرة عاشت حياة الشظف والجوع والعطش॥ شهد له السيد المسيح بأنَّه أعظم مواليد النساء (مت11:11)، وكيف لا يكون عظيماً وقد اكتشف الحبل الإلهيّ وهو جنيناً في بطن أمه! فقد فسَّر الآباء ارتكاض يوحنَّا وهو جنين في بطن أُمه (لو41:1) على أنَّه سجوداً للمخلص، وهذا ليس بغريب إذ قيل أنَّه " مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ " ( لو15:1)। لقد أحس بالروح أنَّ ما تحمله العذراء في بطنها، هو المسيح الرب الذي ينبغي له السجود والإكرام، وفي هذا تبكيت لقلوبنا الصخرية وأفكارنا المشوشة، التي تطلب المزيد من الأدلة على تجسّد ابن الله! ومع هذا نقول: إنَّ سماء الكتاب المقدس مرصّعة بالنجوم، وهى تتلألأ لترشد التائه في القفر إلى الله!

والحق إنَّ سجود المعمدان كان بمثابة عظة صامتة، تُلقّن الإنسان درساً في قدرة الله العجيبة، على تحويل الحياة إلى صلاة وسجود! فإن كان أروع ما في الطبيعة صمتها الساحر وجلالها الخاشع: صمت الغيوم في القبة الزرقاء، صمت الثلوج على الجبال، صمت الينابيع داخل الصخور، صمت الندى على الزهور، فإنَّ أروع ما في دنيا الروح: صمت الحياة الخاشعة، والركب الراكعة، والأياديَّ الضارعة، والدموع الصامتة، والقلوب الهائمة التي تُصعد حبَّها بخوراً لله في زفرات متقطعة॥

لقد كان المعمدان أمير النساك، ونبي الأطهار، ولكن هذا العظيم وقف أمام المسيح مكشوف النفس، عارياً يطلب غطاءً يستتر به، يلح على الاعتراف والتوبة لنفسه " أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!" (مت14:3)، فنظرات يسوع قد نفذت إلى أعماقه برهبة وحلاوة، فانخفضت عيناه الناريتان، وانعقد لسانه الذي طالما وبّخ ملوكاً وعظماءً।

الرعــاة

على مقربة من بين لحم، وبينما كان الرعاة الأتقياء يعيشون في البادية بعيداً عن العالم وملذاته، ساهرين على قطعانهم لحراستها من الذئاب واللصوص، ظهر ملاك الرب بغتة ليزف لهم بشرى الميلاد المفرحة، فاضطرب الرعاة وكان لابد أن يضطربوا، لأنَّهم لم يروا من قبل منظراً مهيباً كهذا، زاده جلالاً حدوثه فى الليل والقفر واقترانه ببهاء الملاك وهيبته، ولهذا قال لهم الملاك: " لا تخافوا "، هكذا فعل مع زكريا الكاهن ومريم العذراء (لو1: 13،30)، ثم بدأ يُعلن لهم البشرى المفرحة، بهذا يكون الرعاة هم أول من بُشروا بميلاد المسيح، الذي قال: " أنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ " (يو11:10)، ولأنَّ الراعيّ أول من يعرف بميلاد الحمل، هكذا أيضاً الرعاة هم أول من بُشّروا بميلاد حمل الله، الذي جاء ليرفع يرفع خطايا العالم كله (يو29:1)। لكنَّ المسيح إن كان حملاً قدّم ذاته ذبيحة عنا، إلاَّ أنَّه كان أيضاً لا يزال راعياً يرعى البشرية بتعاليمه المقدَّسة في مراعى حبّه، ولابد أنَّ الرعاة كانوا أتقياء مثل: إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود॥ وإلاَّ ما نالوا هذا الشرف العظيم! كما أنَّهم شابهوا الرسل الذين تعبوا في رعاية المؤمنين، وهكذا يبقى الراعي صالحاً إن قاد خرافه إلى المراعي الخضراء، ولم يدعها تهيم فوق الأراضي الجرداء!

