مرحباً بكم في مدونة الأب الراهب كاراس المحرقي وهى تحتوي علي كتبه وعظاته وقداسات وألحان وقصص بصوته وبوربوينت من أعماله وصور متحركة وفوتوشوب من تصميمه وكثير من الخدمات المسيحية وتأملات روحية
الأخبار

السبت، 8 ديسمبر 2018

قديسون عاشوا في الدير المحرق - الأنبا برسوم الأسقف العام



من أي أبواب الثناء أدخل؟! وبأي كلمات أفيض بما يملأ قلبي من إعجاب؟! لمن كان قلبه طيباً نقياً كالثلج، فكره نقياً يعلو فوق الغيوم السوداء، فقد عاش في الدير راهباً، وخرج للخدمة قمصاً، وعاد للدير رئيساً، ثم صار أسقفاً وظل كما هو بسيطاً، إنّه نيافة الأنبا برسوم الذي تولى رئاسة ديرنا العامر وهو قمص.
النشـأة
إنّ عظمة البلاد في المسيحية لا تنبع من ثرواتها أو مبانيها  بل من مجد القديسين الذين أنجبتهم وعاشوا فيها، وكفر عبده قرية بسيطة بمركز قويسنا - محافظة المنوفية، ازدادت شهرة بميلاد القمص ميخائيل إبراهيم فيها.. وبتدبير إلهي تشهد القرية أيضاً ميلاد يوسف إبراهيم يوسف في (25/4/1908م)، الذي تربطه صلة قرابة بالقمص ميخائيل إبراهيم.
وقد تربى يوسف في أسرة بسيطة، فالوالد إبراهيم يوسف فلاح والأم حنونة حبشي حنا ربّة منزل وأربعة إخوة هم: وهبة كان مزارعاً، يوسف نجاراً، جرجس عامل تليفون بالشرطة، وحنونة الأخت الصغرى لا تعمل، وقد التحق يوسف بمدرسة الأقباط بقويسنا وحصل على الشهادة الإبتدائية، وتشهد طفولته أنّه كان مكافحاً فقد تعلّم النجارة من خاله منصور فأتقنها، وكان مواظباً على حضور القدّاسات، فتمت سيامته شماساً في سن مبكرة..
الذهاب إلى دير الأنبا أنطونيوس
امتلك يوسف قلباً طاهراً وجسداً عفيفاً وأراد أن يكرّس حياته لله، وفي يوم سمع عظة عن القدّيس يوحنا صاحب الإنجيل الذهب: الذي وُلِدَ في روما من أب غني وعندما طلب من والده إنجيلاً، عمل له إنجيلاً مذهباً، فأخذه وذهب إلى الدير، ثم عاد بعد سبع سنوات متنكراً، ومكث في كوخ حقير ثلاث سنوات، يقتات من فضلات موائد أبيه التي يُلقيها الخَدم في صناديق القمامة، وعندما أعلمه الرب بساعة انتقاله، استدعى والدته وأعطاها الإنجيل فلمّا عرفته بكت هي ووالده، فتأثّر يوسف عندما سمع هذه القصة المثيرة، والتهب قلبه حماساً للحياة الرهبانية، وأصبح العالم في نظره كهفاً ضيقاً لا يسعه، فذهب إلى دير القدّيس العظيم الأنبا أنطونيوس سنة (1928م).
وفي الدير مكث يوسف أكثر من عام كطالب رهبنة، فقرأ بستان الرهبان، وعمل بكل ما جاء فيه من نسكيات، متأثراً بسيرة القدّيس يوحنا التي سمعها، فكان يطوي الأيام صوماً دون أن يرجع إلى أب اعترافه، فسقط على الأرض مغشياً عليه، فاستدعى الرهبان طبيباً من بني سويف، وعندما فحصه رأى حزاماً مربوطاً على بطنه حتى لا يشعر بألم الجوع، فطلب منه أن يأكل وعندما استعاد صحته طلب منه الرهبان مغادرة الدير!
الرهبنة في الدير المحرق
بعد أن غادر دير الأنبا أنطونيوس عاد يوسف إلى كفر عبده وعمل بالنجارة، وشارك في عمل منارة كنيسة السيدة العذراء بالكفر.. حتى ذهب إلى الدير المحرق ليبدأ حياة جديدة بعيدة عن الحماس النسكي الزائد، فنجح في فترة الاختبار، فقام نيافة الأنبا أغابيوس الأول مطران ديروط وصنبو وقسقام (1929- 1964م) برهبنته باسم: الراهب برسوم إبراهيم المحرقي في (18/12/1931م).
وفي (19/1/1936م) نال نعمة الكهنوت فتحقق حُلم الأم عندما رأته يرتدي تونية بيضاء والشمامسة تزفّه فقالت له: إنّك ستصير قسيساً! وكان ذلك قبل ذهابه إلى دير الأنبا أنطونيوس بشهر! وفي نفس العام ذهب الآباء: برسوم وبطرس وجرجس من الدير المحرق للدراسة في مدرسة الرهبان، فتعمق في الكتاب المقدّس والعقيدة واللاهوت.. وأحب اللغة العربية فأتقنها وقام بتدربسها لطلبة الإكليريكية بالدير المحرق.
الله ينقذه من موت محقق
عندما كان القس برسوم المحرقي طالباً بمدرسة الرهبان، خرج يوماً مع أبونا بطرس وأبونا جرجس للتنزّه، وفي الساعة الرابعة عصراً قابلهم بعض الأشخاص من البدرشين وطلبوا منهم أن يصلوا صلاة التجنيز على أحد أقاربهم، فذهبوا معهم وأثناء عودتهم ركبوا قارباً مع (27) فرداً، وجلس الثلاثة في مقدمة القارب، وكان صندل قادماً من شركة كوم أمبو للسكر فاصطدم القارب بالصندل فغرق القارب بمن فيه، أما الرهبان الثلاثة فارتفعوا إلى أعلى من شدة الصدمة وسقطوا على الصندل ونجوا! وعندما عرف البابا يوأنس التاسع عشر بما حدث، شكر الله وقال للشخص الذي أبلغه: أرسل لهم سلامي واطلب منهم أن يصلوا من أجلي!
فـي عـام (1948م) تـم تعيين القمـص أنجيلـوس المحـرقي وكيلاً للدير المحرق، وكان القمص برسوم مشرفاً على جناين الدير، فأراد تجار من العرب وآخرون من أسيوط شراء فاكهة الجناين، فكانت رغبة القمص برسوم أن يبيع للعرب لأنهم عرضوا ثمناً أعلى لكنّ القمص أنجيلوس اتفق مع تجار أسيوط أن يبيع لهم ولم يعرف أنّ عرضهم كان أقل، فظن العرب أنّ القمص برسوم خدعهم، فطلبوا من الخفير الذي كان يرافقه أن يتركه بجانب المدافن، وفجأة أسرع الحمار الذي كان أبونا يمتطيه وسقط في مقبرة! فلما خرج العرب من المدافن ليقتلوه لم يجدوه! وبعد أن غادروا المدافن خرج من المقبرة وترك الحمار عائداً إلى الدير على قدميه، فرآه الخفير فأسرع نحوه واحتضنه يطلب المسامحه! فطلب منه مقابلة العرب صباحاً وعندما حضروا أخذهم إلى المدفن، وطلب أن يُخرجوا الحمار قائلاً: أنتم أردتم قتلي والرب نجاني! فندموا على سوء ظنهم وشرهم!  
الخدمة في السودان
ارتبط القمص برسوم بعلاقة محبة بالقمص أثناسيوس عوض عندما كان راهباً بالدير المحرق، وبعد أن صار أسقفاً باسم: الأنبا باخوميوس على أم درمان وعطبرة بالسودان في (29/6/ 1947م)، طلب من القمص برسوم المحرقي أن يساعده في الخدمة فوافق، وخدم ثماني عشرة سنة (1954- 1972م)، قضى منها ست عشرة سنة في شندي وسنتين في أمدرمان، وخدم خلالها مع ثلاثة أساقفة: الأنبا باخوميوس، الأنبا توماس، والأنبا إسطفانوس.
وفي شندي اقتصرت حياة الناس على العمل واللهو، أما يوم الأحد فكانوا يجتمعون في المقاهي فقام بافتقادهم طالباً أن يراهم في الكنيسة وتقديس يوم الرب وإلاَّ سيذهب إليهم في المقاهي، فذهبوا إلى الكنيسة خوفاً من سخرية غير المؤمنين إذا رأوا أبانا جالساً على المقهى، وتغير كثيرون منهم! وعلّم البسطاء القراءة والكتابة، واهتم بالوعظ والافتقاد، وكوّن لجنة للكنيسة، وأسس مدارس الأحد ومكتبة للاستعارة ومضيفة وحضانة وألّف مسرحية وأخرجها.. والآن وصل عدد الشمامسة إلى أكثر من مائة شماس! وتشهد كنيسة مارجرجس بشندي على مهارته في النجارة حيث قام بعمل المقاعد وصليب من الخشب لا يزال موجوداً أعلى الهيكل، عليه المسيح مصلوباً وعلى جانبيه مريم العذراء والمجدلية، وكتب أسفله: فداءً أبدياً.