ومما يُلفت النظر أنَّ الملائكة لم يحملوا بُشرى الميلاد للعلماء أو الملوك أو الأغنياء.. بل لرعاة! ما يُميّزهم هو سهرهم على القطيع! فقد انتهى الوقت الذي يوضع فيه ميزان للبشر! ألم يقل داود النبيّ: " والمَسَاكينْ يُبشَّرونْ " (مز4:72)، في بساطة ذهب الرعاة ليروا المولود (لو15:1)، فرجعوا مؤمنين مع أنَّهم لم يروا سوى طفلاً مُقمّطاً وموضوعاً في مذود حقير! ولكنَّهم أمام صوت الملاك الذي بشرهم سكتت عقولهم وتركوا إيمانهم يتكلّم، وبهذا أعطوا اليهود أعظم درس في الإيمان البسيط، الذي لا يعوقه فلسفات البشر، ويُقدّم لنا مارِ أفرآم السريانيّ، صورة مبهجة للقاء الرعاة بالطفل الراعيّ فيقول: " جاء الرعاة حاملين أفضل الهدايا من قطعانهم: لبناً لذيذاً ولحماً طازجاً وتسبيحاً لائقاً.. أعطوا اللحم ليوسف واللبن لمريم والتسبيح للابن.. أحضروا حملاً رضيعاً وقدموه لخروف الفصح، قدموا بكر للابن البكر، وضحية للضحية، وحملاً زمنياً للحمل الحقيقيّ.. ".

سمعان الشـيخ

مشت مريم على الدرب الطويل الصاعد من بيت لحم إلى أورشليم ، تُطوّق بذراعيها دُرّتها الثمينة، ويدخل المسيح الهيكل طفلاً لا تحمله مركبات ولا تواكبه جيوش، لكن كان في استقباله على مدخل الهيكل حشد كبير، من أنبياء وأبرار يمثلهم رجل صديق يُدعى سمعان الشيخ.

لقد جالس سمعان الكهنة والعلماء مستفسراً معاني التوراة الخاصة بالملك المسيح॥ وكم كانت أحلامه تسيل على الذبائح والقرابين، فرؤية مشتهى الأجيال حلم راوده مدى الحياة، وفى يوم ليس له نظير ولن يتكرر ثانية في التاريخ، يصعد إلى الهيكل ليرفع صلاته ويقرب بخوراً لله॥ وإذ به يُلاقي أُمّاً يشعْ من وجهها بريق طهارة عجيب، وتضم إلى صدرها طفلاً رضيعاً كأنَّه قطعة من نور، وإذا بالروح القدس يكشف له سر الوليد الإلهيّ ويكشف له عمَّا سيلقاه، فأحس سمعان بقوى الشباب تعود إليه ومعها شعلة الإيمان والرجاء، فأخذ الصبي بين يديه وراح يدهن بنور بهائه عينيه الضعيفتين اللتين أذابتهما الأيام، وكأنَّ عيون الآباء والأنبياء التي أغمضت على ذلك الرجاء، تنضم إليه لتكتحل هى أيضاً بذلك السناء، فلا عجب إن هتف البار مترنحاً بنشوة الظفر والخلاص، مترنّماً بعظائم الله (لو29: 2)، فكان نشيده شكر لله الذي أنجز وعده متجسّداً من عذراء وأصبح في حوزة يديه! ونشيد إيمان لأنَّ عينيه تكتحلان الآن بنور الأبدية، وتجعلانه ينظر مسبقاً خلاص الأمم الذي سيتم على يد هذا الوليد السماويّ، ونشيد تعزية لأنَّه انتصر على الخطية وقوات الجحيم وآمن أن نصيبه سيكون مع المفديين! وهو الآن ليس بنادم على عمر طواه فى خدمة الله، لقد أراق عمره سكيباً على مذبح الحُب الإلهيّ، وقد كافئه الله بمعاينة ابنه في غروب حياته! يُخيّل إلىّ أنَّ سمعان بعدما سبّح الله تغيّر وجهه، وامتد بصره إلى الأُفق البعيد وأطال الإمعان، وكأنَّه يقرأ سفراً عتيقاً، ثم دفع الطفل إلى أُمه وقال والحزن يتموج بين كلماته: وأنتِ سيجوز في نفسك سيف، يوم أن يُرفع ابنك على العود ويُصلب الحب على الصليب، فبين الحب والكراهية حرب، والعالم ظلمة فيها يعبث الأشرار وابنك نور ساطع البهاء، يكشف الأسرار ويقلق الأفكار... ولِذا سيكون نصيبه الموت! فأحنت مريم رأسها، وقدمت تقدمة حبّها لله وقالت: ها أنذا أمتك يارب لتكن مشيئتك

السبت، 12 ديسمبر 2009

بيت لحم قرية ميلاد ملك الملوك



هى قرية صغيرة من تلك القرى الفلسطينية المتناثرة على التلال، تُحيط بها أرض مزدانة بكثير من الأشجار والنبات، أمَّا ينابيعها فيتدفق منها ماء عذب، اشتاق داود النبيّ أن يشرب منه مرّة، وهو على بعدٍ أثناء حربه مع الفلسطينيين، يقول الكتاب المقدّس " فَتَأَوَّهَ دَاوُدُ وَقَالَ: مَنْ يَسْقِينِي مَاءً مِنْ بِئْرِ بَيْتِ لَحْمِ؟ " (2صم15:23).

معناها " بيت الخبز "، وقد دُعيت هكذا لخصوبة أرضها، التي تفيض بالثمر وبخاصة الكروم والزيتون، وهكذا شاء الله أن يولد خبز الحياة النازل من السماء فى بيت الخبز، لكي يأكل منه كل جائع إلى البر فيحيا حياة أبدية (يو54:6).

في زمن يعقوب دُعيت " أفراتة " أو " أفراثة "، وفي هذا يقول مار يعقوب السروجيّ: " اسم أفراتة تعني بيت لحم لأنَّ الحياة نزل من السماء وحل بمكانها، ها في بيت لحم خبز جديد لجياع الأرض "، ولكن بعد غزو كنعان، دُعيت بيت لحم اليهودية لتمييزها عن بيت لحم زَبولونْ.


وتأتي أول إشارة إلى بيت لحم فى الكتاب المقدس، في مكان ذُرفت فيه الدموع، فهناك نلمح على الطريق المؤدي إليها قافلة تسير متباطئة قد أناخها الحزن، وفي القافلة شخصان: رجل وامرأة، والمرأة تعاني سكرات الموت، إنَّهما يعقوب وراحيل اللذين ارتحلا من بيت إيل إلى بيت لحم لتموت راحيل وتُدفن في هذا المكان المقدس (تك16:35-20).

فأول لمحة عن بيت كانت للدموع! ثم سرعان ما تغير المشهد، لنرى بيت لحم مكاناً للحُب البريء، فقصة الحُب الجميلة بين بوعز وراعوث، نُسجتْ خيوطها الذهبية في بيت لحم، فدخلت القرية الحقيرة التاريخ، بعد أن امتلأ جوها بعبير الحُب الساميّ أحد ينابيع الوجود!

ومن هذا الحُب الفريد الذي ترعرع تحت سماء بيت لحم وبين أزهارها، جاء داود النبيّ الملك العظيم، فقد كان مسقطه بيت لحم (صم12:17)، وفيها أيضاً مُسح ملكاً (1صم13:16).

وظلت الأجيال تتعاقب، والرجاء يقوى، وفى وسط هذا الشعور الغامر بقرب مجيء المُخلّص، يأتي ميخا النبيّ بنبوة واضحة عن ميلاد المسيح في بيت لحم فيقول: " أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (مى2:5).

هذا وقد ذكر لنا الكتاب المقدس أنَّ رحبعام ابن سليمان حصنها (2أى6:11 )، كما جاء في كتب التاريخ أنَّ يوستنياس قد رمم أسوارها. وفى سنة (330م) بنت الملكة هيلانة فوق المغارة، كنيسة تُدعى الآن باسم " كنيسة المهد "، وهكذا شاءت حكمة الله أن يولد المسيح في بيت لحم رغم أنَّ العذراء كانت تسكن الناصرة! فما هى قصة الميلاد العجيب؟

أصدر أُغسطس قيصر أمر بإحصاء رعاياه فى أنحاء المملكة الرومانية، فقد كان أباطرة روما عشّاقاً لفنون تعذيب البشر وإذلالهم، ومن صور هذه القسوة الأمر الذي كان يصدره الحاكم عندما يعتلي العرش، وهو إحصاء الشعوب التي تخضع له وتؤدي الجزية، وقد كانت الأمة اليهودية خاضعة للسلطة الرومانية في ذلك الوقت.

يصدر الأمر فتتحرّك الشعوب زاحفة إلى حيث مسقط رأسها، لتُسجل أسماءها في دفاترها وأيضاً مهنتها وثروتها، فتسهل جباية الضرائب، ومن ناحية أخرى يتعمّق في وجدان الشعوب الزاحفة الإحساس بالضعف والمذلة، ويتعمق في وجدان أباطرة روما كبرياء الأقوياء وغرور المستبدين!

وما أعظم الفرق بين موكب الأُسر الكادحة الزاحفة في خوف وقلق ومشقة، تحمل متاعاً قليلاً ومعه أحزاناً كثيرة، و بين موكب الحاكم الرومانيّ، وهو يتحرك في عربة فخمة مذهّبة ومُجهزة بكل وسائل الراحة، تُحيط بها جمهرة من الجند حاملي السلاح، لكي يشيعوا مزيداً من الخوف في قلوب البائسين.

صدر الأمر فانطلق الجميع، كل واحد إلى مدينته، فصعد يوسف من الجليل إلى اليهودية، من الناصرة إلى بيت لحم ليكتتب مع مريم امرأته (لو4:2)، وما هذا الصعود إلاَّ إعلان واضح أنَّ المسيح قد نزل من السماء ليرفعنا من الأرض إلى السماء.

ويتأمل القديس يعقوب السروجيّ في قصة الاكتتاب فيقول: " خرج الأمر أن يكتتب كل واحد اسمه في بلده، فكان يجب أن يكتب ابن الله اسمه في سما السموات، لكنَّه شاء أن يولد في بيت لحم لكي يكتب بميلاده أسماء الناس في سفر الحياة ".

انطلق موكب المكتتبين، النساء تلفّهم الأوشحة السوداء وكأنَّهم ليل يسير في بطء شديد، والرجال وقد أحنى الفقر أعوادهم الصلبة وغمر العرق جباههم المرهقة، وعلى مشارف بيت لحم تفرقت العائلات، فهناك من ذهبوا إلى الأقارب والأصحاب، ومن مَلَكَ بعض المال ذهب إلى الفنادق الرخيصة، أو إلى بعض المنازل التي حوّلها أصحابها إلى فنادق مؤقتة..أمَّا يوسف ومريم فمضيا إلى مغارة على أطراف المدينة فوق تلٍ لأنَّهما من الفقراء!! ولا تزال بيت لحم تُحيط بها المغائر والكهوف، يترك فيها الناس بهائمهم في أوقات الازدحام ومواسم التجارة والأعياد.

ويبقى السؤال الحائر بلا إجابة واضحة: أين ثروة الملك داود؟! أليست العذراء أعظم ثمرة في تلك الشجرة الملوكية؟! قد لا نعرف كيف فقدت الأسرة ثروتها، لكننا نعرف أنَّ حضارات الشعوب، صنعها هؤلاء المخلصون المجاهدون، العاملون بأمانة في صمت عظيم، وهكذا عاش المسيح الحياة بعد أن حررها من آلام الغنى، فكانت حياته بسيطة لا يشوبها الطمع أو تمزقها الأنانية أو يرهقها الجشع، وقد رضي بالقليل لأنَّه امتلك غنى النفس!

وفى لحظة هى أعظم لحظات الوجود، صرخ طفل ليس له قط نظير، معلناً عن مجيئه إلى عالمنا ليفصل بين زمنين، إنَّه يسوع! لقد أتت مريم بكائن فريد ليس كباقي الأطفال، فكل يوم يشق الفضاء صوت القادمين من الغيب إلى هذا العالم، ولكل كائن آتٍٍ إلى العالم دعوة ورسالة للحياة.. ولكن ما أعظم الفرق بين هذا وهؤلاء!!

الجمعة، 6 نوفمبر 2009

أهمية ميلاد المسيح


كان من نتائج السقوط أن فقد الإنسان طبيعة الصلاح وغرق في بحر الخطايا والآثام، فاظلمَّت روحه، وانحط فكره، وانقاد بفعل الخطية إلى عبادة الأوثان، وقد عجزت كل القوانين الأرضية والفلسفات البشرية.. عن إنقاذه من لجة الموت، والمضي به إلى شاطيء الخلاص! فعاش لا يعرف من الحياة سوى أشباحها.

في وسط هذه الظلمات تطلَّعت البشريَّة إلي مُخلَّص، وإذ كان متعذَّراً بين الخلق أن يوجد مثل هذا الجبار، تركَّزت الآمال في انتظار مجيئه من العالم الآخر! وهكذا كان الأنبياء يرفعون كل يوم صلواتهم إلي الله، متوسّلين أن تفتح السماء أبوابها لينزل البار مشتهى الأجيال، إلي أن جاء ملء الزمان والتقت السماء والأرض، وتعانقا في شخص المسيح يوم ميلاده.

وُلِدَ في كهف ووضع في مذود، مع أنَّ الملاك قال لأُمه أنَّه سيجلس على كرسي داود إلي الأبد (لو13:1)، فهل أخطأ الملاك؟ حاشا! لكنَّ المسيح قد نزل ضيفاً على مملكة الحيوان ليُضرم نيران ثورة لم تخمُد شعلتها بعد، نعم ثورة أبطلت شريعة الغاب، ورفعت الحق على الباطل، والمحبَّة على الكراهية، وساوت بين الأسياد والعبيد، والأغنياء والفقراء، فالفقر عند المزود قد صار غنىً، والرد دفئاً، والظلمة خيطاً من نور يُضيء الطريق أمام كل زورق تائه في الحياة.

تُرى كيف كان حال المجتمع قبل مجيء المسيح؟ كان مستقراً ماديّاً، مقلقاً اجتماعيّاً، مفلساً روحيّاً، بدليل أن الغالبية لم يكن لديهم وعي بمعنى الخطيّة ولم يهتموا بالفشل الروحيّ، فعبدوا البشر، وطلبوا الغفران من الشمس! وهكذا أفلست الديانات القديمة وعجزت عن حل مشكلة الإنسان، فازداد الاشتياق والتطلّع إلي المُخلّص، بعد أن ساد اقتناع تام بأنَّ الإنسان في حاجة إلي كائن آخر يفوقه في قدراته، ليُخلّصه من تلك القوى الجبَّارة التي عبدها كالكواكب والنجوم والقدر الأعمى..

أمَّا اليهود فقد عاشوا ينتظرون مجيّ المُخلَّص، ولم يكن فكرهم قائماً على الإيحاء النفسيّ أو التفكير العقليّ، بل كان واقعاً فعلياً، مرتكزاً على وعود ومواثيق خطّتها يد الله، بأحرف من ذهب وكلمات من نور على صفحات الكتاب المُقدّس، ولهذا ظهر مرات كثيرة بأشكال مختلفة، لتكون معالم على التجسّد الأعظم في ملء الزمان.

كما أعطاهم رموزاً كثيرة، تُشير في جوهرها لإمكانية ظهور الله في صور مختلفة لَعَلَّ أشهرها العُليَّقة وعمود السحاب وعصا هرون.. لكنَّهم كالوثنيين أحبّوا الظلمة أكثر من النور، ففي أورشليم كانت عيون كثيرة تُحدّق في الأشياء الصغيرة، إنَّهم رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيين، الذين إظلم فكرهم وقلبهم وقد أضلوا الشعب بتعاليمهم! فصاروا كحشرات المستنقعات التي تحيا بين القاذورات أو كأفاعي الكهوف التي تبث في الفضاء سمومها!

إنَّ ميلاد المسيح إعلان واضح أنَّ إلهنا ليس أنانياً لا يهمَّه البشر، ولا يفكر إلاَّ بسجود العبيد، ونحر الذبائح وحرق البخور.. فمثل هذا الإله المنزوي في سمائه بعيداً عن خلائقه لا وجود له، فالله محبّة، ومن طبع المحبّة أن تشقى لتُسعد الآخرين، تولد في القفر، وتحيا في الآلام، وتصعد كل يوم على الجُلجثة، وتُسمّر على صليب الإنسانية.. لتُكحّل عيونهم بأنوار الخلاص! فيُعاين كل إنسان في داخله مسيحاً جديداً، مدعواً لبذل حياته لأجل افتداء البشر! وهكذا مَنْ انسكبت محبّة الله في قلبه يصير كالبحر الواسع فيه تُصبْ ضعفات البشر فيُسر بتنقيتها، يتلقّى همومهم فيخفيها في لُججه العميقة، فهل لنا أن نحمل قارورة حُبّه عالياً ونقطرها بلسماً على جراح البشرية!

التجسّد هو الحلقة الأولى في سلسلة الفداء التي تشمل: الميلاد، الصلب، القيامة، الصعود، حلول الروح القدس، ففي الميلاد رأينا يسوع كشمس مُشرقة، ثم انتهت على الجُلجثة كشمس المغيب تذوب في صدر الحياة ولكن بين الشروق والغروب، ألهبت حرارة شمس البر قلوب كثيرين وأضاء شعاعها الذهبيّ الطريق ليرد ضالين..

فها المرأة الخاطئة التي تلاعبت بقلوب كثيرين، وكانت ترى اسمها مكتوباً على الشجر، منقوراً على الصخور، ها هي تستيقظ يوماً لتجد نفسها عنقوداً يابساً على كرمة الحياة، وردة ذابلة، قيثارة مُحطَّمة الأوتار، عشاً هجره النسور، لكنَّ يسوع يظهر في ليلتها المُظلمة، ويشد ثانية أوتار قيثارتها المُحطّمة، وهناك في بيت سمعان تتقابل مع يسوع، وفى يدها اليمنى قارورة طيب فيها عصير حياتها من جمال ومال، أمَّا اليد الأُخرى فقد كان فيها عذاب مرير ويأس مُخيف! وتطبع المرأة قُبلة ملؤها الندم على قدمي مُخلّصها، ومن قلب جريح بكت دم، فما أن أفرغت قارورتها حتى امتلأت من رحيق الغفران والرجاء، فغسلت نفسها ونفوس خطاة كثيرين كانوا يعيشون مثلها في الظلام.