حكمته في حل المشاكل
في كنيسة مارجرجس بأمدرمان، حدثت مشاكل بين القمص بطرس سلامة والقمص جرجس المحرقي، فانقسم الشعب، فقام الأنبا إسطفانوس بانتداب القمص برسوم للخدمة هناك، وعيّنه وكيلاً للمطرانية، فغضب وكيل المطرانية القمص بطرس سلامة فالتزم القمص برسوم صمت الحكماء، وترك كل الخدمات التي تخص الشعب من أكاليل وقناديل.. للقمص بطرس فشعر بالأمان نحوه وأحبه لأنه كان رب أسرة تحتاج إلى الرعاية، وعندما قرر القمص برسوم العودة إلى الدير، ذهب القمص بطرس معه إلى المطار وودّعه متأثراً لفراقه وتلاشت الانقسامات!
في عطبرة انحرف كاهن كنيسة السيدة العذراء مريم عن التعاليم الأرثوذكسية، فأنكر شفاعة القدّيسة مريم وهاجم إكرامها كوالدة الإله.. فحرمه الأنبا إسطفانوس فثار عليه الشعب ورفعوا القضايا ضده، فانتدب القمص برسوم للصلاة هناك، فكان عندما يذكر اسم الأنبا إسطفانوس يعترض البعض! فامتنع عن ذكر اسمه! فلمّا عَلِمَ الأسقف عاتبه، فرد عليه القمص برسوم قائلاً: أنا أذكرك في عبارة: وسائر أساقفتنا الأرثوذكسيين، فدعني أحل المشكلة بطريقتي وخلال عام سيأتي الناس يطلبون العفو والبركة من نيافتك، وخلال ستة أشهر تحقق كلامه!
عطاء بلا حدود !
عاش القمص برسوم سخياً دائم العطاء، ولحناً شجياً يعزف لحن الوفاء، ولهذا لا تستطيع الأعاصير أن تمحو بصمته ولا السنوات أن تطويها، لأنّ أعماله محفورة في أذهاننا، ونرددها في حواراتنا، لقد عرف حقيقة المال فلم يأسره، ولم يقتنيه لأنه وسيلة وليس غاية، به نشتري السرير وليس الراحة، الدواء لا الصحة، المكياج وليس الجمال، ولذلك باع كل ميراثه في الأرض - وكان عشرة قراريط - ونصيبه في البيت، وأعطى ثمنهم لأخيه المحتاج الذي كان يعمل في الشرطة وله سبعة أولاد، ليساعده في تربية أولاده، وأثناء خدمته في السودان كان راتبه الشهري عشرة جنيهات سودانية، وكانت تعادل ستة عشر جنيهاً ونصف مصرياً في ذلك الوقت، فكان يرسلها له، وكانت الأموال التي تأتيه من الشعب يعطيها للأستاذ صادق يوسف أمين الصندوق بكنيسة مارجرجس بشندي ليحتفظ بها، وإذا احتاج شيئاً له أو لشخص محتاج كان يأخذ ما يحتاجه، وقبل أن يترك السودان ويعود إلى الدير ترك كل أمواله للكنيسة، وهكذا نجح بحكمته أن يُعطي الرب وأيضاً أُسرته والناس المحتاجة!
وذات يومٍ وهو ذاهب للصلاة في إحدى الكنائس، توقف السائق أمام محطة بنزين، فأسرعت نحوه سيدة بسيطة تطلب بركة، فأخرج عشرة قروش ورق وأعطاها إياها واحتفظ بقرشين، فتعجب الأستاذ صبحي الذي يرافقه فقال له: الله يُعطي أضعاف ما نُعطي! وفجأة لمحه صاحب محطة البنزين فذهب إليه وأعطاه اثنى عشر جنيهاً قائلاً: الجنيهان لك والعشرة تبرّع للدير! 
تقدير المسلمين له
كان لشخصيته الجذابة دور كبير في نجاح علاقته بأحبائنا المسلمين الذين شاركهم جميع احتفالاتهم وكان يزورهم في المناسبات، فأحبوه وصار موضع تقديرهم وثقتهم، حتى إنّه ذات يوم حكم القاضي بوقف مؤذن الجامع  لكثرة الشكاوي منه، فذهب للقمص برسوم يطلب وساطته عند القاضي، فذهب إليه وكلمه فاستجاب له وعاد المؤذن إلى عمله شاكراً القمص برسوم على محبته، وكان اسمه: الحارس.
رئاسته للدير المحرق
عاد القمص برسوم من الخدمة إلى الدير المحرق في منتصف عام (1972م)، وفي تلك الفترة كانت هناك اضطرابات بالدير، فعزل البابا شنودة الثالث القمص قزمان بشاي (1962- 1972م) من الرئاسة وعيّن نيافة الأنبا أغاثون مطران الإسماعيلية ناظراً لوقف الدير المحرق ووكيلاً لقداسته، وبعد ذلك تم تعيين القمص برسوم المحرقي رئيساً للدير في سبتمبر (1973م) وبعد رئاسته  ازداد تواضعاً وجهداً، فكان يخرج في السادسة صباحاً من قلايته ويجلس أمام الديوان، ويقوم بتوزيع العمل، وتوفير احتياجات الرهبان، وكان يدخل قلايته في السادسة مساءً.
سيامة القمص برسوم أسقفاً
في عيد العنصرة (29/5/ 1977) قام البابا شنودة الثالث بسيامة كل من: الأنبا برسوم أسقفاً عاماً على كنائس شرق السكة الحديد، الأنبا رويس أسقفاً عاماً، الأنبا أغناطيوس أسقفاً على السويس، الأنبا ياكوبوس أسقفاً على الزقازيق ومنيا القمح، الأنبا كيرلس أسقفاً على نجع حمادي، كما قام بسيامة اثنين خوري إبيسكوبوس: الأنبا بولا والأنبا ساويرس رئيساً للدير المحرق.
وبعد سيامته ظل كما هو بسيطاً في كلامه ولباسه، وحجرته كانت بسيطة جداً ولم يكن بها تليفون، ومرتبه الشهري ثمانون جنيهاً، ومن أعماله التي تدل على تواضعه، كان إذا قبّل شخص يده يمسك بيده ليقبّلها! وإذا عمل له ميطانية ينحني أمامه!
المرض والنياحة
يموت الإنسان ويبقى اسمه، ويموت البار ليبدأ تطويبه، فبعد أن تقدمت الأيام بالأنبا برسوم استقر في بيت العائلة بكفر عبده، وبدأ يشعر بالتعب فرقد في الأسبوع الأخير من الصوم الكبير، وطلب حضور نيافة الأنبا مكسيموس مطران القليوبية، وأوصاه بدفنه وسط عائلته في كفر عبده وأن يُعطي حِلاً لأبينا بولس ميخائيل وأبينا يوسف فايق ليقوما بتكفينه! فسأله عن السبب فقال: لأنكم ستكونون مشغولين! وهذا ما حدث ففي عيد القيامة (4/5/1986م)، تنيح الأنبا برسوم في العاشرة مساءً، فذهب الأستاذ صبحي ابن أخيه إلى الكاتدرائية الساعة الثانية عشـرة ليلاً، فـلم يجـد سـوى غـبريال الخفير، فمكث معه، وفي الصباح حضرت أسرة إلى الكاتدرائية كانت ذاهبة إلى دير السريان، حيث اعتاد البابا شنودة الثالث أن يقضي عيد شم النسيم وسط الرهبان فطلب منهم أن يُعلموا قداسته، فما أن وصلوا الدير حتى أسرعت طفلة نحو البابا وأعلمته بخبر النياحة! فذهب كل من: الأنبا مكسيموس، الأنبا دوماديوس، الأنبا رويس، الأنبا ويصا، الأنبا إشعياء، والأنبا مرقس.. ووفود من الكهنة والشمامسة والخدام.. وتمت صلاة الجناز في الواحدة ظهر الاثنين (5/5/1986م)، ودُفن بمدافن كنيسة السيدة العذراء بكفر عبده الخاصة بالآباء، وكان هو أول من دُفن بها! ثم نُقل الجسد بعد ذلك في مزار خاص بالكنيسة فيه بعض متعلقاته الشخصية.

ليست هناك تعليقات: